قانون الأسرة والأحوال الشخصيةسنة 2025المحلل القانونيOpen Access · وصول حر

ضوابط السلطة التقديرية لقاض الأسرة وبعض تطبيقاتها - فك الرابطة الزوجية.

ب
بن تونس, زكرياء
كلية الحقوق والعلوم السياسية - جامعة البويرةصفحة 1-3155 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

ملخص. لقد عمد الإسلام وانطلاقا من السعي إلى تحقيق أحد المقاصد الكبرى له وهي حفظ النسل والعرض، إلى تشريع الزواج الذي اعتبره في حكم الميثاق الغليظ إبرازا لأهميته وإلى ضرورة العمل على عدم نقضه بحال، ولعلمه بأنّ العلاقة الزوجية قد لا يحالفها الحظ في النجاح والاستمرار؛ فقد وضع لها أحكاما أخرى تستدعي المصلحة الشرعية فكّها، وترك لبعضها مجالا واسعا للسلطة التقديرية للقاضي حتى يأخذ الحكم أو القرار المناسب، فهل للاجتهاد المخوّل للقاضي في مثل هذه الحالات ضوابط تحدّد مسار رأيه وتوجهه التوجيه السليم والصحيح؟ لقد أصبح للسلطة التقديرية للقاضي في مسائل حل الخلافات وتقديم البدائل؛ حضورا كبيرا في النزاعات القضائية وبخاصة المتعلّقة بقضايا الأسرة، وجعلها آلية فعّالة في تجاوز العديد من الإكراهات الناجمة عن فك الرابطة الزوجية، كما أنّها ساهمت في إعطاء حلول واقعية تقلّل من حجم تداعيات ذلك الانفصال على أفراد الأسرة وعلى المجتمع، بما يحقّق التوازن والاستقرار الاجتماعي.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

بن تونس, زكرياء، "ضوابط السلطة التقديرية لقاض الأسرة وبعض تطبيقاتها - فك الرابطة الزوجية."، المحلل القانوني، مجلد 7، عدد 1، ص ص 1-31.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

31 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

EISSN 2830-8689 ضوابط السلطة التقديرية لقاض الأسرة وبعض تطبيقاتها: فك الرابطة الزوجية Discretionary power controls for family judge and some of its applications: breaking up the marriage relationship أ.د. زكرياء بن تونس  كلية الحقوق والعلوم السياسي ة، جامعة البويرة، الجزائر. مخبر النظام القانوني للعقود والتصرفات في القانون الخاص - جامعة الجياللي بونعامة - خميس مليانة - الجزائر . [email protected] تاريخ االستالم: 2025/06/12؛ تاريخ القبول : 2025/07/11؛ تاريخ النشر: 2025/07/23 ملخص . لقد عمد الإسالم وانطالقا من السعي إلى تحقيق أحد المقاصد الكبرى له وهي حفظ النسل والعرض، إلى تشريع الزواج الذي اعتبره في حكم الميثاق الغليظ إبرازا ألهميته وإلى ّ ضرورة العمل على عدم نقضه بحال، ولعلمه بأن العالقة الزوجية قد ال يحالفها الحظ في ّ النجاح واالستمرار؛ فقد وضع لها أحكاما أخرى تستدعي المصلحة الشرعية فكها، وترك لبعضها مجاال واسعا للسلطة التقديرية للقاض ي حتى يأخذ الحكم أو القرار المناسب، فهل ّ ّ لالجتهاد المخول للقاض ي في مثل هذه الحاالت ضوابط تحدد مسار رأيه وتوجهه التوجيه السليم والصحيح ؟ لقد أصبح للسلطة التقديرية للقاض ي في مسائل حل الخالفات وتقديم البدائل؛ حضورا ّ ّ كبيرا في النزاعات القضائية وبخاصة المتعلقة بقضايا الأسرة، وجعلها آلية فعالة في تجاوز ّ العديد من الإكراهات الناجمة عن فك الرابطة الزوجية، كما أنها ساهمت في إعطاء حلول  المؤلف المرسل .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

ّ ّ واقعية تقلل من حجم تداعيات ذلك االنفصال على أفراد الأسرة وعلى المجتمع، بما يحقق التوازن واالستقرار االجتماعي. الكلمات المفتاحي ة: الرابطة الزوجي ة ؛ السلطة التقديرية ؛ الأسر ة؛ انحالل الزوا ج ؛ القاض ي . Abstract: Islam has taken and from the pursue to fulfill one of the biggest goals which is the presentation of the offspring, progeny and honour, to legislate and regulate marriage which is considered as the sacred pledge in order to show its importance and the necessity to avoid breaking it, as it is known that sometimes marriage may not succeed and cannot continue therefore, it has given other laws that requires its dissolution and leave legal interest, others to the judge to pronounce the judgement and the right decision. Is the diligence authorized to the judge in these cases controls which determine his opinion path and provide him proper and correct direction? Judicial discretion has an important and great role especially in the family cases and resolving disputes, and make it an effective process to overcome a lot of constraints caused by the dissolution of the family bond. Moreover it helps to give real solutions that reduce the extent of the repercussions of the separation on the family members and on society. So as to fulfill the social balance and stability. Key words: Marital bond; discretionary power; family; marriage dissolution - judge

المقدمة:

ّ لقد دع الإسالم إلى الزواج وشجع عليه باعتباره العامل الأساس في حفظ مقصد ّ النسل والعرض في الإنسانية، وجعله ميثاقا غليظا تنبيها لتميزه عن سائر العقود التي تنظم العالقة بين الناس، كما ألبس العالقة الزوجية رباط القوة والمتانة لتصير رابطة ربانية بين روحي ن وجنسين يسعيان على تقوى من هللا إلى العيش في جو تسوده الرحمة وتحميه المودة ليكون محصلة كل هذا رابطة زوجية مباركة تبهج النفوس وتثمر الذرية الصالحة .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

ّ ّ إن الرابطة الزوجية التي أسس لها الإسالم لتكون المسار الرباني لتواصل الذكر باألنثى؛ هي رابطة موضوعة الستمرار والدوام وقد عمدت الأحكام الشرعية المنظمة لهذه ّ العالقة م ت ش وف ة إلى دوامها واستمرارها، فقد جاء التنبيه ابتداء إلى حسن االختيار ﭐﱡﭐﭨﭐﭧ ﱎﱍ ﱌﱋ ﱊ ﱉ ﱈﱇﱆ ﱅ ﱄﱃ ﱂ ﱁ سورة النور 32 وقال أيضا ﲻﲺﲹﲸﲷﲶ ﲵﲴﲳﲲﲱﲰﲯ ﲮﲭ سورة النور 26 وقال عليه الصالة والسالم [ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقة ّ فزوجوه.. ]. رواه الترمذ ي وقال أيضا [ ...فارفث بذات الدين تربت يداك] رواه البخاري ومسلم ، ثم تال ذلك الدعوة إلى حسن المعاشرة والصبر قال تعالى ... ﲴ ﲲﲳ ﲱ ﲰ سورة النساء 19، إلى غير ذلك من التوجيهات التي تبرز سعي الإسالم إلى العمل على استمرار الرابطة الزوجية ّ ودوامها، ولكن دون هذا المقصد الأصلي استثناء اقتضت فيه حكمة خالق الأزواج إلى أن العالقة والرابطة قد ال يكون من الحكمة وتحقيق المقصد الأساس ي لها دوامها فكان التشريع إلى إمكانية انفكاكها ولكن على هدى من هللا كما نشأت، ﲗﲘ ﲖ .... سورة البقرة 229، فرغم كل اآلليات الشرعية ّ (الرجعة، العدة، الصلح،...إلخ) التي و ض ع ت من أجل أن تتماسك الرابطة الزوجية وتدوم ّ ّ حتى مع وجود االضطرابات والعوارض، إال أن االنفكاك أمر ممكن وإنساني وارد، وباعتبار ّ أن الإسالم دين موضوعي فقد أقر بهذه الإمكانية وإن اعتبرها من أبغض الحالل . ّ إن انفكاك الرابطة الزوجية في الإسالم قد يجسده اكتمال الشروط الشرعية الموضوعية لوقوعه (شروط الطالق أو التطليق أو الخلع)، كما يمكن أن تحققه السلطة ّ التقديرية الممنوحة للقاض ي في ظروف معينة من أجل أن ي ث ب ت هذا االنفكاك أو ين ظم ما ّ ينتج عنه من آثار وتداعيات، وألن الرابطة الزوجية ال تتوقف آثارها على الزوجين بل ّ تتعادها إلى الغير، وألن العالقة الزوجية عالقة حساسة للغاية؛ كان لزاما على هذه السلطة َّ ّ ّ ّ التقديرية أن تضبط وتحدد حدودها حتى ال تأت بعكس المطلوب منها، إذ أنها لم توجد إال ليرتفع بها الحرج وتتحقق منها المرونة المطلوبة في التعاطي مع قضايا انفكاك الرابطة

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

ّ الزوجية التي تعد من أكثر الروابط االجتماعي ة حساسية وصعوبة في التعامل والمعالجة.

المبحث الأول: مدلول السلطة التقديرية لقاض الأسرة وبعض تطبيقاتها

لم تكن النصوص القانونية عبر تاريخ الإنسانية الطويل كفيلة باإلجابة وتنظيم كل العالقات البشرية المختلفة وإيجاد الحلول لجميع إشكاالتها وهذا أمر منطقي، إذ ال يمكن ّ ملحدود (النصوص) أن يتحكم في غير محدود (مصالح الناس)، كما أنه لم يسعفها حتى ّ التفسير الدقيق للنصوص القانونية الموضوعة، بحيث و ج د ت القراءات المتعددة لنفس النص القانوني، ولهذا احتاج القائمون على تطبيق القانون وعلى رأسهم القضاة إلى إعمال فكرهم واجتهادهم في الجواب عن الإشكاالت التي لم ترد فيها نصوص أو التي ورد فيها نص ّ ولكن احتاج إلى ترجيح أحد اآلراء المف س رة أو الشارحة له، وذلك من خالل العديد من اآلليات والتي من أبرزها إعطاؤهم السلطة التقديرية في تكييف النصوص وتفسيرها، ّ وبالتالي فالسلطة التقديرية للقاض ي تمثل قدرته على المالئمة بين الظروف والواقعية ّ ّ للحالة المعروضة عليه، والحل الذي يقرره فيها، فهي في أبسط صورها قدرة على التحرك ّ بين االختيارات المتاحة للقاض ي قانونا، ومن الخطأ أن تفهم السلطة التقديرية على أنها حرية تطبيق القاعدة القانونية في أحوال عدم النص التشريعي(1).

المطلب الأول: مدلول السلطة التقديرية لقاض ي الأسر ة

إن فكرة السلطة التقديرية للقاض ي بشكلها المطلق وجدت منذ العصر البدائي، وظلت موجودة في مختلف التشريعات القديمة، بينما اكتنف السلطة التقديرية للقاض ي في ظل هذه الن ظ م الغموض، نتيجة تداخل الوظيفة القضائية مع الوظيفة التشريعية ّ والتنفيذية أو الإدارية عند إصدار وتفسير القانون أو تنفيذه (2)، بما يعني أنها من حيث الممارسة قديمة في التطبيق وهذا أمر عادي كما ذكرنا من قبل، فالقاض ي مضطر إلى إيجاد الحلول للمشاكل الناجمة عن العالقات البشرية، وهذه الحال تضطره إلى تقدير الوضع (1) جواد بولحية، السلطة التقديرية للقاض ي الأسري في دعاوى الرابطة الزوجية، مجلة القانون واألعمال الدولية، مختبر البحث قانون الأعمال، كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية، جامعة الحسن الأول – سطات، المملكة المغربية العدد20:، أوت 2020، ص: .289 (2) اسمهان عفيف، السلطة التقديرية لقاض ي شؤون الأسرة في التعويض عن الضرر، ماجستير تخصص: قانون شؤون الأسرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بواقي، الجزائر، 2011/2010، ص.26:

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

واالجتهاد في تفسير النص أو إيجاده، وهذه الوضعية وجدت موقعها في الإسالم من خالل ّ الحديث المعروف والمشهور عن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رض ي هللا عنه ملا بعثه النبي صلى هللا عليه وسلم ألهل اليمن حتى يعلمهم دينهم ويحكم بينهم بشرع هللا فقال [ ّ ....أجتهد رأي وال آل و(]1)، وقد عبر عنها (السلطة التقديرية) فقهاء الشريعة الإسالمية بالعديد من المصطلحات من مثل حكم القاض ي، رأي القاض ي، اجتهاد القاض ي...وأساسها عندهم العمل العقلي والنشاط الذهني بمختلف وجوهه، يقوم به القاض ي إزاء الدعاوى والخصومات التي ترفع إليه، فيقرر فيها حكما من أحكام الشرع إن كام موجودا بعد التأكد من مطابقة الدعوى لشروط الحكم عليها بالنص، أو البحث واالجتهاد بالرأي إذا كان الحكم غير منصوص عليه، هذا مع مراعاة أحوال المتقاضين حين إصدار الحكم (2) وبالتالي فليس الأمر بالجديد.

الفرع الأول: تعريف السلطة التقديرية للقاض ي ومشروعيته ا

الوصول إلى مدلول السلطة التقديرية للقاض ي يمر حتما بتعريفها والوقوف على عناصر التعريف، ثم التعريج على موقف الفقه الإسالمي والمشرع الجزائري منها .

أولا: التعريف االصطالحي للسلطة التقديرية للقاض ي

ّ من المهم الوقوف على التعريف االصطالحي للسلطة التقديرية من أجل معرفة ّ الحدود التي تتوقف عندها وبالتالي إدراك المجال القانوني الذي تتحرك فيه والمخولة لها حتى ال نقع في محذور تجاوز السلطة للمقصود منها. ّ السلطة التقديرية في الفقه الإسالمي كما يعرفها الدكتور محمود محمد ناصر بركات هي: صالحية يتمتع بها القاض ي للقيام بعمله بالتفكير والتدبر بحسب النظر والمقايسة إلقامة شرع هللا في الأمور المعروضة أمامه في جميع مراحلها ابتداء من قبول سماعها، إلى تهيئتها إلثبات صحتها أو كذبها، إلى الحكم عليها، واختيار الطريقة المناسبة لتنفيذ الحكم مع مراعاة أحوال المتقاضين في جميع مراحل الدعوى ألهميته وأثره في الحكم (1) رواه أحمد أبو داود والترمذي . ّ (2) حفيظة فضلة، السلطة التقديرية للقاض ي في مسألة الترخيص بالتعدد في قانون الأسرة الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة الجلفة، الجزائر، المجلد: 10، العدد: 04، 2017، ص: .218-217

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

ّ القضائي...بينما يرى الدكتور نبيل إسماعيل عمر أن السلطة التقديرية للقاض ي المدني هي: النشاط الذهني الذي يقوم به هذا القاض ي في فهم الواقع المطروح عليه واستنباط ّ ّ العناصر التي تدخل هذا الواقع في نطاق قاعدة قانونية معينة، يقدر أنها هي التي تحكم النزاع المطروح عليه... بينما يجمل بعض الباحثين تعريفا جامعا بين الفقه والقانون فيقول ّ ّ بأن السلطة التقديرية لقاض شؤون الأسرة هي: [م كن ة قانونية تخول لقاض شؤون الأسرة إعمال نشاطه الذهني في فهم الواقع المطروح عليه واستنباط العناصر التي ت د خ ل هذا الواقع في إطار قاعدة قانونية معينة تكون صالحة التطبيق على النزاع المطروح، مع مراعاة أحوال المتقاضين، ويخضع القاض ي بصدد ذلك للرقابة القضائية(]1)، وقال آخر [ هي سيادة يتمتع بها القاض ي في قضائه، يعتمد فيها على خبرته وتدبره وتفكره، مقترنا ذلك بالنص القانوني المحتمل الذي بين يديه، ليبلغ الأصلح في تحقيق الغاية المطلوبة منه على ّ ّ أتم وجه] (2)، ويمكن القول بأن السلطة التقديرية للقاض ي هي لصيقة بممارسة نشاطه ّ القضائي أيا كان موضوع المنازعة، فالسلطة التقديرية هي عمل يقوم به القاض ي بهدف ّ ُّ تحقيق الغاية الموضوعة من القانون، ومن ثم تعد من صميم عمل القاض ي، فأينما و ج د ت السلطة القضائية أمكن الحديث عن السلطة التقديرية التي يمارس القاض ي من خاللها ّ والية القضاء(3) بما يعني أن السلطة التقديرية لها عالقة بقوة الحضور الذهني واالستقراء الجيد للوقائع، أضف إليه القدرة على الربط بين عناصر الواقع والقاعدة القانونية الضابطة له، وهذا يستلزم أن يكون القاض ي ذا دربٍة وتجربة عملية كبيرة تسمح له ّ باكتساب تلك امل كن ة وامل ل ك ة التي ت م ك ن ه من توظيف هذه السلطة الممنوحة له بشكل فاعل وموفق إليجاد الحلول المناسبة ملختلف الإشكاالت الواقعة والمتوقعة.

ثانيا: مشروعية السلطة التقديرية للقاض ي شرعا وقانونا

السلطة التقديرية للقاض ي ت س ت م د مشروعيتها من الشرع ومن القانون . (1) اسمهان عفيف، مرجع سابق، ص: 47 – 50 بتصرف . (2) عمر لطفي رضوان الهرش، السلطة التقديرية للقاض ي في قانون الأحوال الشخصية الأردني المعمول به في الضفة الغربية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية، ماجستي ر- تخصص: القضاء الشرعي، كلية الدراسات العليا، جامعة الخليل، فلسطين، 2020/2019، ص.32: (3) حفيظة فضلة، مرجع سابق، ص: .219

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

1 – شرعا . تستمد السلطة التقديرية للقاض ي مشروعيتها في الإسالم انطالقا من مشروعية ّ االجتهاد ثم مشروعية التقدير للقاض ي، فالعديد من النصوص الشرعية تبين ذلك ّ وتوضحه، أما عن مشروعية االجتهاد فقوله تعالى ﲌﲋﲊﲉﲈﲇ ﲛﲚﲙﲘﲗﲖ ﲕﲔﲓﲒﲑﲐﲏﲎ ﲍ ... (1)، فكان حكم سليمان عليه السالم المبني على اجتهاده هو اختيار هللا تعالى ﲧ ﲝﲜ ّ وهو إقرار له بذلك، ومن السنة قوله صلى هللا عليه وسلم [ إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم ّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (2)، ومن المعلوم في الإسالم أن َّ ّ القاض ي ي ن ز ل منزلة الحاكم في النيابة عنه في رعاية شؤون الناس، كما أن ربط الحكم باالجتهاد واضح في إقرار النبي صلى هللا علية وسلم بذلك، وفي نفس السياق يأت حديث ّ معاذ ابن جبل رض ي هللا عنه الذي بعثه النبي صلى هللا عليه وسلم إلى أهل اليمن والذي ّ أشرنا إليه سابقا. وأما عن مشروعية التقدير للقاض ي فمن الكتاب قوله تعالى ﲙ ﲪ ﲩ ﲨ ﲧ ﲦ ﲥ ﲤ ﲣ ﲢ ﲠﲡ ﲟ ﲞ ﲝ ﲜ ﲛ ﲚ ... (3) فيحكم في جزاء الصيد فقيهان ﳏ ﲳ ﲲ ﲱ ﲰ ﲯ ﲮ ﲭ ﲬ ﲫ عدالن فينظران إلى أشبه الأشياء به (امل صيد) من النعم فيحكمان به وهذا نابع من اجتهادهما في المقايسة بين الحيوان المصيد والحيوان المجزئ عنه، كما اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة على مشروعية السلطة التقديرية للقاض ي عند عدم وجود النص أو عند وجود نص ظني الداللة وذلك إقرارهم في فتاويهم بمشروعية االجتهاد والتقدير(4)، ّ ّ ّ ومن المعقول أن النصوص الشرعية محدودة وأما وقائع الناس وحوادثهم متجددة ومستمرة وغير متناهية وال يمكن ملحدود أن يتحكم في غير محدود ولذلك أوجدوا القياس وغيره من المصادر التبعية الأخرى (المصلحة المرسلة، االستصحاب، العرف، ...إلخ) ﭐ الستناط الأحكام الشرعية منها بناء على هذا التقدير واالجتهاد. (1) سورة الأنبياء: 79-78 . (2) رواه البخاري ومسلم. (3) سورة المائدة: .95 (4) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 41-34 بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8
2 – قانونا

ّ ّ بعد فترة االستعمار التي مرت بها الجزائر وما انجر عنها من تبعات، عمل المشرع الجزائري على البدء في الإصالح القانوني والقضائي إلى أن صدرت التقنينات الوطنية التي ّ تكرس من خاللها توجه المشرع الجزائري إلى اعتماد السلطة التقديرية بموجب نصوص قانونية ت من ح للقاض ي أثناء ممارسته لوظيفته القضائية مسايرا بذلك ما ذهب إليه الفقه ّ والنظم القانونية الحديثة، فتم إدراجها واالعتراف بها في مختلف الفروع القانونية بدرجات

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

المعروضة عليه كاختيار العقوبة المناسبة، أو حكم من القاض ي بناء على قناعته وتقييمه (1) انطالقا من الخبرة التي يملكها والدربة التي مارس بها النشاط القضائي.

الفرع الثاني: أهمية السلطة التقديرية والحاجة إليه ا

ّ في حقيقة الأمر فإن فكرة السلطة التقديرية للقاض ي يفرض وجودها في واقع ّ التقاض ي أمران؛ أولهما أهميتها كفكرة احتاج القانون اعتمادها ألنها تحقق له الغرض من وجوده أال وهو تنظيم العالقات الإنسانية واالجتماعية، وثانيهما الحاجة إليها لتجاوز العديد من الإشكاالت القانونية والثغرات التشريعية المصاحبة ألي تشريع وضعي يمتاز ّ بالقصور باعتبار أنه من وضع البشر.

أولا: أهمية السلطة التقديرية

ّ ّ إن المشرع مهما حرص على وضع القواعد القانونية فإنه ال يمكنه مواجهة سلوك الأفراد ومتغيرات المجتمع، وهو الأمر الذي تتصدى له فكرة السلطة التقديرية للقاض ي من ّ خالل سد الثغرات القانونية وتفادي القصور التشريعي وكذا مالءمة القواعد القانونية للواقع والمستجدات، ومن هنا فالسلطة التقديرية لقاض شؤون الأسرة تكتس ي أهمية ّ ّ ّ بالغة ألنها تضفي على قانون الأسرة طابعه العملي الحي ، فهي من ت ح د د أبعاده وم د اه ّ وتجعل من قواعده الجامدة حركية وفعالية، خاصة وأن الأمور التي يعالجها هذا القانون ّ هي ذات طبيعة شخصية وتمس الركن الأساس ي في المجتمع وهو الأسرة، وكثيرا هي القواعد التشريعية التي يعود الفضل في وجودها للسلطة التقديرية للقاض ي (2)، فالسلطة التقديرية ت ك س ب القانون مرونة في تطبيق أحكامه، تجعله محيطا شامال قدر الإمكان لتحقيق الغاية ّ ّ من وضعه، ألن القاض ي ي ط ور بها (السلطة التقديرية) القانون تطورا مستمرا ويواجه بها ما ّ ّ تغير من مالبسات وأحوال، فهو يفصل في المنازعات بما يت فق وصحيح القانون دون أن (1) ذياب عبد الكريم عقل – محمد علي العمري، السلطة التقديرية للقاض ي في التشريعات القضائية وتطبيقاتها في ّ المحاكم الشرعية، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، الجامعة الأردنية، المجلد: 35، العدد: 02، الأردن، 2008، ص: .482 (2) اسمهان عفيف، مرجع سابق، ص: .58-57

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

ّ تصل هذه الحرية إلى حد وضع القوانين، بل تكون ضمن حدود وضوابط السلطة التقديرية، مما يطيل في عمر القانون (1).

ثانيا: الحاجة إلى السلطة التقديرية

ّ هناك حاجة عملية يفرضها واقع فض النزاع المك لف به القاض ي من أجل إعطائه سلطة تسمح له بتفعيل النصوص القانونية وتنفيذها، وبالتالي البد من االعتراف بالسلطة ّ التقديرية للقاض ي في نشاطه القضائي ألن والية القضاء تستدعي وجود والية التقدير التي ُّ ّ ت ع د مالزمة للسلطة القضائية والعمل القضائي، كما أن هذه السلطة تمارس بموجب القانون وتعمل في إطاره فهي وليدة القانون، وهي ضرورية في كافة الفروع التي تحوي نصوصها قواعد غير آمرة، فال م را ء من منح القاض ي السلطة التقديرية واالعتراف بها له، وهو الأمر َّ َّ الذي س ل مت به و ك ر ست ه ال ن ظم الحديثة...كما منح فقهاء الإسالم قديما وحديثا للقاض ي سلطة تقديرية في استنباط الأحكام الشرعية واالجتهاد في حل الخصومات في حال غياب النص الشرعي أو أن يكون النص ظني الدالل ة (2 ) واستندوا في ذلك على العديد من النصوص من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان هللا عليه م (3 )، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا.

الفرع الثالث: خصائص السلطة التقديرية لقاض الأسر ة

ّ تمتلك السلطة التقديرية لقاض الأسرة جملة من الخصائص التي ت م ي ز ها عن غيرها ال س لط التقديرية في المسائل الأخرى ويمكن اختصارها ضمن العناصر التالية على النحو التالي :

أولا: من حيث مجال استعمالها

فالسلطة التقديرية لقاض الأسرة تتجاوز مستوى فض النزاعات والفصل في (1) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 60 . (2) اسمهان عفيف، نفس المرجع، ص: .30 ﳌ ﳋﳊﳉﳈ ﳇﳆﳅ ﳄ (3) من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء اآلية :59 .... ومن أولي الأمر القضاة، وحديث المصطفى صلى هللا علية وسلم الذي رواه أبوداود والترمذي من حديث ﳎ ّ َ لبج نب ذاعم لاق امدنع ،]الله لوسر ي ضري ام ىلإ الله لِوسر لوسر قفو يذلا لله دمحلا ... [ لبج نب ذاعم ّ [...أجتهد رأي وال آلو]، ومن فعل الصحابة الرسالة التوجيهية التي أرسلها الفاروق عمر بن الخطاب إلى وليه أبو موس ى الأشعري والمعروفة ب [دستور القضاء].

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

الخصومات التي تشترك فيه مع الميدان المختلفة غير القضايا الأسرية باعتبار العمل القضائي البحت؛ إلى مستوى أوسع يتمثل في العمل الإصالحي حيث أ ل ز م القانون قاض شؤون الأسرة بإجراء الصلح في حال الشقاق بين الزوجين واإلقدام على الطالق، مع منحه سلطة واسعة في التقدير وبذل الوسع من أجل التوفيق بين الزوجين، كما ي ضا ف إلى هذا ّ المجال مجال آخر هو المجال الوالئي باعتبار أن لقاض الأسرة والية واسعة في تقدير توفر ّ المصلحة في حاالت الوصاية والكفالة وزواج القصر.

ثانيا: من حيث خصوصية القضايا الأسرية

ّ ّ ّ إن الطابع الخاص والحساس الذي ي ميز العالقات الأسرية؛ يقتض ي التعامل معها بشكل دقيق مختلف عن التعامل مع غيرها من التعامالت المالية والتجارية وغيرها، فالتعامل مع القضايا الأسرية التي تحوي العديد من العالقات الخاصة يقتض ي معرفة وإدراكا جيدا بالمسائل الفقهية والنفسية واالجتماعية حتى يكون تقديره في االتجاه الصحيح والموائم لطبيعة العالقة الأسرية، فتجاوز هذا االعتبار (الخصوصية الأسرية) َّ ينتهي إلى نتائج معاكسة للمطلوب من السلطة التقديرية التي يفترض فيها الحلول امل وف قة والقاصدة التي تعالج الوضع بشكل إيجابي بم ا يعود على القضية المطروحة بالمنفعة .

ثالثا: الطابع المركب الذي تمتاز به

ّ بسبب الطبيعة الخاصة للعالقات الأسرية كما ذكرنا ذلك سابقا فإن قاض الأسرة أمام وضع مركب يحتاج فيه عند التفسير أو التأويل من أجل إعمال السلطة التقديرية إلى التوفيق بين النص القانوني والواقع بكل مالبساته النفسية واالجتماعية والعرفية من أجل ّ إيجاد حل توافقي يحقق اعتبار الأمرين معا، وهذه خصوصية ال توجد إال في القضايا المرتبطة باألسرة (1).

المطلب الثاني: تطبيقات السلطة التقديرية في قضايا فك الرابطة الزوجي ة

تظهر التطبيقات العملية للسلطة التقديرية الممنوحة لقاض الأسرة في العديد من التطبيقات واإلسقاطات الواقعية المتعلقة بفك الرابطة الزوجية والتي يحاول من خاللها (1) اسمهان عفيف، مرجع سابق، ص: 53 – 56 بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

إيجاد الحلول المناسبة التي تتوافق مع روح القانون والطبيعة الخاصة لتلك العالقات الأسرية .

الفرع الأول: فك الرابطة الزوجية انطالقا من تصر ف

قد يتم فك الرابطة الزوجية من خالل تصرف قانوني ي ست صح ب الفعل فيه بإرادة في إتمامه، وضمن هذا التصرف قد ترد السلطة التقديرية للقاض ي بحيث يترك له المجال لتحديد الحكم الموافق والمناسب للقضية المطروحة عليه، والغالب أن يكون الأمر متعلقا بجزئية من جزئيات الموضوع.

أولا: تصرف عدم الإنفاق

ّ من المعلوم بأن النفقة واجبة على الزوج تجاه زوجه شرعا وقانونا، ومن هنا كان عدم الإنفاق سببا في إمكانية طلب التطليق من قبل الزوجة (المادة 1/53 من قانون الأسرة الجزائري)، وعند ورود هذا الأمر تتدخل السلطة التقديرية لتحديد أسباب عدم الإنفاق ومدى شرعيتها، وتتمثل سلطته التقديرية في المسائل التالية : ▪ تقدير الضرر الواقع على المرأة في إعسار الزوج. ▪ تقدير حال الزوج من اليسار واإلعسار . ▪ إثبات إعسار الزوج أو امتناعه عن الإنفاق أو سفره دون ترك نفقة الزوجة أو تبرئه منها . ▪ تقدير المهلة التي تمنح للزوج حتى يقوم بواجب النفقة بمراعاة حاجة المرأة وقدرة صبرها (1). ّ إن تقدير النفقة في القانون الجزائري يخضع للسلطة التقديرية للقاض ي المختص (قاض شؤون الأسرة) على حسب حال الطرفين، وعلى هذا يجب مراعاة الحال المالية للملزم بها وتغير الأسعار في الأسواق وظروف المعيشة وهذا ما نصت عليه المادة 79 من قانون الأسرة الجزائري [يراعي القاض ي في تقدير النفقة حال الطرفين وظروف المعاش وال (1) براهامي العيد، سلطة القاض ي في التفرقة بين الزوجين بين قانون الأسرة الجزائري والقانون المدني الفرنس ي، دكتوراه، تخصص: الشريعة والقانون، جامعة وهران، الجزائر، 2018/2017، ص.31:

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

يراجع تقديره قبل مض ي سنة من الحكم] (1)، ويمكن للقاض ي االستعانة بالخبرة لتقدير ذلك، كما سمحت المادة 57 مكرر من قانون الأسرة الجزائري للقاض ي الفصل بشكل َّ مستعجل في جميع التدابير المؤقتة المتعلقة بالنفقة، أما عن المهلة فهناك من يرى أن م د ة عدم الإنفاق التي يجب على الزوجة انتظارها لكي تطلب التطليق هي شهرين، قياسا على َّ امل د ة التي وردت في المادة 331 من قانون العقوبات الجزائر ي والتي تعاقب من امتنع عمدا عن تنفيذ حكم النفقة ملدة تتجاوز شهرين، وما أكد القول بهذه المدة هو قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 1984/11/19( 2).

ثانيا: الإيالء

واإليالء حلف الزوج عدم وطأ زوجه أكثر من أربعة أشهر بقصد الإضرار بها وله أحكام ُّ شرعية وتفاصيل فقهية، وهو أحد الس بل التي ت ف ك بها الرابطة الزوجية إن استوفى ّ الشروط الالزمة لذلك، وقد ذكره المشرع الجزائري وإن بشكل غير مباشر كحالة من حاالت طلب التطليق من الزوجة انطالقا من المادة 3/53 من قانون الأسرة. المجاالت المتاحة من حال الإيالء والتي تسمح بتدخل السلطة التقديرية للقاض ي هي : ▪ إثبات وجود اليمين المصاحب لعدم وطأ الزوجة (إعمال الذهن في تحديد القرائن المثبتة لذلك). ّ ▪ تقدير الأسباب التي أدت إلى وجود الإيالء والتأكد من استوفاء شروطه الشرعية، ّ وعدم وجود مبررات شرعية أو قانونية أدت إلى ذلك . ▪ إثبات نية الإضرار بالزوجة من خالل الإيالء(3).

ثالثا: اللعان

اللعان اتهام وقذف الرجل زوجه بالزنا، ولخصوصية العالقة الزوجية اقتضت حكمة (1) حفيظة فضلة، السلطة التقديرية للقاض ي في مسائل النفقة في قانون الأسرة الجزائري، مجلة الدراسات القانونية والسياسية، جامعة الأغواط، الجزائر، المجلد: 08، العدد: 01، 2022، ص: .20 (2) عزوز هناء، السلطة التقديرية لقاض ي الأحوال الشخصية في قانون الأسرة الجزائري، ماستر حقوق تخصص: أحوال شخصية، جامعة المسيلة، الجزائر، 2016/2015، ص: .27 (3) براهامي العيد، نفس المرجع، ص60-59: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

هللا تعالى عدم اعتماد آلية االستشهاد (طلب الشهود) على الواقعة واختار آلية التالعن ّ وهو القسم باهلل تعالى بالكيفية الواردة في اآليات 6 - 9 من سورة النور، ومؤدى التالعن انفكاك الرابطة الزوجية بشكل نهائي ومؤبد على رأي جمهور الفقهاء، ولم يشر إليه قانون ّ الأسرة إال بشكل عارض في المادة 138 من قانون الأسرة الجزائري كمانع من الإرث [يمنع من ّ ّ الإرث اللعان والردة]، وهذا يعني أنه يعترف به وبالتالي يوجهنا إلى المادة 222 من القانون نفسه ملعرفة أحكامه. ّ ّ ّ وألن آلية تمامه واضحة في الشرع فإن ورود السلطة التقديرية عليه قليل إال في بعض الجزئيات المتعلقة أساسا بوجود اختالف فقهي في بعض أحكامه، من مثل حضور القاض ي مجلس التالعن والكيفية التي يالعن فيها (جالسا أو قائما) إلى جانب التوقيت المندوب للتالعن.

رابعا: الخلع

وهو طلب المرأة من زوجها تطليقها مقابل عوض تدفعه له، وقد أشار إليه قانون الأسرة الجزائري في المادة 54 [يجوز للزوجة دون موافقة الزوج أن تخالع نفسها بمقابل مالي، إذا لم يتفق الزوجان على المقابل المالي للخلع؛ يحكم القاض ي بما ال يتجاوز قيمة ّ صداق المثل وقت صدور الحكم] وبالتالي فهو أحد الس ب ل الشرعية الممكنة لفك الرابطة ّ الزوجية، وكما هو مشار إليه في نص المادة فإن السلطة التقديرية للقاض ي قد ترد عليه في المسائل التالية : ▪ التفريق القضائي بين الزوجين من خالل الخلع مرتبط بنص المادة بقرار القاض ي . ّ ▪ تقدير مقابل الخلع راجع للقاض ي على أال يتجاوز صداق المثل الذي يقع كذلك تحت تقدير القاض ي انطالقا من العرف السائد.

خامسا: العدول عن الخطبة

ّ قد يح د ث العدول عن الخطبة ضر ر ا ماد ي ا ومعنو ي ا وهو الأمر الذي أقره فقهاء الشريعة َّ ّ الإسالمية وث ب ت ه المشرع الجزائري من خالل نص المادة 05 03/ من قانون الأسرة التي تشير إلى ّ ّ التعويض المستحق عن ذلك الضرر، وبما أن المادة ال تحدد بشكل دقيق نوع الضرر الذي يس ت ح ق به التعويض وال كيفية استحقاق الطرف المعدول عنه لذلك التعويض، فقد احتاج الأمر إلى تدخل سلطة القاض ي التقديرية لتحديد ذلك وذلك من خالل :

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

ّ ▪ إثبات قيام عالقة الخطبة باعتماد القرائن الدالة على ذلك من مثل الشهود وغيرها. ّ ▪ تقدير قيام الضرر والتأكد من عدم وجود م س وغ ات للعدول تؤكد استحقاق التعويض وت ثب ت الضرر . ▪ تقدير الضرر القابل للتعويض من خالل التأكد من استيفاء الشروط الالزمة العتبار العدول ضررا (مادي أو معنوي) يستحق التعويض. ▪ تقدير قيمة التعويض المستحق، ويمكن أن يستعين القاض ي بالخبرة بحسب الحال.

سادسا: الطالق التعسفي

الطالق التعسفي هو الطالق الذي ي و ق ع ه الزوج انطالقا من العصمة التي يملكها في ّ ّ العالقة الزوجية على زوجه من غير أن يكون لهذا الطالق م ب رر شرعي ولذلك س م ي تعسفا ُّ في استعمال حق هو باألصل للزوج، وإثبات التعس ف من صالحيات القضاء، فالقاض ي هو ّ ُّ َّ الذي يبي ن صور التعس ف من خالل سلطته التقديرية المنوطة له، فإذا طل ق الزوج زوج ه َّ ّ ّ ّ ّ وتبي ن للقاض ي أن ه م ت ع س ف في طالقها دونما مبر ٍ ر شرعي وتض ررت الزوجة ، جاز للقاض ي أن ُّ ّ ض عادٍل بحسب حالته ودرجة ت ع س ف ه ، وتقدير هذا التعويض ٍ يحكم لها على م ط ل ق ه ا بتعوي خاضع لسلطته التقديرية وال يمكن تقييده أو حصره، وعلى القاض ي أن يأخذ بعين االعتبار بعض المعطيات، وهي مدخول الزوج وظروف المعيشة وحتى عدد سنوات العشرة الزوجية التي ق ضي اها معا(1)، وهنا تتدخل السلطة التقديرية لقاض الأسرة في معالجة طلب ّ فك الرابطة الزوجية بهذه الكيفية (غياب المبرر الشرعي) وما قد يترتب عنه من أضرار (المادة 52 من قانون الأسرة الجزائري) وذلك من خالل : ▪ تقدير قيام العالقة الزوجية وإثباتها وبخاصة في حال الزواج العرفي. ّ ّ ▪ تقدير قيام التعس ف في إيقاع الطالق بكل الوسائل المتاحة والقرائن المبينة . ّ ▪ تقدير الضرر القابل للتعويض وتحديد الرابطة السببية بينه وبين التعسف (2). (1) عزوز هناء، مرجع سابق، ص: .39 (2) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص156-136: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

▪ تقدير قيمة التعويض بما يتناسب والضرر الملحق، وكذا حال الطرفين من الي س ر والع سر، ويمكن االستعانة بالخبرة لتحديد قيمة التعويض، باإلضافة إلى كيفية تقديم ّ التعويض (كامال أو مقسطا) (1).

سابعا: سوء العشرة والضرر

يدخل في هذا التصرف العديد من الحاالت التي تنتهي إلى استحالة استمرار الرابطة الزوجية، ومن ذلك الشقاق المستمر أو النشوز واإلعراض أو سوء المعاملة واالعتداء، التي تجعل الحياة الزوجية جحيما ال يطاق...كما تؤدي إلى اهتزاز الأسرة وعدم استقرارها ّ وتتوسع الهوة بين الزوجين... ويصبح الطالق العالج النهائي إلنهاء الشقاق والخالف بين الزوجين(2) وكل الحاالت المذكورة سابقا ينجر عنها ضرر للطرفين وبالتالي احتاج الفصل في مثل هذه القضايا إعمال السلطة التقديرية للقاض ي، وهو الأمر الذي عالجته العديد من ّ مواد قانون الأسرة الجزائري (المواد 53، 54، 55، ...إلخ) وتتحدد السلطة التقديرية لقاض ي الأسرة في : ▪ تقدير التصرف على أ ّ نه سوء عشرة انج ّ ر عنه ضرر م ح َّ قق. ▪ تحديد مستوى ونوع الضرر الذي نتج عن سوء المعاشرة المستحق للتعويض. ▪ تقدير قيمة التعويض المستحق والالزم لجبر الضرر الواقع . هذه بعض التصرفات التي قد تنهي إلى فك الرابطة الزوجية والتي يحتاج القضاء في بعض تفاصيلها إلى بذل الوسع وإعمال الذهن في تقدير الأصلح من الحلول المعالجة آلثارها ّ وبخاصة ما تعل ق بجبر الضرر الناتج عنها، والمسؤولية بالطبع تقع على عاتق قاض الأسرة َّ الذي البد أن يكون مس ل ح ا بالمعرفة والخبرة الكفيلة بتحقيق المقصود.

الفرع الثاني: فك الرابطة الزوجية لوجود سب ب

قد يقع فك الرابطة الزوجية كذلك انطالقا من وجود أسباب موضوعية تقتض (1) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 245 . (2) عماد شريفي – مبروك المصري، مسائل لم ينص عليها قانون الأسرة الجزائري ودور اجتهادات المحكمة العليا في استكمالها، مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة الوادي، الجزائر، المجلد: 11، العدد: 01، 2020، ص: 618 .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

ذلك، وأغلب هذه الأسباب هو في حكم الواقعة القانونية ال التصرف القانوني كما رأينا ّ سابقا، بمعنى أنها أسباب ال إرادية فيما يخض انفكاك الرابطة الزوجية، ومثل هذه الحاالت ال تعدم فيها السلطة التقديرية للقاض ي من أجل تجاوزها وإيجاد الحلول لها . َ َ

أولا: الغ يب ة (الغياب)

ّ الغيبة المعتبرة قانونا هي ما حققت الشروط المنصوص عليها في المادة 5/53 من قانون الأسر ة الجزائر ي [الغيبة بعد مرور سنة بدون عذر وال نفق ة]، فباقتران هذه الشروط ّ تتحقق الغيبة القانونية التي لها آثار قانونية كذلك، وللعلم فقد أ د رج ت هذه الشروط في ُّ سياق الحديث عن حق الزوجة طلب التطليق من زوجها، وتعد الغيبة حالة من حاالت ّ الضرر التي تصاب بها الزوجة، فقد يحدث وأن يغيب الزوج عن زوجه مدة طويلة، وال يترك ّ لها ماال تنفق منه، فيتركها كاملعلقة ال هي متزوجة وال هي مطلقة، وغياب الزوج عن زوجه قد يكون لسبب سليم (السفر من أجل طلب العلم أو التجارة أو العمل) وقد يكون القصد منه إلحاق الضرر بالزوجة بتركها دون م ع يل (1)، والغائب الذي يقصده المشرع هو الذي نص عليه في المادة 110 من قانون الأسرة الجزائري التي جاء فيها [الغائب هو الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى محل إقامته أو إدارة شؤونه بنفسه أو بواسطة، مدة سنة وتسبب غيابه في ضرر الغي ر(]2). وتتجسد السلطة التقديرية لقاض ي الأسرة في الغ يب ة من خالل معيارين؛ موضوعي وشخص ي على النحو التالي : • من الناحية الموضوعية تقدير سبب الغياب (مبرر الغياب، المكان الذي يتواجد فيه، ...إلخ) وهل له مبرر وعذر شرعي مقبول، وكذا تقدير عدم الإنفاق طيلة مدة الغياب. • من الناحية الشخصية تقدير استقاللية كل حالة عن الأخرى بما يقتض المعالجة المختلفة .

ثانيا: الحبس

الحبس المفض ي إلى فك الرابطة الزوجية عن طريق التطليق هو المستوفي للشروط (1) حفيظة فضلة، مرجع سابق، ص: 24 . (2) عزوز هناء، مرجع سابق، ص: .30

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

التالية :

1 صدور حكم قضائي نهائي

.2 أن يكون الفعل جريمة . .3 أن تكون الجريمة مساسا بشرف الأسرة . .4 أن تكو ن هناك استحالة ملواصلة العشرة الزوجية . وتتدخل السلطة التقديرية لقاض ي الأسرة في : ▪ تقدير الظرف المبين الستحالة العشرة الزوجية . ▪ تقدير الضرر الالحق بالزوجة ج ّ راء الحبس . ▪ تقدير قيمة التعويض المناسب لجبر الضرر (1).

ثالثا: الفقد

ّ الفقد حالة ت ش ب ه إلى ح ٍد ما الغ يب ة، فهي غيبة من غير معطيات ومعلومات ثابتة َّ وم ح ق ق ة، الأمر الذي أشارت إليه المادة 109 من قانون الأسرة الجزائري [المفقود هو الشخص الغائب الذي ال يعرف مكانه وال يعرف حياته أو موته]... ولكون الواقعة لها آثارها وتداعياتها على الرابطة الزوجية فقد احتاجت بعض أحكامها إلى سلطة تقديرية تتمثل فيما يلي : ّ ▪ تقدير حال الغياب والفقد ومالبساته (حال الحرب أم حال ال سلم) من خالل البحث والتحري . ▪ تقدير المدة المناسبة بعد مض ي أربع سنوات (المدة الزمنية التي سمح بعدها باستصدار حكم الوفاة) من أجل الحكم النهائي المتعلق بالمفقود.

المبحث الثاني: ضوابط السلطة التقديرية لقاض الأسرة

ّ ّ من المهم التنبيه إلى أن السلطة التقديرية الممنوحة للقاض ي بصفة عامة ليس مطلقة ّ وشخصية يتصرف فيها وبها بالشكل الذي يريد، وإنما هي سلطة اقتضتها المصلحة القانونية، بما يعني حاجة القانون إلى اعتمادها في الظروف المطلوبة ووفقا للشروط المعتبرة (1) براهامي العيد، نفس المرجع، ص.199:

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

ّ َّ قانونا، وهذا الذي ي ح تم وضع ضوابط لها حتى ت ت ر س م لدى القاض ي الحدود التي ال يتجاوزها عند إعمال الذهن والبحث عن التقدي ر المناسب والموائم للقضايا المعروضة عليه. المطلب الأول: مصادر السلطة التقديرية لقاض الأسرة وكيفية ممارستها ّ من المسائل المحددة للضوابط؛ الوقوف على المصادر التي يستمد منها القاض ي نشاطه التقديري ويرتكز عليها في إعمال الذهن وبذل الوسع لتفعيل النشاط التقديري الذي يحتاجه من أجل إيجاد الحلول للقضايا المعروضة عليه، فهي كل ما ي ع ين القاض ي بصفة نظرية أو عملية، رئيسة أو تابعة في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ابتداء من رفع الدعوى حتى إصدار الحكم فيها وتنفيذه ليصل إلى الغاية المطلوبة من القضاء(1).

الفرع الأول: مصادر السلطة التقديرية لقاض الأسرة

ّ تتحدد رشادة السلطة التقديرية للقاض ي من خال ل إدراك ه ومعرفته الجيدة بالمصادر التي يستقي منها هذه السلطة.

أولا: معرفة عناصر النزاع

ًّ ال يمكن القضاء في نزاع أيا كان إذا لم يقف القاض ي على عناصره بشكل دقيق وسليم َّ ناهيك أن ي وف ق في سلطته التقديرية إن احتاج إليها، فعناصر النزاع هي المادة الأولية التي ّ ّ ت و ج ه عمل القاض ي وت ح د د مناط اجتهاده...فمن خاللها يستشف القاض ي ما إذا كان مختصا بالنظر في الدعوى وقبول سماعها واختيار الصالح منها... وبالتالي فهذه العناصر ترتبط أوثق االرتباط بالحكم الذي يتوصل إليه... وبناء عليه تكون عناصر النزاع المنبع ّ ّ الأول الذي يستمد منه القاض ي سلطته التقديرية ألنه من خاللها ي ح ص ل المعلوما ت ُّ ّ الكافي ة عن الدعوى، كما تعد أدلة الإثبات مصدرا مهما للسلطة التقدير للقاض ي باعتبار ّ ّ ّ ّ ّ أنها تبين مدى صحة االدعاءات المقدمة من الخصوم، وتكون قناعة القاض ي الشخصية لينتقل بعدها إلى مرحلة بناء الحكم لغويا ومنطقيا (2). (1) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 44 . (2) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص62-61: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20
ثانيا: االرتكاز على القاعدة القانونية(1)

ال ينطلق القاض ي في إعمال السلطة التقديرية من فراغ، بل البد أن ت رت ك ز على أساس ّ وقاعدة ت م ك ن ه من السير في االتجاه الصحيح فيما تعلق بإصدار الحكم الموائم والمالئم ّ للقضايا المعروضة عليه، وهذا الأساس هو القاعدة القانونية التي س يب رر من خاللها ّ الموقف الذي وصلت إليه سلطته التقديرية ويستند عليها حكمه، فهي التي ت ح د د له حاالت ومجاالت إعمال نشاطه الذهني، كما يستند إليها في وصف الوقائع وصفا قانونيا من خالل مطابقة الوقائع المادية مع الفرض النموذجي الموجود بالقاعدة القانونية وحل النزاع بتوقيع الحكم القانوني المترتب عن ذلك (2).

ثالثا: الوسائل القانونية المستعان بها

قد يحتاج القاض ي إلى جانب االرتكاز على القاعدة القانونية؛ إلى وسائل يستعين بها من أجل ترشيد السلطة التقديرية وتدعيمها وبخاصة عند غموض النص القانوني أو انعدامه، ويمكن اختصار هذه الوسائل فيما يلي : ّ ✓ المبادئ القانونية العامة؛ والتي تمثل قواعد قانونية عامة تستغرق العديد من المجاالت، كاألصول في إدراك الفروع، ومن أمثلة ذلك مبدأ التعويض عن الضرر، ونظرية التعسف في استعمال الحق . ✓ المفاهيم القانونية؛ والتي يتوصل إليها بعد تجريد المبادئ والقواعد القانونية من خصوصيتها وإدراج الأفكار الأساسية التي تشترك فيها داخل مجموعات ثم يقوم القاض ي باستخدام هذه المفاهيم القانونية من أجل إيجاد الحل القانوني للنزاع المطروح . ✓ المعايير القانونية؛ التي تعطي للقاض ي فكرة عن السلوك النموذجي الواجب اتخاذه في هذه الحالة والظروف التي تحيط به وبالتالي يرشده إلى الحل (مراعاة الواقع االجتماعي) . ✓ القرائن؛ والتي تمثل الدالئل واإلشارات التي يستدل بها، وهي قضائية يستخلصها (1) تمثل القاعدة القانونية النص القانوني المكتوب الصادر عن السلطة التشريعية وكذا القوانين القانونية غير المكتوبة كالشريعة الإسالمية أو العرف أو القانون الطبيعي . (2) اسمهان عفيف، نفس المرجع، ص64: .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

القاض ي من ظروف الدعوى، وموضوعية يستنتجها القاض ي بذكائه (انطالقا من الخبرة والدربة) من موضوع الدعوى وظروفها (خاصة بكل دعوى) وهي غير محصورة، بعكس القرائن القانونية التي هي من وضع القانون (1). ✓ سوابق العمل القضائي؛ وهي الأحكام الصادرة عن القضا ة السابقين والتي ي م ك ن للقاض ي االسترشاد بها ضمن االختصاص المطبق على القانون الذي بين يديه (2)، ويدخل ضمن ذلك االجتهاد القضائي الصادر عن قضاة المحكمة العليا. الفرع الثاني: كيفية ممارسة ا لسلطة التقديرية لقاض الأسر ة بعد الوقوف على المصادر التي يست له م منها القاض ي سلطته التقديرية، يحتاج بعدها إلى الجسر الذي ينقله من التأصيل إلى التنفيذ بمعنى الممارسة العملية للنشاط التقديري، ّ وهذا الجسر ت ح د د ه فاعلية الكيفية التي تعتمد في حل الموضوع والتي تحتاج ابتداء إلى دقة وتركيز ومنهجية مضبوطة .

أولا: التقدير الجيد للوقائع

يحتاج القاض ي عند عرض الموضوع إلى استجماع الوقائع المتعلقة به واإلحاطة بها ّ بشكل دقيق يتجاوز ح د االكتفاء بما يعرضه الخصوم، حتى يتسنى له معرفة حقيقة الحق ّ ّ ّ المتنازع عليه وسببه وأطرافه، وكذا التعرف على طلبات الخصوم و ج د ي ت ها و ج د ية الدفوع ألنه ملزم بمناقشة كل ذلك ليصل إلى التكييف الذي يراه مناسبا للموضوع، ثم ينتقل بعد ذلك ّ ّ إلى مرحلة إثبات الوقائع من خالل اعتماد الحجج والبيانات واألدلة المدعمة ألي ادعاء، وصوال إلى تحديد مركز الوقائع بشكل واضح يسمح له باالنتقال إلى إعمال نشاطه الذهني وتوظيف ملكاته القانو نية من أجل استخالص الوقائع المنتجة في القضية حسب تقدير ه(3 ) .

ثانيا: البحث عن القانون المالئم

بعد االنتهاء من التقدير الجيد للوقائع ينتقل القاض ي إلى البحث عن القانون المالئم ّ الذي يتوافق مع الموضوع المطروح، ألن المسألة الواحدة قد تتداخل فيها نصوص تشريعية (1) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص66-65: بتصرف . (2) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 47 . (3) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص103-100: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

ّ ّ ألكثر من قانون، كما أن التفسير للنص المراد تطبيقه قد يحتاج إلى عدة تأويالت وتفسيرات تحتاج في النهاية إلى اعتماد واحد فيها (الترجيح)، وهنا تقوم السلطة التقديرية ّ للقاض ي القائمة على النشاط الذهني له بالدور الالزم لتحقيق ذلك، بمعنى أن النشاط الذهني المعتمد طبعا على التجربة هو الذي سيحصل به استعمال القانون المناسب ّ َّ للواقعة المطروحة، وهو ما ي ع بر عنه بعضهم بالتكييف القانوني الذي ي ت وص ل به إلى تطبيق القانون المالئم.

ثالثا: اعتماد الوسائل المناسب ة

انطالقا من التقدير الدقيق ثم التكييف القانوني المناسب يتوصل القاض ي وباستعمال الوسائل المساعدة إلى الحكم في الواقعة المعروضة عليه، وهذه الوسائل في ّ حقيقة الأمر هي أدوات يقوم القاض ي بتوظيفها بالشكل الفعال إلى المقصود وهو الحكم القريب قدر الإمكان من العدالة واستيفاء الحقوق، ويمكن أن نذكر بعض هذه الوسائل من مثل االستدالل القضائي (من أجل التأكد من تطابق الواقع والقانون) والقياس القضائي (من أجل تطبيق الأثر القانوني الوارد في القاعدة القانونية) وكذا الجدل والمقارنة واالستنباط وغيرها من أدوات المنطق التي تساعده على بناء الحكم(1).

المطلب الثاني: الرقابة على السلطة التقديرية لقاض الأسرة والقواعد الناظمة

لضوابطه ا ّ ّ إن النشاط التقديري الذي م نح لقاض الأسرة ليس على إطالقه، بل هو مقيد وخاضع للرقابة، فهذا النشاط هو نشاط إنساني وشخص ي من قبل القاض ي، بما يعني إمكانية ّ االنحراف والخطأ في التقدير الذي يأت بعكس المرغوب فيه والمطلوب من ه، كما أن ضمان عدم ّ االنحراف متعلق بتحديد الضوابط المنظمة لهذه السلطة والقواعد التي تنتظم من خاللها . الفرع ا ألول : القيود الواردة على النشاط التقديري لقاض الأسرة والرقابة علي ه من المهم الوقوف على القيود التي تكبح جماح السلطة التقديرية للقاض ي بغية حمايته وحماية العملية القضائية من االنحراف عن المقصد الذي و جدت من أجله وهي (1) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص109-106: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

ّ ّ بهذا الشكل فعل استباقي، كما أنه وفي نفس السياق يتعين تحديد الفعل الالحق للسلطة ّ التقديرية متمثال في آليات الرقابة عليها.

أولا: القيود الواردة على النشاط التقديري لقاض الأسر ة

يحتاج النشاط التقديري للقاض ي أن توضع لد حدود وقيود تحميه من االنحراف عن تحقيق الحق والعدل المقصود ابتداء منه، وتقه من استغالل هذه السلطة أو استخدامها ّ استخداما خاطئا أو غير مشروع مما ينجر عنه آثار سلبية، ويمكن ذكر أهم القيوم الواردة على السلطة التقديرية للقاض ي على النحو التالي :

1 – عدم االنحراف عن الغاية التي رسمها القانون

من المهم معرفة الغاية من وجود القضاء ومنح القاض ي السلطة التقديرية؛ فالقاض ي ّ إذا ما عرض عليه نزاع حول مركز قانوني معين فهو مطالب بإنزال حكم القانون عليه ورفع التجهيل الذي أحاط بهذه المراكز القانونية، انطالقا من دراية كافية بالقانون وتجربة في ّ ّ تنفيذه، وال يتحقق ذلك إال من خالل البحث واالجتهاد في كل مراجل الدعوى، على أن هذا النشاط الذي يقوم به القاض ي البد وأن يصدر منه بصفة موضوعية، واضعا بين عينيه المصلحة العامة للمجتمع و مج ت ن ب ا النظر في مصلحته الشخصية، على أن يكون مجال ّ ّ النشاط التقديري محدد بالنص القانوني، فالسلطة التقديرية م كن ة مخولة بموجب ّ القانون وتمارس في ظله(1).

2 – عدم القضاء بعلمه الشخص ي

ّ ُّ انطالقا من القاعدة التي ت قر بعدم جواز تأسيس القاض ي لحكمه إال على وقائع ّ مقدمة ومثبتة بواسطة الخصوم؛ فإنه يجب على القاض ي عند ممارسة سلطته التقديرية االلتزام بما يلي : ّ ّ ▪ التقيد بالوقائع المقدمة من طرف الخصوم . ّ ▪ االلتزام بالوقائع المقدمة دون تجاوزها بخلق وقائع جديدة خارجة عن الوقائع ّ

المقدمة

(1) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص122-120: بتصرف .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

ّ ▪ التقيد بالحكم بما طلب منه دون تجاوز ذلك . ّ ▪ أن يتم استخالص العناصر المنتجة في الدعوى من ضمن الوقائع واألدلة المقدمة . ّ ّ كما أن مبدأ حياد القاض ي (1) يفرض عليه عدم القضاء بعلمه، غير أنه وبحكم وظيفته القضائية التي تفرض عليه معرفة القانون وتطبيقه؛ يمكن االستناد إلى معلومات ّ شخصية تتعلق بالخصوم أو الدعوى التي يفترض بالجميع العلم بها (2).

3 – التزام القاض ي بتسبيب الحكم

ّ إن القصد من التزام القاض ي بالتسبيب هو ضرورة قيامه بعرض العناصر القانونية ّ والواقعية التي استند إليها في بناء عقيدته واقتناعه الشخص ي في إطار ما تم طرحه من ّ طرف الخصوم حيث ي ب ي ن من خالله مدى صحة االستدالل القانوني والقضائي الذي قام به، وإبراز من خالل عرضه للعناصر التي قادته للخروج بهذه النتيجة القانونية للخصوم ّ ولكل من يطلع على الحكم بهدف الدراسة أو الفحص، بأن ما توصل إليه هو أقرب ما يكون إلى الحق ومطابقة الواقع، وهو الأمر الذي دعت إليه المادة 11 من قانون الإجراءات ُّ المدنية واإلدارية الجزائر ي3( 4)، و هذا االلتزام يعد بمثابة الضمانة التي تجعل النشاط ّ ّ التقديري بعيدا عن االنحراف الشخص ي للقاض ي عن المقصود إما بالتساهل أو بالتعس ف.

ثانيا: الرقابة على النشاط التقديري لقاض الأسرة

ّ إذا كانت القيود مسألة استباقية في ترشيد استعمال السلطة التقديرية، فإن الرقابة هي الطرف الالحق لتلكم السلطة، وكال المسارين يتجهان إلى مقصد واحد هو قيام السلطة ّ التقديرية بالوظيفة المطلوبة منها، وباعتبار أن السلطة التقديرية للقاض ي هي من أعمال القضاء فمن المؤكد أن الجهة التي يمكن أن تراقب تلكم السلطة هي الجهة العليا هيكليا في ّ سلك القضاء وهي المحكمة العليا التي تعتبر محكمة قانون ال موضوع؛ ألنها تراقب صحة (1) ويقصد به الحياد الإيجابي الذي يجتهد فيه القاض ي في كشف الغموض الذي يكتنف الوقائع، والذي يدع فيه إلى جلسة الصلح، إلى جانب االستعانة بالخبرة إذا استدعى الأمر ذلك . (2) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص126-123: بتصرف . (3) القانون 09-08 المؤرخ في 18 صفر 1429 ه الموافق 25 فبراير 2008م، المتضمن قانون الإجراءات المدنية واإلدارية، الصادر ب ج ر، ج ج د ش، 17 ربيع الثاني 1429ه الموافق 23 أبريل 2008م، السنة: 45، العدد: .21 (4) اسمهان عفيف، مرجع ساب ق، ص.127:

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

الأحكام واإلجراءات النهائية التي يتخذها القضاة من جهة مطابقتها للقانون . ّ تتجلى رقابة المحكمة العليا على سلطة القاض ي التقديرية في مراقبة الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم والمجالس القضائية، وهي ال تنصب على النشاط الذهني الذي يقوم ّ به القاض ي، وإنما تنصب على مادة هذا النشاط أو مصادره للتأكد من عدم انحراف ّ القاض ي عن الغاية التي م نح ألجلها هذه السلطة والمتمثلة في عدم التعسف في استعمالها ّ والتقيد بتطبيق القانون (1)، فالرقابة بهذا المدلول ليست تقييدا لحرية هذا النشاط الذهني ّ الذي يبذله القاض ي من أجل التطبيق الصحيح للقانون ومقاصده، وإنما هو تأطير للحدود التي ال يجب تجاوزها حتى ال تأت السلطة التقديرية بعكس ما هو مرتجى منها، فالتأطير هنا ّ يمثل حماية للقاض ي وللقانون وللمجتمع، ألنه يضمن التطبيق السليم للقانون.

الفرع الثاني: القواعد الناظمة لضوابط السلطة التقديرية لقاض الأسرة

َّ تحتاج السلطة التقديرية حتى ال ت حي د عن الدور المناط بها أن ت ح د د لها ضوابط ّ ت رس م لها مجال الحركة (التقدير)، ومثل هذه الضوابط ت أ ط ره ا القواعد التالية : ّ

أولا: مراعاة الخصوصية والحساسية التي تميز العالقات الأسرية

تختلف العالقات الأسرية عن غيرها من العالقات التي تنتظم بها الحياة االجتماعية، ويرجع ذلك إلى خصوصية العقد الذي تنشأ به الأسرة ابتداء، هذا العقد الذي جعله الإسالم في مرتبة الميثاق الغليظ وارتبط به أحد أكبر المقاصد الشرعية في الإسالم وهو مقصد حفظ العرض والنسل بصفة أساسية، ولذلك كان االهتمام به كبيرا شرعت من أجله جميع الخطوات الالزمة إلنشائه ولإلبقاء عليه وحتى إلنهائه إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك . ّ إن الخصوصية والحساسية التي تمتاز بها العالقات الأسرية البد وأن توضع في حسبان القاض ي عند إعماله لنشاطه الذهني المتعلق بالسلطة التقديرية الممنوحة له من أجل إيجاد الحكم المناسب للموضوع المعروض عليه، وهذا الأمر يتطلب منه س ع ة االطالع والمعرفة ّ الجيدة ملا يميز هذه العالقات عن غيرها بما يسمح له بالتوظيف الراشد لتلكم السلطة. (1) اسمهان عفيف، نفس المرجع، ص.234:

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26
ثانيا: تحقيق المناط (الغرض الأصلي) من النص القانوني

يهدف القاض ي في معالجة القضايا إلى إيجاد الحلول التي تحقق العدل واستيفاء الحق بما يحقق مصلحة المتخاصمين ومصلحة المجتمع ومصلحة القضاء في النهاية، فالغرض الأصلي من ّ النص القانوني أيا كا ن ؛ هو الوصول إلى الحق والحكم بالعدل، وعندها ال تكون للسلطة ّ التقديرية للقاض ي أي منزع شخص ي أو هوا ذاتي في السعي إلى تطبيق القانون ألن التأثر بهذه ّ الأمور ينتهي إلى االنحراف عن الحق وقد حذر هللا تعالى نبيه داود عليه السالم من ذلك فقال تعالى ﳗﳖﳕﳔﳓﳒﳑ ﳐﳏﳎﳍﳌﳋﳊﳉﳈ . ) 1( ﱠ ﳧﳦ ﳥ ﳤ ﳣ ﳢ ﳡ ﳠ ﳟ ﳞ ﳝ ﳜ ﳛ ﳚ ﳙﳘ

ثالثا: تحقيق المقصد من تطبيق النص القانوني

لكل نص قانوني مقصد يبتغيه يمثل في حقيقة الأمر ما يسمى بروح النص الذي يتجاوز الشكلية والسطحية في التعاطي معه، وبالنسبة لقاض الأسرة امل ع ت م د على نصوص َّ ّ قانون الأسرة امل س تم د ة أساسا من الشريعة الإسالمية، فإن القاض ي ملزم بمعرفة مقاصد التشريعات التي تنظم الأسرة وبالتالي معرفة مقاصد الشريعة الإسالمية، حت ى ينتظم عمله في توظيف السلطة التقديرية بما يتوافق معها، فالمقاصد تتجاوز النصوص وشكليتها إلى ّ الغرض الذي شر عت وهو ما يتوافق وما يبحث عليه القاض ي عند توظيف السلطة التقديرية في استجالب الحكم المناسب .

رابعا: مراعاة العرف في التقدير

االعتداد بالعرف من الأسس التي تقوم عليها الرؤية المقاصدية التي يتعاطى فيها مع النصوص المنظمة للعالقات الأسرية، فللعرف مكانة معتبرة في الأحكام الشرعية، وج عل أحد المصادر التبعية التي تستنبط منها تلك الأحكام، وألهميته فقد انتظم عند العلماء في ّ قاعدة فقهية [العادة محكمة] وقد أرشد إليه القرآن بقوله تعالى: ﱧ ﱦ ﱥ (2)، وفي تنظيم العالقات الأسرية يتطلب من القضاء خبرة ﱬﱫﱪﱩﱨ واسعة بالبيئة التي يعيش فيها الزوجان وباملسائل النفسية والدينية واالجتماعية ملختلف (1) سورة ص: 26 . (2) سورة الأعراف: .199

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27

ّ طبقات المجتمع (1)، فال يمكن للقاض ي وهو يحكم في العالقات االجتماعية أن يتجاوز أهم ّ مكون لهذه العالقات أال وهو العرف، وعندها يجب على القاض ي الوقوف في سلطته التقديرية عند الأعراف والعادات المعمول بها و االلتزام بما نصت عليه إذا كانت متداولة ّ ومشهورة بين الناس ويبني عليها أحكامه وال يتعداها إن تحققت شروط العرف (2) والتي من أبرزها عدم مخالفة مقتض ى الشرع والقانون .

خامسا: مراعاة المآل عند التقدير

ّ من المهم بمكان أن ال ينتهي تفكير القاض ي في تطبيق القانون على حرفيته ونصيته، أو ّ أي يكون الغرض من تقديره هو االنتهاء من الموضوع بشكل من الأشكال، وإنما عليه أن يراعي المآل الذي سينهي به أثر السلطة التقديرية التي اعتمدها، فليس كل صحيح يصلح أن يقال كما تقول الحكمة، فقد يفتح التعامل مع تطبيق القانون دون مرونة مجاال ملفاسد ّ أعظم من النزاع بحد ذاته، فكم من حكم أو قرار قضائي زادت آثاره من تعقيد النزاع أكثر بسبب عدم مراعاة القاض ي عند التقدير مأل تطبيق ذلك الحكم أو القرار، فالكثير من ّ القضاة عند إصدارهم للحكم أو القرار ال يفكرون إال في الأثر اآلني واألولي لتنفيذ ذلك الحكم متغافلين عن آثاره البعدية والتبعية مما يفرغ السلطة التقديرية والوسع الذي ب ذل ّ من أجلها من محتواها والمقصد الأساس ي من اعتمادها وهو الوصول إلى المصلحة العامة واالستقرار االجتماعي. ُ

سادسا: مراعاة الوسع (القدرة على التنفيذ) عند المتقاضين عند التقدي ر

لم يكن الغرض من وجود القضاء التضييق على الناس وحملهم على ما ال يطيقون، فالغرض الأساس من عملية التقاض ي هو ضمان الحقوق واستحقاق أهلها لها، ولذلك ّ وضعت النصوص باألصل في حدود القدرة البشرية، وهذا الأمر مؤصل ابتداء في الشريعة ّ الإسالمية التي تقوم أحد قواعدها الكبرى على " أن ال تكليف إال بمقدور " انطالقا من قوله ﱠ ﭐﱡﭐ تعالى ... (3)، وحديث ﳝ ﲳ ﲲ ﲱﲰﲯﲮﲭﲫﲬ ﲪﲩﲨ ﲧ ﲦ (1) جواد بولحية، مرجع سابق، ص: .306 (2) عمر لطفي رضوان الهرش، مرجع سابق، ص: 58 . (3) سورة البقرة: .289

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28

ّ عائشة رض ي هللا [ كان النبي صلى هللا عليه وسلم إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال بما يطيقون]... (1) فلم تأت الشريعة ولم يكن من مقاصدها تكليف الناس ما ال يستطيعون بل ّ ﱊ ﱉ على العكس من ذلك فالمعلوم من الشرع أنه حيث و جدت المشقة تبعها التيسير َّ ّ (2) ولذلك ق ع د علماء الأصول قاعدة في ذلك مفادها أن ﱒﱑ ﱐﱏﱎﱍ ﱌﱋ َ ُ ُ [المشقة تجلب التيسي ر]، ومن هنا كان لزاما على قاض الأسرة وهو يعتمد النصوص التشريعية التي مصدرها الشريعة الإسالمية أن يراعي في استعمال سلطته التقديرية اعتبار َّ القدرة والوسع عند المتخاصمين فال يكلفهم ما ال يطيقون من الأحكام التي ي ت ع س ر عليهم تنفيذها .

سابعا: اعتماد المرونة في التطبيق عند التقدير

قد تستدعي السلطة التقديرية في السعي إلى حل الإشكال القانوني التعامل مع روح َّ ّ النص ال ن صيته، وهذا ال يعني تجاوز تطبيق النص القانوني وإنما الدعوة إلى إعمال المرونة ّ الالزمة في تنفيذه بحيث أنه يحقق المقصد الأساس من إعمال السلطة التقديرية، فهذه ّ ّ السلطة لم تعط إال ألن النص باألساس ال يجيب بشكل مباشر عن الإشكال القانوني ّ ولذلك تم اللجوء إليها، والمرونة باألصل مطلوبة حتى إذا لم نكن أمام إعمال للسلطة ّ التقديرية ألن القانون باألساس يتعامل مع ن فس بشرية تختلف أحوالها وأوضاعها ٍ ّ باختالف الظروف المحيطة بها، ولذا و ج د في الشرع اعتبار الشبهة في د ر ء الحد مثال، وفي ّ ّ القانون الظروف المخففة للحكم وهكذا، ألن المقصود من تطبيق القانون هو الوصول إلى إحقاق الحق والعدل، وهذا قد ال يتحقق في بعض الأحيان بتطبيق النص حرفيا وبخاصة في العالقات الأسرية.

خاتمة:

ّ لقد أقر التنظيم القضائي اعتماد السلطة التقديرية للقاض ي كوسيلة للوصول إلى الأحكام القانونية المعتبرة؛ انطالقا من أهميتها العملية في تسهيل عملية التقاض ي باإلضافة ّ إلى الحاجة إليها باعتبار أن االعتماد على النصوص المكتوبة فقط م و ق ع للحرج بسبب (1) رواه البخاري. (2) سورة الشرح: 5 - 6 .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 29#ص-29

ّ محدوديتها وعدم محدودية النوازل والمستجدات التي تميز العالقات االجتماعية، وقد حاولنا من خالل هذا المقال الوقوف على مدلول السلطة التقديرية من خالل التعريف و الأهمية والخصائص كمدخل تنظري لنعرج بعد ذلك على أهم التطبيقات المتعلقة بفك الرابطة الزوجية ، لنصل إلى ذكر القواعد التي تندرج من خاللها الضوابط الالزمة لهذه السلطة التقديرية . َّ ويمكن أن نورد أهم النتائج المتوصل إليها في هذا البحث على النحو التالي :

1 تستمد السلطة التقديرية لقاض الأسرة كآلية مساعدة الستصدار الأحكام

القضائية مشروعيتها من مشروعية التصرف (التقدير واالجتهاد) شرعا وقانونا. .2 تظهر أهمية اعتماد السلطة التقديرية في كونها السبيل الأمثل عند عجز النص القانوني الإجابة وحل الإشكال المطروح عليه، فإعمالها هو الذي يسمح بتوظيف النص القانوني بشكل فاعل ومثمر . .3 الحاجة إلى السلطة التقديرية يفرضها الواقع العملي لعملية التقاض ي، التي تهدف إلى تنظيم العالقات االجتماعية بغرض تحقيق الحق والعدل بين أفراد المجتمع بما يوفر االستقرار له . .4 تجد السلطة التقديرية لقاض الأسرة تطبيقاتها في العديد من المسائل المرتبطة بفك الرابطة الزوجية، وقد ساهمت بإيجاد الحلول المناسبة لها انطالقا من خصوصية ّ وحساسية تلك الرابطة المهمة . ّ

5 السلطة التقديرية لقاض ا ألسرة ليست مطلقة بل هي مقيدة بالعديد من

ّ ّ ّ الضوابط التي ت ن ظ مه ا من أجل تحقيق المقصد من وجودها، كما أن هذه الضوابط تتأطر ضمن جملة من القواعد الناظمة لها . كما يمكن أن اقتراح التوصيات التالية : ّ .1 رفع مستوى تكوين قاض الأسرة وبخاصة في مجال علوم الشريعة المتميزة بسعة الموروث الفقهي الضخ م، وكذا في بعض التخصصات ذات الصلة بتلك السلطة من مثل علم النفس وعلم االجتماع وطرق التواصل؛ حتى تكون سلطة التقدير عند القاض ي قائمة على معرفٍة وعلم بما يسمح لها من أداء الدور المنوط بها .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 30#ص-30

.2 إقامة دورات تدريبية لقضاة الأسرة وبخاصة على مستوى المحكمة العليا من أجل تكوينهم في كيفية استعمال السلطة التقديرية، وتعريفهم بالقواعد الناظمة للضوابط المعتمدة في إعمال السلطة التقديرية.

قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم . السنة النبوية . البحوث العلمية : .1 براهامي العيد، سلطة القاض ي في التفرقة بين الزوجين بين قانون الأسرة الجزائري والقانون المدني الفرنس ي، دكتوراه - تخصص: الشريعة والقانون، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسالمية، جامعة وهران، الجزائر، .2018/2017 .2 اسمهان عفيف، السلطة التقديرية لقاض شؤون الأسرة في التعويض عن الضرر، ماجستير ، تخصص: قانون شؤون الأسرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أم بواقي، الجزائر، .2011/2010 .3 عمر لطفي رضوان الهرش، السلطة التقديرية للقاض ي في قانون الأحوال الشخصية الأردني المعمول به في الضفة الغربية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية، ماجستير ، تخصص: القضاء الشرعي، كلية الدراسات العليا، جامعة الخلي ل، فلسطين، .2020/2019 .4 عزوز هناء، السلطة التقديرية لقاض الأحوال الشخصية في قانون الأسرة الجزائري، ماستر حقوق تخصص: أحوال شخصية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة المسيلة، الجزائر، .2016/2015 المقاالت العلمية : .1 جواد بولحية، السلطة التقديرية للقاض ي الأسري في دعاوى الرابطة الزوجية، مجلة القانون واألعمال الدولية، مختبر البحث قانون الأعمال، كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية، جامعة الحسن الأول – سطات، المملكة المغربية العدد20:، أوت .2020 ّ .2 حفيظة فضلة، السلطة التقديرية للقاض ي في مسألة الترخيص بالتعدد في قانون الأسرة الجزائري، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة الجلفة، الجزائر، المجلد: 10، العدد: 04، .2017

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 31#ص-31

.3 حفيظة فضلة، السلطة التقديرية للقاض ي في مسائل النفقة في قانون الأسرة الجزائري، مجلة الدراسات القانونية والسياسية، جامعة الأغواط، الجزائر، المجلد: 08، العدد: 01، .2022 .4 ذياب عبد الكريم عقل – محمد علي العمري، السلطة التقديرية للقاض ي في التشريعات القضائية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، ّ الجامعة الأردنية، الأردن، المجلد: 35، العدد: 02، .2008 .5 عماد شريفي – مبروك المصري، مسائل لم ينص عليها قانون الأسرة الجزائري ودور اجتهادات المحكمة العليا في استكمالها، مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة الوادي، الجزائر، المجلد: 11، العدد: 01، .2020 التشريعات القانونية : .1 الأمر رقم 155-66 المؤرخ في 18 صفر 1386 ه الموافق 08 يونيو 1966م المتضمن قانون ّ ّ الإجراءات الجزائية المعدل والمتمم. .2 الأمر رقم 156-66 المؤرخ في 18 صفر 1386 ه الموافق 08 يونيو 1966م المتضمن قانون ّ ّ العقوبات المعدل والمتمم. ّ .3 القانون 11-84 المؤرخ في 09 رمضان 1404 ه الموافق 09 يونيو 1984م المتضمن قانون ّ ّ الأسرة، المعدل والمتمم . .4 القانون 09-08 المؤرخ في 18 صفر 1429 ه الموافق 25 فبراير 2008م، المتضمن قانون