قانون البيئة والطاقات المتجددةسنة 2025المجلة الجزائرية للقانون والعدالةOpen Access · وصول حر

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي.

ب
بومالة, نظيرة
مركز البحوث القانونية والقضائية - وزارة العدل -صفحة 231-29948 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

احتلت المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية مكانا متميزا في مجال الدراسات والأبحاث القانونية التي تعنى بموضوع البيئة وحمايتها من التلوث و لاسيما موضوع التعويض عن الضرر البيئي والذي ينبغي أن يكون الضرر مباشرا ومحققا وأن يمس حقا أو مصلحة مشروعة للمضرور سواء كان شخصا واحدا أو عدة أشخاص طبيعيين كانوا أو معنويين. والمسؤولية المدنية الناجمة عن التلوث البيئي لا تستقيم في المضمون التقليدي للمسؤولية المدنية، فهذه الأخيرة غير قادرة على استيعاب كافة منازعات التلوث البيئي وتوفير الحماية للمضرورين في ظل الصعوبات المتزايدة. تهدف الدراسة للبحث في الأسس التي تقوم عليها المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية وشروط قبول دعوى التعويض عن الضرر البيئي وكذا السلطات الممنوحة للقاضي لتقدير التعويض، والقول بمدى فعالية الحماية القانونية للبيئة من عدمه، وهل القواعد العامة للمسؤولية المدنية كافية لمعالجة أضرار البيئة من حيث التعويض أم يتطلب الأمر نظام تعويض خاص ينسجم وخصوصيات الضرر البيئي. Abstract: Civil liability for environmental damage has occupied a prominent place in the field of legal studies and research dealing with the environment and its protection from pollution, particularly compensation for environmental damage. The damage must be direct and real, and affect a legitimate right or interest of the injured party, whether one person or several natural or legal persons. Civil liability arising from environmental pollution does not fit within the traditional framework of civil liability, which is incapable of accommodating all environmental pollution disputes and providing protection to those affected in light of the increasing difficulties. The study aims to examine the foundations upon which civil liability for environmental damage is based, the conditions for accepting a claim for compensation for environmental damage, and the powers granted to judges to assess compensation. It also aims to determine the effectiveness of legal protection for the environment, and whether the general rules of civil liability are sufficient to address environmental damage in terms of compensation, or whether a special compensation system is required that is consistent with the specifics of environmental damage.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

بومالة, نظيرة، "المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي."، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، مجلد 11، عدد 1، ص ص 231-299.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

60 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

المجلد 11 العدد الأول السنة 2025 ص231 ص299 المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي Civil liability for environmental damage بومالة نظيرة قاضية باحثة بمركز البحوث القانونية والقضائية البريد الإلكتروني [email protected] تاريخ االرسال: 2025/06/19 تاريخ القبول: 2025/06/28 تاريخ النشر: 2024/06/28 الملخص: احتلت المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية مكانا متميزا في مجال الدراسات واألبحاث القانونية التي تعنى بموضوع البيئة وحمايتها من التلوث والسيما موضوع التعويض عن الضرر البيئي والذي يتطلب أن يكون الضرر مباشرا ومحققا وأن يمس حقا أو مصلحة مشروعة للمضرور سواء كان شخصا واحدا أو عدة أشخاص طبيعيين كانوا أو معنويين. والمسؤولية المدنية الناجمة عن التلوث البيئي ال تستقيم في المضمون التقليدي للمسؤولية المدنية، فهذه الأخيرة غير قادرة على استيعاب كافة منازعات التلوث البيئي وتوفير الحماية للمضرورين في ظل الصعوبات المتزايدة. تهدف الدراسة للبحث في الأسس التي تقوم عليها المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية وشروط قبول دعوى التعويض عن الضرر البيئي وكذا السلطات الممنوحة للقاض ي لتقدير التعويض، فضال عن تقدير مدى فعالية الحماية القانونية للبيئة من عدمها. الكلمات المفتاحية: مسؤولية مدنية ، ضرر بيئي، مسؤولية تقصيرية، مسؤولية عقدية، تعويض. - 231 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي Abstract: Civil liability for environmental damage has occupied a prominent place in the field of legal studies and research dealing with the environment and its protection from pollution, particularly compensation for environmental damage. This requires that the damage be direct and real, and that it affect a right or legitimate interest of the injured party, whether one person or several natural or legal persons. Civil liability arising from environmental pollution does not fit within the traditional framework of civil liability, as the latter is unable to accommodate all environmental pollution disputes and provide protection to those affected in light of the increasing difficulties. The study aims to examine the foundations upon which civil liability for environmental damage is based, the conditions for accepting a claim for compensation for environmental damage, and the powers granted to judges to assess compensation. It also aims to assess the effectiveness of legal protection for the environment. key words: Civil liability, environmental damage, tort liability, contractual liability, compensation.

المقدمة:

أصبحت مشكلة التلوث البيئي من أهم المشكالت التي تشغل الإنسان في العصر الحديث، ملا لها من آثار ضارة عليه وعلى مجموع الكائنات الحية، وقد احتل موضوع البيئة مكانة هامة على صعيد القانون الدولي ألن قضايا البيئة ترتبط بأهم الحقوق الأساسية لإلنسان، وهي الحق في الحياة، من خالل المحافظة على صحته في إطار بيئة نظيفة، بعد أن تنبه المجتمع الدولي إلى خطورة تلوث البيئة على صحة الإنسان ولو بشكل غير مباشر - من خالل العهد الخاص بالحقوق االقتصادية واالجتماعية، وتطور الإنشغال حتى أصبح منصبا على الجيل الثالث من حقوق الإنسان المعروف بالحقوق الجماعية أو حقوق - 232 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي 1 التضامن والتي من أهمها حق الإنسان في العيش في البيئة السليمة والصحية ، ويعد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة لعام 1972 في ستوكهولم أول مؤتمر عالمي يجعل البيئة قضية رئيسية، حيث اعتمد المشاركون سلسلة من المبادئ لإلدا رة السليمة للبيئة بما في ذلك إعالن خطة عمل ستوكهولم من أجل البيئة البشرية، والذي وضع القضايا البيئية في مقدمة االهتمامات الدولية وكان بداية الحوار بين الدول الصناعية والدول النامية حول الصلة بين النمو االقتصادي وتلوث الهواء والماء والمحيطات واآلبار ورفاه الناس في جميع أنحاء العالم، وكانت 2 أهم نتائج مؤتمر ستوكهولم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة( يونيب) ، وكان لالهتمام بالبيئة على صعيد العالقات الدولية تأثير على التشريعات الداخلية للدول ، فالجزائ ر من بين الدول التي اتجهت إلى دسترة الحق في بيئة سليمة، بحيث كرس التعديل الدستوري لسنة 2016 حق المواطنين في العيش في بيئة سليمة، ليؤكد على ذلك التعديل الدستوري لسنة 2020 3 في ديباجته 4 ، إضافة -1 عمر سدي، حق الإنسان في العيش في بيئة سليمة وصحية ( الجيل الثالث من حقوق الإنسان) المجلة الإفريقية للدراسات القانونية السياسية، جامعة أحمد دراية أدرار، الجزائر، مجلد 04، عدد01 جوان 2020، ص.09

2 للمزيد من التفاصيل راجع الموقع:

https://www.un.org/ar/conferences/environment/stockholm1972 -3 دستور 1996 الصادر بموجب المرسوم الرئاس ي رقم 96 - 438 المؤرخ في 07 12 1996 يتضمن تعديل الدستور، ج ر عدد 76 مؤرخة في 1996/12/08 المعدل والمتمم بالمرسوم الرئاس ي رقم 442-20 مؤرخ في 2020/12/30 المتعلق بإصدار التعديل الدستوري، ج ر عدد 82، مؤرخة في .2020/12/30 -4 نصت الفقرة الأخيرة من ديباجة الدستور على أنه " تشكل الديباجة جزءا ال يتجزأ من هذا الدستور "، وهو دليل على القيمة الدستورية للديباجة، وهذه الأخيرة نصت في الفقرة الثامنة عشر منها على حق الإنسان في بيئة سليمة بالقول " كما يظل الشعب منشغال بتدهور البيئة - 233 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي إلى الفصل المتعلق بالدولة في المادة 21 منه 1 ، التي أكدت على الدور الذي وجب على الدولة القيام به وهو المحافظة على البيئة بجميع مك وناتها، والنص عليها ضمن الحقوق ا ألساسية في المادة 64 منه مع النص عليها ألول مرة ضمن الهيئات االستشارية السيما المجلس الوطني الإقتصادي واإلجتماعي والبيئي في المادتين . 2 209 و 210 منه والجدير بالذكر أن عدم إيراد نصوص خاصة تعالج المسؤولية المدنية في المجال البيئي واإلحالة إلى القواعد العامة، أوجد الحاجة ملعرفة مدى كفاية القواعد التقليدية للمسؤولية المدنية في مواجهة مثل هذه الأضرار البيئية، في ظل الطبيعة الخاصة التي تتميز بها أضرار التلوث. والنتائج السلبية للتغير المناخي وحريصا على ضمان حماية الوسط الطبيعي واالستعمال العقالني للموارد الطبيعية وكذا المحافظة عليها لصالح الأجيال القادمة"، ما يؤكد أن المؤسس الدستوري عمل على جعل المواطن على علم بالمخاطر التي تهدد العالم خاصة ظاهرة التغير المناخي من خالل العمل على مسايرة التحديات الأمنية المعا صرة واالستغالل العقالني للثروات الطبيعية وكل هذا يصب في إ طار التنمية المستدامة، ما يجعل تحقيق التنمية ترتبط بحماية البيئة من خالل الحفاظ على الموارد البيئية. -1 تنص المادة 21 من التعديل الدستوري لسنة 2020 على أنه" تسهر الدولة على: حماية الأراض ي الفالحية ضمان بيئة سليمة من أ جل حماية الأشخاص وتحقيق رفاهيتهم، ضمان توعية متواصلة بالمخاطر البيئية، االستعمال العقالني للمياه والطاقات الأحفورية والموارد الطبيعية الأخرى، حماية البيئة بأبعادها البرية والبحرية والجوية واتخاد كل التدابير المالئمة ملعاقبة الملوثين". -2 طبقا للمادتين 209 و210 من الدستور يعتبر المجلس الوطني الإقتصادي واإلجتماعي والبيئي مستشار الحكومة من مهامه الأساسية توفير إطار ملشاركة المجتمع المدني في التشاور الوطني حول سياسات التنمية الإقتصادية واإلجتماعية والبيئية في إطار التنمية المستدامة. - 234 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي تهدف الدراسة إلى بيان الأسس التي تقوم عليها المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية وكيفية تصدي القضاء لدعاوى التعويض عن هذه الأضرار. تتمثل أبرز التحديات المتعلقة بالمسؤولية المدنية عن أضرار التلوث، كما هو الحال في المسؤولية المدنية بشكل عام، في تحديد الأساس القانوني لهذه ً المسؤولية، بناء على ذلك يتم تحديد الأركان الالزمة لقيام المسؤولية، باإلضافة ً إلى الصعوبات المرتبطة بكل ركن من هذه الأركان، كما تتحدد وفقا لذلك وسائل ً دفع هذه المسؤولية، خاصة أن الأض رار المراد تعويضها تتميز بخصوصية، مما يضيف صعوبات في تحديد من له الحق في المطالبة بالتعويض، عالوة على ذلك، يتطلب الأمر النظر في الجزاء المناسب لتلك الأضرار، ففي السياق العام، تنقسم المسؤولية المدنية إلى نوعين: المسؤولية التقصيرية التي تنشأ عن الإخالل بالتزام قانوني، والمسؤولية العقدية التي تنشأ عند إخالل أحد المتعاقدين بالتزاماته، وهو ما يدعونا للتساؤل عن الأساس القانوني للمسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية، وعن كيفية تعويض الأضرار الناتجة عنها، وفق إشكالية مفادها: ماهي الأسس التي تقوم عليها المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية وماهي شروط قبول دعوى التعويض عن الضرر البيئي وكذا السلطات الممنوحة للقاض ي لتقدير التعويض؟ لإلجابة عن هذه ا إلشكالية قسمنا الموضوع إلى مبحثين يتعلق الأول بأساس المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي وظروف انتفائها، ويتعلق المبحث الثاني بالتعويض عن الضرر البيئي. - 235 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

المبحث الأول: أساس المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي وظروف

انتفائها. إن تحديد أساس المسؤولية في المجال البيئي يطرح مجموعة من الصعوبات، وذلك راجع إلى حداثةاملشكالت المثارة في هذا المجال، أو إلى مدى 1 كفاية الأسس القانونية لتغطية كافة الأضرار البيئية ، وعليه يتعين تحديد الأسس التي تقوم عليها المسؤولية المدنية البيئية (المطل الأول) وكذا تحديد ظروف انتفائها (المطل الثاني). المطل الأول: أساس المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي. المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي يمكن أن تكون مسؤولیة تقصيریة (الفرع الأول) كما یمكن اعتبارها مسؤولیة عقدیة (الفرع الثاني)، إال أن الفقه الراجح یمیل إلى اعتبارها مسؤولیة مدنیة تقصيریة، دون التقلیل من أهمیة ومكانة المسؤولیة العقدیة في مجال الأضرار البیئیة، والسبب في ذلك أنه في أغلب حاالت الضرر البیئي تغیب الرابطة التعاقدیة بين المضرو ر والمتسبب في الضرر، على اعتبار فعل إفساد البیئة ینطوي على فعل تقصيري 2 كما أن المسؤولية التقصيرية أوسع نطاقا من المسؤولية العقدية، وهناك أسس أخرى ذهب إليها البعض منها ما يقوم على أساس مضار الجوار، ومنها ما يقوم على أساس نظرية المخاطر ، وكذا على أساس المسؤولية عن فعل الأشياء، وصوال إلى -1 حنين زروقي، المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي واآلثار المترتبة عنها، مجلة البحوث العلمية في التشريعات البيئية، المجلد 5، العدد 02،جامعة ابن خلدون تيارت، الجزائر، 2018، ص .395 -2 نور الدين بوشليف ، إشكالية تطبيقات الخطأ في مجال حماية البيئة، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، جامعة محمد الصديق بن يحي جيجل، ديسمبر 2017، ص .144 - 236 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي نظرية التعسف في استعمال الحق، وكل هذا خالف ناتج عن الطبيعة الخاصة التي يتسم بها الضرر البيئي 1 ( الفرع الثالث).

الفرع الأول : المسؤولية التقصيرية عن الضرر البيئي

تقوم المسؤولية التقصيرية على أساس الخطأ الواجب الإثبات، إذ أنه أوجب على المضرور إثباته وهذا طبقا ملا نصت عليه المادة 124 من القانون 2 المدني . والمسؤولية التقصيرية هي الوضع العادي للمسؤولية عن الأضرار البيئية بوجه عام، سواء عن تدهور البيئة أو النفايات أو التلوث بأنواعه المختلفة: الحيوي، المائي،الهوائي والضوضاء...إلخ حيث ال تقوم بين المسؤول والمضرور 3 عالقة عقدية.

أولا: أركان قيام المسؤولية التقصيرية:

تقوم المسؤولية التقصيرية على ثالثة أركان هي: الخطأ والضرر والعالقة السببية بينهما.

1 الخطأ البيئي:

وهو انحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي وذلك با إلخالل بالتزام قانوني مؤداه عدم الإضرار بالغير، وتترتب المسؤولية التقصيرية على تلوث عناصر -1 زروقي حنين، المرجع السابق، ص .395 -2 رحموني محمد، آليات تعويض الأضرار البيئية في التشريع الجزائري، رسالة ماجستير في القانون العام: تخصص قانون البيئة، جامعة محمد ملين دباغين سطيف 2، الجزائر، 2016/2015، ص .42 -3 سعيدان علي، حماية البيئة من التلوث بالمواد الإشعاعية والكيماوية في القانون الجزائري، ط1، دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2008، ص .330 - 237 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي البيئة بغض النظر عن صفة مرتكبها 1 ، فالخروج عن التشريعات البيئية يعد عمال غير مشروع من جانب الملوث، يؤدي إلى تطبيق قواعد المسؤولية المدنية التقصيرية على الدولة كشخص معنوي عام وكذا على الأشخاص المقيمين على 2 إقليمها . ومن صور خطأ الدولة المرفقي في مجال البيئة عدم وضع إجراءات رادعة ضد الملوثين من جانب السلطة العامة، فهذا الخطأ يرتب مسؤوليتها عن عمليات التلوث، وبالنسبة لألشخاص الخاصة فالبد أن ال ينطوي سلوكهم على الإخالل بواجب قانوني فقيام الشخص بصرف المخلفات الصلبة أو السائلة في النهر أو اآلبار أو المجاري المائية الصالحة للشرب يشكل خطأ يرتب مسؤولية الشخص.

2 الض رر البيئي:

يعتبر الضرر أحد الأركان الأساسية في المسؤولية المدنية، ورغم أنه يمكن أن تتحقق المسؤولية في بعض الحاالت دون الحاجة إلثبات الخطأ في الفعل الضار، إال أنه ال يمكن تصور قيام مسؤولية دون وجود ضرر 3 إذ يعد هذا الأخير شرطا أساسيا لوجوب الضمان ومن ثم الحصول على التعويض، فمسؤولية الإدارة في فرنسا مثال تقوم على أساس الخطأ بحسب الأصل لكن أنشأ مجلس الدولة الفرنس ي نوعا آخر من المسؤولية ال عالقة له بفكرة الخطأ -1 سامية قرجع ، المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي في التشريع الجزائري، مجلة تجسير للبحوث والدراسات، المجلد 02، العدد 01، جامعة باتنة، الجزائر، 2022، ص .115 -2 محمد سعيد عبد هللا الحميدي، المسؤولية المدنية الناشئة عن تلوث البيئة البحرية والطرق القانونية لحمايتها، ط 1، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2008، ص .281 -3 ياسر محمد فاروق المنياوي، المسؤولية المدنية الناشئة عن تلوث البيئة، دار الجامعة الجديدة مصر، 2008، ص .168 - 238 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي حيث أقام المسؤولية على ركنين فقط هما الضرر وعالقة السببية بينه وبين تصرف الإدارة، وأساس تلك المسؤولية مساواة الأفراد أمام الأعباء والتكاليف العامة واصطلح على تسمية هذا النوع من المسؤولية " المسؤولية على أساس 1 المخاطر". وتجدر الإشارة إلى أن عبء إثبات حدوث الضرر يقع على عاتق المضرور وواقعة حدوث الضرر هي واقعة مادية وبالتالي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات. 2

3 رابطة السببية بين الخطأ والضرر:

وهي العالقة المباشرة التي تقوم بين الخطأ الذي ارتكبه الملوث والضرر الذي أصاب المضرور، فال يكفي لقيام المسؤولية أن يكون هناك خطأ وضرر بل البد أن يكون الخطأ هو السبب الذي أدى إلى وقوع الضرر،فلكي يتمكن الشخص ً المتضرر من المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تعرض لها وفقا لقواعد المسؤولية، يجب أن تتوفر رابطة سببية مباشرة بين الضرر والسلوك الخاطئ. يمكن أن يتمثل هذا السلوك في الإهمال أو التقصير في اتخاذ االحتياطات الالزمة من قبل الشخص المسؤول عن الضرر، أو في عدم االلتزام بالقوانين واللوائح المعمول بها أثناء ممارسة النشاط، مما يؤدي إلى انتهاك قوانين وقرارات حماية 3 البيئة أو أحد عناصرها المتعلقة بالتلوث. وتجدر الإشارة إلى أنه أحيانا يكون الملوث من الأشخاص الخاصة ورغم ذلك تكون الإدارة مسؤولة عن أضرار التلوث على أساس الخطأ إذا ثبت في جانبها -1 عطا سعد محمد حواس، دعوى المسؤولية عن أضرار التلوث، دار الجامعة الجديدة، مصر 2012، ص .166 -2 محمد سعيد عبد هللا الحميدي، المرجع السابق، ص .284 -3 محمد سعيد عبد هللا الحميدي، المرجع السابق، ص ص 286 .287 - 239 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي الإهمال أو التقصير في الرقابة واإلشراف على الأنشطة الخاصة الملوثة للبيئة أو السماح بممارستها على خالف ما يقض ي به القانون، وتتحقق مسؤوليتها في عدة حاالت منها إذا شاب سلوكها عيب مخالفة القانون أو اللوائح بشأن إجراءات الضبط البيئي، كمنحها رخصة استغالل منشأة مصنفة ملوثة للبيئة دون احترام الشروط القانونية أو رخصة برمي النفايات خارج الأماكن المحددة لرميها أو اقامة مفرغة عمومية وسط سكاني، وتطبيقا لذلك قض ى مجلس الدولة الفرنس ي بأن الإدارة تكون مسؤولة عن تعويض أضرار التلوث الناتجة عن منشأة خطرة عندما يكون قرار الترخيص الصادر بفتحها وتشغيلها قد صدر مخالفا ألحكام القوانين واللوائح المعمول بها 1 ،كما يمكن أن يكون الخطأ في عدم التزام المؤسسة بالقوانين والتنظيمات البيئية المعمول بها في مجال تسيير النفايات وفقا للمادتين 2 و 3 من القانون رقم 19-01 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها 2 ، وكذا الخطأ الناتج عن إهمال منتج النفنينت و/أو حائزها وعدم أخذه التدابير الالزمة ملنع تخيض التلوث، والخطأ في ممارسة سلطة الرقابة والتوجيه كأن تمنح ا5فدارة رخصة البناء ثم تمنح شهادة المطابقة من الناحية التقنية دون أن تراعي الجانب الجمالي للمنطقة وفقا ملقتضيات المادة 33 من القانون رقم 10-03 المتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة. -1 عطا سعد محمد حواس، المرجع السابق، ص .188 -2 قانون رقم -01 19 مؤرخ في 2001/12/12 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها، ج ر عدد 77، صادرة بتاريخ /12/15 .2001 - 240 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

ثانيا: صعوبات تطبيق المسؤولية التقصيرية في حماية البيئة:

تتطلب مسؤولية الملوث، التي تستند إلى إثبات الخطأ، توافر ثالثة أركان: الخطأ، وضرر التلوث، ورابطة السببية بينهما. وهذا ما يجعل هذه المسؤولية غير قادرة على معالجة جميع المنازعات المتعلقة بالتلوث البيئي، وبالتالي ال توفر الحماية الكافية للمتضررين في ظل التحديات المتزايدة . إن تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية في حاالت الأضرار البيئية قد يضع ً المتضرر في موقف صعب، حيث يتعين عليه إثبات الخطأ، مما قد يجعله عاجزا عن تبرير ادعاءاته، وفي بعض الأحيان، قد يواجه صعوبة حتى في تحديد هوية المسؤول عن الضرر بدقة، ومثال ذلك إذا حصل التلوث للجيران في منطقة یتواجد فيها العدید من المنشآت الصناعیة التي تشترك جمیعها في إحداث التلوث، فمن بين هذه المنشآت والمصانع من هو المصنع الذي یمكن أن ینسب 1 إلیه هذا الإهمال أو التقصير الذي یشكل الخطأ؟ ، هذا من جهة، من جهة أخرى، ال يمكن الجزم بأن جميع الأضرار البيئية ناتجة عن أفعال غير مشروعة أو ّ انحراف عن السلوك المعتاد، فقد يقوم مشغل المنشأة الصناعية أو الزراعية باتخاذ كافة التدابير التي تفرضها القوانين، بل وقد يعتمد على أحدث التقنيات ّ المتاحة لتفادي الأضرار أو التخفيف منها، ومع ذلك، قد يؤدي استخدامه لحق ه في إدارة المنشأة إلى حدوث التلوث ، وبالتالي هناك صعوبة في نسبة الخطأ إلى الشخص في حالة الأنشطة المشروعة والمولدة لألضرار البيئية، وهناك صعوبات أخرى متعلقة بطبيعة الأضرار البيئية كونها في غالب الأحيان غير شخصية ومتراخية وغير مباشرة وكذا صعوبات متعلقة بإثبات العالقة السببية خاصة -1 نور الدين بوشليف ، المرجع السابق، ص .151 - 241 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي عند تعدد حوادث الضرر البيئي وكذا حصول فارق زمني بين وقوع الخطأ وتحقق الضرر، فعادة ما یظهر الضرر البیئي بعد مدة زمنیة من حصول الفعل الضار، وهو ما قد یكون سببا في عدم معرفة المتسبب في الضرر البیئي. 1

الفرع الثاني: المسؤولية العقدية عن الأضرار البيئية

تنشأ المسؤولية العقدية نتيجة الإخالل بااللتزام المنصوص عليه في العقد، حيث يكون مصدرها هو العقد نفسه، ويتحدد نطاق هذه المسؤولية بوجود عقد صحيح بين الطرفين (المسؤول والمضرور)، باإلضافة إلى وقوع ضرر نتيجة عدم تنفيذ االلتزامات العقدية.

أولا: شروط قيام المسؤولية العقدية

تنشأ المسؤولية العقدية البيئية بتوافر جملة من الشروط هي: الخطأ العقدي والضرر والعالقة السببية.

1 الخطأ العقدي:

يتخذ عدة مظاهر ويختلف باختالف نوعية الإخالل الذي ارتكبه المسؤول، ومن بين الأخطاء العقدية في مجال البيئة عقد االستغالل المتعلق بمعالجة النفايات حين يمتنع المستغل عن القيام بإعادة التأهيل للموقع فتنفذ السلطة ا إلدارية المختصة تلقائيا الأشغال الضرورية لتأهيل الموقع على حساب المستغل 2 طبقا ألحكام المادة 43 من القانون رقم 19-01 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها. -1 نور الدين بوشليف ، المرجع السابق، ص .154 -2 سامية قرجع ، المرجع السابق، ص .115 - 242 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

2 الضرر العقدي:

ً يجب أن يكون الضرر ناتجا مباشرة عن الخطأ العقدي، وأن يكون ً ً محققا ومتوقعا، حيث يمثل الصورة المادية الملموسة للمسؤولية العقدية، وهو ما يميز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية 1 ، فوقوع الخطأ العقدي من الطرف المتعاقد ال يكف وحده لقيام مسؤوليته وإنما يجب أن يترتب على هذا الخطأ ضرر يصيب المتعاقد اآلخر 2 ، و ُ يق ّ در الفقه أن بعض الأضرار البيئية، وخاصة تلك الناتجة عن النفايات السامة أو الضارة، يمكن أن تخضع آللية ضمان العيوب الخفية للش يء المبيع، هذه اآللية توفر مزايا مؤكدة للمضرور، على الرغم من القيود والصعوبات المحيطة بها، مثل استبعاد تطبيقها في حال كانت النفايات مخزنة في الموقع بشكل ظاهر، لكن يمكن تدارك ذلك في ظل ظهور آليات أخرى للحماية كقواعد حماية المستهلك التي كرسها القانون رقم 03-09 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش المعدل والمتمم 3 وكذا مسؤولية المنتج وفقا للمادة 140 مكرر من القانون المدني. -1 سامية قرجع ، المرجع السابق، ص .115 -2 ياسر محمد فاروق المنياوي، المرجع السابق، ص .254 -3 قانون رقم 03-09 مؤرخ في 2009-02-25 يتعلق بحماية المستهلك قمع الغش المعدل المتمم،ج ر عدد 15، صادرة في 08 مارس 2009، الذي جسد البعد البيئي كبيان إلزامي يتوجب ذكره ضمن وسم المنتوج الموضوع لإلستهالك الذي يمثل تهديدا للبيئة من جملة بيانات الإلتزام باإلعالم الواقع على المتدخل في عملية وضع المنتوج لإلستهالك، ولتفاصيل أكثر أنظر مقال بن بعالش خاليدة، حق المستهلك في بيئة صحية نظيفة في ظل قانون حماية المستهلك وقمع الغش الجزائري، مجلة الفكر القانوني والسياس ي، مجلد06، عدد 01، جامعة عمار ثليجي الأغواط، الجزائر، 2022، ص .177 - 243 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي كما يمكن أن يثار في هذا المجال االلتزام باإلعالم أو بالنصيحة الذي 1 تمسك به القضاء الفرنس ي في مواجهة المتصرف في النفايات ، كما أنه ال يهتم فقط بما يقدمه المتعاقد للمتعاقد اآلخر من معلومات ونصائح في الفترة السابقة على التعاقد ولكن أيضا يرى استمرار هذا االلتزام باإلعالم بل وبالتحذير والنصح خالل فترة تنفيذ العقد 2 ، وفي القانون الجزائري نجد القانون رقم 19-01 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها والذي نظم جوانب عدة في هذا المجال السيما النص في المادة 06 منه على التزام كل منتج للنفايات أو حائز لها باالمتناع عن تسويق المواد المنتجة للنفايات غير القابلة لالنحالل البيولوجي، وحظر في المادة 09 منه إعادة استعمال مغلفات المواد الكيمياوية الحتواء مواد غذائية مباشرة ويشار لهذا الحظر إجباريا على مغلفات المواد الكيمياوية بعالمات واضحة تحذر من الأخطار المهددة لصحة الإنسان في حالة استعمال هذه المغلفات لتخزين مواد غذائية، كما نصت المادة 21 منه على التزام منتجو أو حائزو النفايات الخاصة الخطرة بالتصريح للوزير المكلف بالبيئة بالمعلومات المتعلقة بطبيعة وكمية وخصائص النفايات، ويتعين عليهم دوريا تقديم المعلومات الخاصة بمعالجة هذه النفايات وكذلك الإجراءات العملية المتخذة والمتوقعة لتفادي إنتاج هذه النفايات بأكبر قدر ممكن. ولإلشارة فإن المخطط الوطني لتسيير النفايات الخاصة الذي جاء به هذا القانون يعد آلية قانونية هامة لتكريس مبادئ الإستدامة البيئية وتحقيق الأهداف المسطرة في البرنامج الوطني لتسيير النفايات، وأنه في حالة إهمال للنفايات الخاصة أو إيداعها أو معالجتها بطريقة غير مقبولة مخالفة ألحكام هذا -1 علي سعيدان ، المرجع السابق، ص .349 -2 سعيدان علي ، المرجع السابق، ص .351 - 244 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي القانون والنصوص التطبيقية له 1 يمكن للجهة القضائية المختصة أن تأمر بعد إعذار المخالف بإزالة هذه النفايات تلقائيا على حسابه الخاص طبقا للمادة 23 منه أو تترتب عليه مسؤولية جزائية حسب مقتضيات المادة 63 من نفس القانون.

3 عالقة السببية في المسؤولية العقدية

وتعني أن يكون خطأ المتعاقد هو السبب المباشر في حدوث الضرر، ويفترض توافر ّ عالقة السببية بين الخطأ والضرر إذا قدم المضرور الدليل على الخطأ والضرر، فطبقا للقواعد العامة في الإثبات ال يلزم المدعي بإقامة الدليل على جميع عناصر الواقعة التي يدعيها وإنما حسبه أن يثبت قدر من هذه العناصر يكفي الفتراض ثبوت الباقي منها، ويقع على عاتق المتعاقد المدين عبء نفي عالقة السببية إذا ادعى عدم قيامها، وال يجوز له هذا إال بإثبات أن الضرر يرجع إلى سبب أجنبي ال يد له فيه، وذلك بأن يثبت أن الضرر قد وقع بسبب القوة القاهرة أو فعل الغير أو خطأ المضرور نفسه 2 . -1 من النصوص التطبيقية للقان ون رقم 19-01 المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها : المرسوم التنفيذي رقم 477-03 المؤرخ في 2003-12-09 يحدد كيفيات وإجراءات إعداد المخطط الوطني لتسيير النفايات الخاصة ونشره ومراجعته، ج ر عدد 78 صادرة في -12-14 2003، والمرسوم التنفيذي رقم 409-04 مؤرخ في 2004-12-14 يحدد كيفيات نقال النفايات الخاصة الخطرة، ج ر عدد 81 صادرة في 2004-12-19 ، والمرسوم التنفيذي رقم 19-09 مؤرخ في 2009-01-20 يتضمن تنظيم نشاط جمع النفايات الخاصة، ج ر عدد 06، صادرة في .2009-01-25 -2 ياسر محمد فاروق المنياوي، المرجع السابق، ص .258 - 245 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

الفرع الثالث: أسس حديثة للمسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية

هناك أسس أخرى للمس ؤولية المدنية عن الأضرار البيئية وهي: المسؤولية الموضوعية والتي تتخذ شكلين إما مس ؤولية على أساس مضار الجوار وإما مسؤولية على أساس نظرية المخاطر، والمسؤولية المحتملة والتي تقوم على أساس مبدأ االحتياط.

أولا: المسؤولية الموضوعية البيئية

إن المسؤولية المدنية الناجمة عن التلوث البيئي ال تستقيم في المضمون التقليدي للمسؤولية المدنية، أي ال يمكن إقامتها على فكرة الخطأ الواجب الإثبات أو الخطأ المفترض ألنها ال تعدو عن كونها مسؤولية مادية (موضوعية) مطلقة غير مقيدة بعنصر الخطأ 1 ، وقد جاءت لتأسيس المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي، وظهرت بسبب الثورة الصناعية والتكنولوجية التي تمخضت عنها أضرار بيئية بدون خطأ ألن مسببها أنشطة مشروعة غير محظورة دوليا وال وطنيا 2 ، وهي تقوم استنادا ملوضوعها أو محلها أي لفكرة الضرر الناش ئ عنها والذي يحقق تلوثا بيئيا تتجاوز آثاره الخطأ الشخص ي ومن ثم ال يمكن إسناد المسؤولية حينئذ إلى خطأ ثابت أو مفترض بل تستند كلية إلى فكرة الخطأ وال يمكن دفع هذه المسؤولية بنفي الخطأ أو انتفاء الخطأ المفترض أو حتى إثبات السبب الأجنبي، فالمسؤولية الموضوعية تقوم على تعويض المضرور ولو بغير خطأ، أي توافر ركنين هما الضرر ورابطة السببية 3 ، وتتخذ شكلين: -1 محمد سعيد عبد هللا الحميدي، المرجع السابق، ص .263 -2 سامية قرجع ، المرجع السابق، ص .116 -3 محمد سعيد عبد هللا الحميدي، المرجع السابق، ص .333 - 246 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

1 نظرية مضار الجوار

ويكون الضرر فيها كافيا لقيام تلك المسؤولية وبالتالي ال يكون المضرور مكلفا بإثبات الخطأ في جانب الجار المتسبب في التلوث إذ وجود الخطأ أو انتفاؤه ال تأثير له على مبدأ المسؤولية 1 ، والضرر الفاحش غير المألوف هو الذي يمنع الجار من االنتفاع بملكيته 2 ، وقد أخذ المشرع الجزائري بهذه النظرية في المادة 691 من القانون المدني 3 والمادة 44 من القانون رقم 03 - 10 المتضمن حماية 4 البيئة في إطار التنمية المستدامة ، هذه الأخيرة جاءت في الفصل المتعلق ّ بمقتضيات حماية الهواء والجو وحددت الحاالت التي تكيف على أنها تلويث للجو في مفهوم هذا القانون وحصرتها بتوفر شروط هي-: إتيان الفعل ومحله: وهو إدخال، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، في الجو وفي الفضاءات المغلقة، - طبيعة المواد: تؤدي إلى الإضرار أو الأثر(الخطورة)، في الحاالت المحددة على سبيل الحص ر في المادة. -1 عطا سعد محمد حواس، المرجع السابق، ص .247 -2 سامية قرجع ، مرجع سابق، ص .116 -3 نصت المادة 691 من ق م على أنه " يجب على المالك أال يتعسف في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار. وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة غير انه يجوز له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف وعلى القاض ي أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة إلى اآلخرين والغرض الذي خصصت له". -4 نصت المادة 44 من القانون رقم 03 - 10 المتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة على أنه " يحدث التلوث الجوي في مفهوم هذا القانون بإدخال بصفة مباشرة أو غير مباشرة في الجو وفي الفضاءات المغلقة، مواد من طبيعتها : تشكيل حظر على الصحة البشرية، التأثير على التغيرات المناخية أو إفقار طبقة الأوزون، الإضرار بالموارد البيولوجية واألنظمة البيئية، تهديد الأمن العمومي، إزعاج السكان، إفراز روائح كريهة شديدة، الإضرار باإلنتاج الزراعي والمنتجات الزراعية الغذائية، تشويه البنايات والمساس بطابع المواقع، إتالف الممتلكات المادية". - 247 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي ويشترط لقيام المسؤولية المدنية على أساس نظرية مضار الجوار غير المألوفة تحقق شرط الجوار الذي يعتد به لضمان حماية فعالة للجار المضرور وتحقق مضار الجوار غير المألوفة التي تتطور وتتفاقم بمرور الزمن واختالف المكان، وبتوافرهما يتمكن الجار المضرور من الحصول على التعويض 1 . وفي هذا الصدد ذهبت المحكمة العليا في قرارها الصاد ر بتاريخ -02-22 2018 تحت رقم 1179081 ( غير منشور) إلى أنه " يتوجب على كل شخص يمتهن حرفة النجارة أن يستصدر ترخيصا ملمارسة نشاطه من الهيئات المعنية، وأن ال يسبب نشاطه هذا مساسا براحة الجوار، أو أي خطر على الصحة العمومية والنظافة". ويرى البعض أن المشرع الجزائري، على عكس المشرع الفرنس ي، قد أرس ى ً ً نظاما خاصا بالمسؤولية عن الأضرار الناتجة عن مضار الجوار غير المألوفة، حيث ً ً ً يعتبر ذلك التزاما قانونيا، ووفقا للمادة 691 فقرة أولى من القانون المدني، فإن أساس المسؤولية عن الأضرار غير المألوفة الناجمة عن مضار الجوار ه و التعسف في استعمال الحق، بينما تشير الفقرة الثانية إلى أن الضرر غير المألوف يعد

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي عمومية في وسط سكاني دون احترام شروط دفتر الأعباء ودون اتخاذ الإجراءات المالئمة لتجنب المساس بسالمة المحيط واألشخاص يعد مخالفة لقانون البيئة ويترتب عليه غلقها نهائيا"، وبالتالي ال يمنع الترخيص من الحكم بإزالة الأضرار مستقبال، باإلضافة إلى إمكانية تعويض المتضررين عن الأضرار التي لحقت بهم 1 فعال .

2 نظرية المخاطر

ّ وتقوم على أساس تحمل التبعة إذ يكفي تحقق الضرر دون النظر للخطأ، وقد كانت وراء ظهور المل ّ وث الدافع إذ تعتبر الأقرب لقواعد العدالة واألخالق 2 ، ومقتض ى "مبدأ الملوث الدافع" أنه يجب على كل من باشر نشاطا مشروعا أدى إلى تلوث البيئة على نحو يضر بها أو بالكائنات الحية الموجودة فيها، أن يقوم بدفع التعويض الالزم إلزالة هذا التلوث أو إلصالح الأضرار التي لحقت بها نتيجة 3 فعله ، فهذه النظرية تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الإنسان الذي يقوم باستغالل نشاط خطر يعود عليه بالربح يتحمل مسؤولية التعويض ما قد يترتب عليه من أضرار تلحق بالغير، دون الحاجة إلى إثبات خطأ المستغل، وذلك تكريسا ملبادئ العدالة التي تقض ي بحصول كل مضرور على تعويض عادل 4 . -1 جمال وعلي ، الطبيعة الخاصة لألضرار الناجمة عن نشاط الملوث البيئي وتأثيرها على قواعد التعويض المدني - دراسة في التشريع الجزائري والقوانين المقارنة، مجلة دراسات قانونية، العدد 07، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان، 2010، ص .256 -2 فيصل بوخالفة ، الجريمة البيئية وسبل مكافحتها في التشريع الجزائري، أطروحة دكتوراه في علم الإجرام والعقاب، جامعة باتنة 1، الجزائر، 2017/2016، ص .227 -3 قويد ر شعشوع ، إعمال نظرية المخاطر إلقرار المسؤولية الدولية البيئية، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، المجلد 14، العدد 02، الجزائر 2021، ص .69 -4 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .76 - 249 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي إن االعتماد على نظرية المخاطر في إقرار المسؤولية الدولية جاء لعدة اعتبارات أهمها حماية الطرف المضرور ومساءلة المتسبب في الضرر من أجل حماية البيئة وتحقيق قاعدة العدالة واإلنصاف. ّ إن المبررات االقتصادية لنظرية المسؤولية على أساس المخاطر دعمتها المبادئ الأساسية ذات الصلة بحماية البيئة كمبدأ الحيطة ومبدأ الملوث الدافع ومبدأ الوقاية وإصالح الضرر .

ثانيا: المسؤولية المحتملة

تقوم المسؤولية المحتملة على أساس مبدأ االحتياط الذي مفاده التركيز ّ على اتباع أسلوب وقائي عوض الأسلوب التدخ لي، ألن الضرر البيئي غير قابل لالسترجاع لذا يفترض الحيطة والحذر قبل وقوعه، ويهدف مبدأ الحيطة والحذر إلى محو الأخطار من الوجود ألن هذه الأخطار تالزم الأنشطة البشرية بل وتالزم الوجود الإنساني ذاته خصوصا أن مبدأ الحيطة هو ضمانة لإلنسان قدر المستطاع في الحصول على حقه في الحياة في بيئة آمنة ونقية وعدم الإضرار بمصالح الأجيال القادمة 1 ، فإقرار المسؤولية المدنية على أساس عدم احترام تدابير االحتياط أمر قابل للتحقق بفعل ازدياد المطالب االجتماعية والقناعات السياسية بضرورة تغيير أسلوب التدخل لحماية البيئة، وقد تبنى المشرع الجزائري هذا المبدأ ضمن المادة 03 من القانون رقم -03 10 المتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة. ويقض ي مبدأ الحيطة بأنه ال ينبغي أن يكون عدم توفر التقنيات نظرا للمعارف العلمية والتقنية الحالية سببا في تأخير اتخاذ -1 عبد العزي ز بسالم ، المسؤولية المدنية الناشئة عن مضار التلوث البيئي العابر للحدود، أطروحة دكتوراه علوم، تخصص القانون العام، جامعة ابن خلدون، تيارت، الجزائر، 2021/2020، ص.110 - 250 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي التدابير الفعلية المناسبة للوقاية من خطر الأضرار الجسيمة والمضرة بالبيئة ويكون ذلك بتكلفة اقتصادية ممكنة. 1 وتجدر الإشارة إلى أنه سواء قامت المسؤولية المدنية البيئية بخطأ واجب الإثبات أو خطأ مفترض أو حتى بدون خطأ فإن ذلك ال يكفي إلقرار التعويض وإنما البد أن يؤدي المساس بأحد عناصر البيئة إلى إحداث ضرر بيئي، والذي يعتبر من الشروط الأساسية ملساءلة الشخص المتسبب في إحداث التلوث. 2 تتجلى صعوبة تحديد المسؤولية في مجال حماية البيئة ليس فقط على ً الصعيد الداخلي، بل أيضا على المستوى الدولي، فقد سعت العديد من االتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية بروكسل لعام 1962 التي تنظم المسؤولية ً المدنية ملستخدمي "السفن الذرية"، إلى تجنب اعتبار الخطأ أساسا لتحديد المسؤولية، وأكدت هذه االتفاقيات أن الكوارث الطبيعية ال تعد سببا لإلعفاء ُ من مسؤولية التلوث البيئي، مشيرة إلى أن المسؤولية في هذه الحاالت تعتبر ً "مسؤولية قضائية" نظرا لصعوبة وضع تعريف شامل للتلوث، وقد تم توجيه الجهود نحو صياغة تعريف للتلوث ال يعتمد على خطأ الإنسان أو نشاطه، حيث ُ ً ً يعتبر التلوث كل ما يؤثر سلبا على التوازن البيئي، حتى وإن لم يكن ناتجا عن إرادة الإنسان أو خطئه، في هذا السياق، تم اعتبار الضرر البيئي، الحال و المستقبلي سببا موجبا للتعويض. -1 سامية قرجع ، المرجع السابق، ص .116 -2 خديجة لحلو ، المسؤولية المدنية البيئية: دراسة مقارنة، المجموعة العلمية (مجموعة ثري فريندز للنشر)، ط 1، الجزائر، 2021، ص .88 - 251 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي المطل الثاني: ظروف انتفاء المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي. تنتفي المسؤولية عن الضرر البيئي إذا ثبت وجود سبب أجنبي وتم الدفع به وذلك النتفاء عالقة السببية، وقد نص المشرع الجزائري على السبب الأجنبي في المادة 127 من القانون المدني 1 ، ولكنه لم يعرفه وإنما أشار إلى شروطه بعدم نسبة الحادث إلى الشخص المدعى عليه، وكذا ذكر بعضا من صوره، وقد عرفه البعض بأنه " كل فعل خارج عن إرادة المتسبب ماديا في الضرر ويكون غير متوقع 2 وغير ممكن الدفع بقدر كاف". وتتمثل صور السبب الأجنبي في: القوة القاهرة (الفرع الأول) وفعل الغير (الفرع الثاني) وخطأ المضرور (الفرع الثالث).

الفرع الأول: القوة القاهرة

ّ القوة القاهرة هي كل ما يمكن عده حادثا فجائيا ال يمكن توقعه وال درء الضرر الناتج عنه كقوة الزوابع والفيضانات التي تؤدي إلى تلوث الماء أو الهواء، كما لو لم يكن في الإمكان توقعها أو تالفيها فهنا تعد قوة قاهرة ترفع المسؤولية عن المدعى عليه النتفاء السببية ويعد الدفع بوجود قوة قاهرة من الدفوع الموضوعية، ألنه يدفع بعدم توافر السببية وركن من أركان المسؤولية 3 . -1 نصت المادة 127 من القانون المدني على أنه "إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب ال يد له فيه كحادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ صدر من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ما لم يوجد نص قانوني أو اتفاق يخالف ذلك". -2 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .253 -3 حورية حساني ، المسؤولية المدنية الناشئة عن أضرار التلوث البيئي (دراسة مقارنة)، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان، الجزائر، 2021/2020، ص .135 - 252 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي وهناك جانب من الفقه يذهب إلى التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي فيعرف القوة القاهرة بأنها الحادث الذي يستحيل دفعه، أما الحادث 1 الفجائي فهو الحادث الذي ال يمكن توقعه . ّ وجانب آخر عرف القوة القاهرة بأنها أمر خارجي غير متصل بنشاط المدعى عليه، كالرياح والز الزل والبراكين، بينما الحادث الفجائي أمر داخلي متصل بنشاط المدعى عليه، كانفجار آلة أو احتراق مصنع. ويترتب على هذا التمييز اعتبار القوة القاهرة دون الحادث الفجائي من ّ وسائل دفع المسؤولية المدنية القائمة على نظرية تحمل التبعة. ورغم المحاوالت الكثيرة للتمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي، إال أن الفقه لم يتمكن من تحديد مدلول كل منهما، بموجبه تتم معرفة متى نكون بصدد حادث فجائي كسبب أجنبي أو قوة قاهرة كسبب أجنبي، الأمر الذي دفع غالبية الفقه القانوني إلى عدم التفرقة بينهما، واعتبرهما تعبيران مختلفان يشتركان من حيث شروط الوجود واآلثار المترتبة على تحققها 2 ، بحيث يصبح تنفيذ االلتزام مستحيال. -1 عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الإلزام بوجه عام-مصادر االلتزام- الجزء الأول، المجلد الثاني، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2009، ص .994 -2 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .256 - 253 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

الفرع الثاني: فعل الغير

إن مسؤولية الشخص تقع على عمله الشخص ي وعلى عمل غيره إذا وجد نص أو اتفاق كأن يكون الشخص مسؤوال عن عمل تابعيه أو اآللة التي في 1 حراسته. ويرى بعض الفقه بأن فعل الغير ال يؤدي إلى نفي المسؤولية المدنية أو يخفف منها إال إذا شكل هذا الفعل خطأ وأحدث ضرر لوحده أو ساهم في ّ حدوثه، وهناك من يميز بين ما إذا كان فعل الغير هو السبب الوحيد في إحداث الضرر، أو كان السبب المشترك في إحداثه، ففي الحالة الأولى البد من توافر فيه شروط القوة القاهرة أو الحادث الفجائي من عدم إمكانية التوقع وعدم إمكانية 2 الدفع، أما الحالة الثانية البد أن يشكل خطأ ليعتبر سببا أجنبيا ، وهو رأي بعض الفقهاء، بينما يرى البعض اآلخر أن فعل الغير وإن لم يكن متصفا بالخطأ فإنه يعفي المدعى عليه من المسؤولية جزئيا ما دام هو أحد أسباب الضرر. 3 وقد مكنت اتفاقية لوجانو المتعلقة بالمسؤولية المدنية عن الضرر الناتج عن الأنشطة الخطرة 4 المدعى عليه في دعوى المسؤولية نفي مسؤوليته بإثبات خطأ الغير، طبقا للمادة 08 الفقرة ب منها التي نصت على أنه "ال يتحمل المستغل المسؤولية عن الأضرار بموجب هذه االتفاقية التي يثبت أنها حدثت -1 سامية قرجع ، المرجع السابق، ص .117 -2 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .267 -3 حسن حنتوش رشيد الحسناوي، دعوى التعويض عن الضرر البيئي، مجلة أهل البيت عليهم السالم، العدد 13، جامعة أهل البيت، العراق، 20 سبتمبر 2012، ص .69 -4 اتفاقية مجلس أور وبا ( اتفاقية لوجانو) حول المسؤولية المدنية عن الأضرار الناتجة عن الأنشطة الضارة بالبيئة، والتي صادقت عليها الجزائر في 21 جوان .1993 - 254 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي بسبب فعل تم بقصد إحداث الضرر من طرف الغير، وأضاف بروتوكول تعديل اتفاقية فيينا 1 بشأن المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية لسنة 1997 خطأ الغير كسبب أجنبي، تنتفي به مسؤولية مستغل المنشأة النووية، وهذا ما نصت عليه المادة 06 الفقرة 7 منه التي جاء فيها" ليس في هذه االتفاقية ما يؤثر في مسؤولية أي شخص عن الأضرار النووية التي يكون المستغل غير مسؤول عنها طبقا لهذه االتفاقية بموجب الفقرة 3 أو 5 من هذه المادة التي يكون هذا الشخص قد أحدثها نتيجة القيام بفعل أو عدم القيام بفعل بقصد إحداث الضرر" 2 .

الفرع الثالث: خطأ المضرور

قد يتسبب المضرور بالضرر بنفسه بإرادته الكاملة فيكون حينها الإعفاء من المسؤولية كامال، وقد يكون جزئيا إذا كان خطأ المضرور قد تسبب بجزء من الضرر باإلضافة إلى خطأ المسؤول، وهنا يكون الإعفاء بمقدار ما يسببه المضرور 3 لنفسه. ويقاس الخطأ بمعيار الرجل العادي فيعتبر المضرور قد ارتكب خطأ إذا ما انحرف في سلوكه عن المألوف من سلوك الرجل المعتاد، ويستطيع المدين أن

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي يتمسك بخطأ المضرور في مواجهة المضرور نفسه وفي مواجهة ورثته إذا انتهى الحادث بموت المضرور. 1 ويعد فعل المضرور أو خطئه أكثر الأسباب انتشارا لنفي العالقة السببية التي تؤدي إلى نفي المسؤولية المدنية، ذلك أن إثباته أقل صعوبة من إثبات القوة 2 القاهرة أو الحادث الفجائي. واعتبار فعل المضرور وسيلة دفع المدعى عليه مسؤوليته المدنية يجعل مهمته في نفي العالقة السببية سهلة، بإثبات أن فعل المضرور هو الذي أدى إلى الضرر، مقارنة بمهمة المضرور في إثبات قيام المسؤولية التقصيرية التي تكون صعبة، ألنه ملزم بإثبات خطأ المدعى عليه ووجود الضرر وقيام العالقة السببية 3 بينهما . ومن بين صور خطأ المضرور، تقصيره في اتخاذ االحتياطات الالزمة ملنع وقوع الضرر، فالشخص الذي يشرب مياه دون التأكد من أنها صالحة للشرب، يعد مقصرا ومسؤوال عن الضرر الالحق به نتيجة تل ّ وثها 4 . ولم ينص المشرع الجزائري على وجود وسائل دفع خاصة بالمسؤولية المدنية عن التلوث البيئي بسبب خصوصيتها، فهي ال تقوم على أساس واحد، بل يختلف بالنظر إلى سبب حدوث التلوث البيئي، لذلك تختلف هذه الوسائل حسب الأساس الذي تقوم عليه، فإذا قامت هذه المسؤولية على أساس نظرية -1 خديجة لحلو ، المرجع السابق، ص .128 -2 بسيم خليل سكارنه، فعل المضرور وأثره في المسؤولية التقصيرية، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، الأردن، 2014، ص .46 -3 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .262 -4 نفس المرجع، ص .263 - 256 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي مضار الجوار غير المألوفة مثال، فإن وسائل دفعها تتمثل في السبب الأجنبي أو إثبات أن المضار مألوفة، وال يمكن للمدعى عليه دفع مسؤوليته المدنية عن التلوث البيئي باستيفاء الترخيص الإداري أو أسبقية االستغالل أو الدفع بمخاطر التطور العلمي أو أسبقية االستغالل، خالفا لبعض القوانين المقارنة التي أقرت بإمكانية المنتج دفع مسؤوليته المدنية بإثبات عدم كفاية المعرفة العلمية في التوصل إلى ما قد تنطوي عليه المنتجات من مخاطر، أو إمكانية دفع الجار المسؤول عن الضرر بأسبقية االستغالل. 1

المبحث الثاني: التعويض عن الضرر البيئي

في مجال البيئة قد يلحق الضرر باألشخاص أو بأموالهم أو بالبيئة في حد ذاتها، وترتيبا على ذلك يستطيع المضرور اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتع ويض إذا توافرت شروط قبول دعواه واستوفى الإجراءات القانونية في ذلك (المطل الأول)، مع الأخذ في االعتبا ر وجود صعوبات تفرضها خصوصية خطر التلوث وما يترتب عنه من أضرار وهو ما يحتم إعطاء سلطة للقاض ي في تقدير التعويض جبرا للضرر البيئي (المطل الثاني). المطل الأول: دعوى التعويض عن الضرر البيئي. دعوى التعويض عن الضرر البيئي شأنها شأن باقي الدعاوى يجب احترام إجراءات رفعها بدءا بالجهة القضائية المختصة نوعيا واقليميا إلى شروط قبول الدعوى (الفرع الأول)، مع ممارسة الحق في الدعوى خالل اآلجال القانونية منعا لتقادم الحق في رفعها (الفرع الثاني). -1 سارة بولقواس ، المرجع السابق، ص .296 - 257 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

الفرع الأول: إجراءات رفع دعوى التعويض عن الضرر البيئي

نتطرق للجهة القضائية المختصة بمنازعات التعويض عن الأضرار البيئية على المستويين الدولي والوطني، وكذا شروط قبول دعوى التعويض عن الضرر البيئي.

أولا: الجهة القضائية المختصة بمنازعات التعويض عن الأضرار

البيئية تختلف الجهات القضائية المختصة بمنازعات التعويض عن الأضرار البيئية باختالف طبيعة النزاع بين الدولي(1) و الوطني (2).

1 على المستوى الدولي

يستطيع أطراف النزاع من أشخاص القانون الدولي عرض قضاياهم على محكمة العدل الدولية إذا قبلوا واليتها، وفقا للقواعد المنظمة الختصاص المحكمة، ومن ناحية أخرى يمكن للمحكمة أن تفصل في المنازعات البيئية المتعقلة بتفسير أو تطبيق االتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة وهناك العديد من االتفاقيات الدولية التي منحت االختصاص للمحكمة بفض المنازعات التي تثور بخصوص تفسيرها أو تطبيقها، نذكر منها اتفاقية قان ون البحار لعام 1 1982 بمونتيقوباي(جمايكا) ، وكذا االتفاقية الدولية بشأن الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية المبرمة سنة 1975، فقد نصت اتفاقية قانون البحار على إنشاء محكمة دولية لقانون البحار، مقرها بمدينة هامبورج بالنمسا، تختص بنظر -1 وافقت عليها الجزائر بموجب المرسوم رقم 96/05 المؤرخ في 10 يناير سنة 1996املتضمن

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 29#ص-29

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي المنازعات المتعلقة بحماية البيئة البحرية ومكافحة تلوثها وما يتبع ذلك من 1 مشكالت.

2 على المستوى الوطني

إن تحديد القضاء المختص نوعيا ومحليا من المسائل الأساسية التي يجب مراعاتها قبل مباشرة أي إجراء من إجراءات رفع الدعوى، وقد تبنى المشرع الجزائري بموجب الدستور مبدأ ازدواجية القضاء بين قضاء عادي وقضاء إداري مما يثير مشكلة تحديد القضاء المختص نوعيا في نظر المنازعات البيئية. أ. االختصاص النوعي إن االختصاص النوعي في نظر المنازعات البيئية في ظل القانون الوضعي ليس له جهة قضائية متخصصة وإنما هو موزع بين جهات القضاء العادي وجهات القضاء الإداري، حيث ينظر القضاء المدني في المنازعات المطروحة عليه بين أشخاص القانون الخاص وينظ ر القضاء الجزائي في ردع الجرائم البيئية التي يتابع فيها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون، وتنظر جهات القضاء الإداري (المحاكم الإدارية االبتدائية والمحاكم الإدارية االستئنافية ومجلس الدولة) في المنازعات البيئية التي تكون الإدارة العامة طرفا فيها تطبيقا للمعيار العضوي. 2 -1 عبد الرحمان بوفلجة ، المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية ودور التأمين، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان، الجزائر، 2016/2015، ص .157 -2 عبد العزيز نويري ، دور القاض ي الإداري الجزائري في رقابة تطبيق قانون حماية البيئة، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، مركز البحوث القانونية والقضائية، العدد 01، الجزائر، 2020، ص.72 - 259 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 30#ص-30

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي ب: االختصاص الإقليمي جعل المشرع االختصاص الإقليمي بنظر الدعاوى ينعقد كأصل عام للمحكمة الواقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه، أما في مجال الدعاوى الرامية إلى التعويض عن الضرر بما في ذلك الضرر البيئي فإن االختصاص يؤول للجهة القضائية التي يقع في دائرة اختصاصها الفعل الضار حسب مقتضيات المادة 39 من قانون الإجراءات المدنية واإلدارية. 1 أما في حاالت الأضرار البيئية التي يتدخل فيها عنصر أجنبي فيتعين تطبيق قواعد القانون الدولي الخاص والمعروفة "بالمنازعات العابرة للحدود" والتي تحل

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 31#ص-31

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي ّ منحت االختصاص ملحكمة الدولة مسلمة رخصة مستغلي البواخر النووية ومحكمة وقوع الضرر معا. 1

ثانيا: شروط قبول دعوى التعويض عن الضرر البيئي

تشترط دعوى التعويض عن الأضرار البيئية كأي دعوى قضائية شرطي الصفة والمصلحة كشرطين شكليين طبقا ملقتضيات المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية واإلدارية يؤدي عدم توافرهما إلى عدم قبول الدعوى شكال، وكذا شرط الإذن المسبق إذا ما اشت رطه القانون، وهناك شرط موضوعي متعلق

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 32#ص-32

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي لاللتزام في منطقة جغرافیة معینة بینما یتضرر من هذا الفعل أشخاص یبعدون عن مركز الفعل المولد للضرر مئات أو آالف الكیلومترات ومن هنا تثار مشكلة من هو الشخص الذي تمنح له الصفة من أجل مباشرة إجراءات التقاض ي 1 والمطالبة بالتعویض أمام القاض ي المختص . فالصفة في الدعوى البيئية تعني وجوب وجود عالقة مباشرة بين المضرور من الضرر البيئي والحق المعتدى عليه 2 ، فالثابت أن المدعي تكون له الصفة متى انصب الضرر البيئي على سالمته الجسدية أو أمواله الخاصة، ونفس الحكم يتقرر بالنسبة للعناصر الخاصة بالبيئة أي تلك التي تتبع شخصا معينا كاألرض والحيوانات والطيور ومياه القنوات واآلبار الخاصة، فمتى أصاب أحد هذه العناصر ضرر بسبب أنشطة ملوثة للبيئة كان لصاحبها صفة في رفع دعوى المسؤولية في مواجهة المسؤول 3 وذلك وفقا للقواعد العامة الإجرائية المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية واإلدارية، أما بالنسبة للعناصر العامة أو المشتركة والتي ال تخص شخصا معينا فإن هناك صعوبة في ظل عدم االعتراف بحق الشخص في بيئة نقية وصحية، وحينئذ تواجه دعوى المدعي صعوبات جمة من حيث توافر المصلحة الخاصة التي تعني أن له صفة في الدعوى، إال أن الفقه والتشريعات الحديثة من بينها الفرنس ي والجزائري منحت الجمعيات حق رفع دعوى المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية متى كانت هذه الأخيرة تهدد الغرض -1 محمد حسناوي ، مستقبل شروط الضرر في ظل توسع الأضرار الضرر البيئي نموذجا، دائرة البحوث والدراسات القانونية والسياسية، المجلد 07، العدد 02، الجزائر، 2023، ص .429 -2 خديجة لحلو، المرجع السابق، ص .170 -3 علي سعيدان، المرجع السابق، ص .344 - 262 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 33#ص-33

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي الذي أنشئت من أجله، فالمشرع الفرنس ي أقر حق الجمعيات المعترف بها لحماية البيئة في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض - أيا كانت صورته – عما يلحق بالعناص ر والثروات الطبيعية من أضرار خاصة بها شريطة أن يكون الدفاع عن البيئة وحمايتها من بين الأهداف التي قامت الجمعية من أجل الدفاع عنها حسب ما هو وارد في نظامها الأساس ي 1 ، والمشرع الجزائري في القانون رقم 03 10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة أجاز في المادة 36 منه للجمعيات المعتمدة قانونا والتي تمارس أنشطتها في مجال حماية البيئة وتحسين الإطار المعيش ي رفع دعوى أمام الجهات القضائية المختصة عن كل مساس بالبيئة حتى 2 في الحاالت التي ال تعني الأشخاص المنتسبين لها بانتظام ، وأجازت المادة 37 من نفس القانون للجمعيات ممارسة الحقوق المعترف بها للطرف المدني بخصوص الوقائع التي تلحق أضرارا مباشرة أو غير مباشرة بالمصالح الجماعية والتي تشكل ّ مخالفة لألحكام التشريعية المتعلقة بحماية البيئة، كما خول المرسوم التنفيذي 276/98 مفتش ي البيئة للواليات تمثيل الإدارة المكلفة بالبيئة أمام العدالة، بحيث سمح لهم برفع الدعاوى القضائية دون أن يكون لهم تفويض خاص بذلك. 3 كما أن اتفاقية لوجانو في المادة 19 منها أعطت جمعيات حماية البيئة الحق في االدعاء القضائي بيد أن هذا الحق قاصر على الطلبات الوقائية المتمثلة -1 عطا سعد محمد حواس، المرجع السابق، ص .65 -2 علي سعيدان، المرجع السابق، ص ص345 ،.346 -3 نصت المادة 19 من اتفاقية لوجانو على أنه "يمكن لجمعيات حماية البيئة أن تطلب من القاض ي الحكم بمنع النشاط الخطر غير المشروع أو توجيه الأمر إلى المستغل بأن يتخذ التدابير التي من شأنها منع الحادث أو الضرر أو توجيه الأمر إليه باتخاذ الإجراءات الالزمة إلصالح البيئة أو عناصرها وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل حدوث التلوث". - 263 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 34#ص-34

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي في منع النشاط الخطر غير المشروع أو الأمر باتخاذ إجراءات الحماية أو الإصالح أي إعادة الحال إلى ما كان عليه ومعنى ذلك أنها ليس لها الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار البيئية التي تحدث ضررا مباشرا أو غير مباشر بالمصالح 1 الجماعية التي قامت الجمعية من أجل الدفاع عنها. وبالنسبة للصفة في إطار القانون الدولي، فإنه ونظرا للطابع المنتشر ل ألضرار البيئية وعبورها لحدود الدول، فيمكن هنا أن تثور دعوى المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية التي تنشأ بفعل النشاطات الملوثة من قبل بعض الدول، فهنا يمارس الأجنبي المضرور دعواه في إطار الحماية الدبلوماسية، حيث تعتبر هذه الأخيرة في مفهوم القانون الدولي أداة تحريك المسؤولية الدولية من الدولة التي تأتي أعماال إيجابية أو سلبية أو أنشطة تضر برعايا دول أخرى، من أجل إصالح تلك الأضرار بالنظر إلى قواعد القانون الدولي، ومن المبادئ المستقرة في القانون الدولي أنه لكي تمارس الدولة حقها في الحماية الدبلوماسية والتي تعد مظهرا من مظاهر المطالبة بحقوق رعاياها، ينبغي أن تتوافر شروط لهذه الحماية وهي شرط الجنسية التي يتمتع بها المضرور، وشرط استنفاذ وسائل التقاض ي 2 الداخلية.

2 المصلحة

لرفع أي دعوى قضائية يجب توافر شرط المصلحة، والتي تعني الفائدة العملية التي تعود على رافع الدعوى من الحكم له بطلبه، فحيث ال تعود على المدعي فائدة من رفع الدعوى ال تقبل دعواه، فحيث تنعدم المصلحة تنعدم -1 عطا سعد محمد حواس، المرجع السابق، ص .74 -2 عبد الرحمان ب وفلجة، المرجع السابق، ص .134 - 264 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 35#ص-35

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي الدعوى، فال دعوى بغير مصلحة 1 ، ولإلشارة أن المفهوم الكالسيكي للمصلحة والتعامل مع نصوصها بدقة ال يسمح للمتضرر أن يلجأ للقضاء، والمطالبة بالتعويض، وذلك نظرا لوجود مجموعة من الصعوبات الواقعية التي تتعلق بإثارة المصلحة االقتصادية والتنمية والتشغيل التي تعرقل حق ممارسة االدعاء 2 ضد المؤسسات والشركات الملوثة ، زيادة على ذلك تصطدم المصلحة الشخصية للتقاض ي بالطبيعة الخاصة لألمالك البيئية والتي تعتبر من الأمالك الوطنية المشتركة بموجب الدستور، فهي أمالك عامة مخصصة لالستعمال الجماهيري 3 وغير قابلة للتملك وكل شخص له حق تمتع دائم عليها. وعلى غرار هذا التكييف ال يمكن تصور تحريك دعوى قضائية لحماية هذه الأمالك باسم المصلحة الشخصية، ألن هذه الأخيرة يصعب إثباتها في مجال المنا زعات البيئية ألن الأضرار التي تصيب البيئة غالبا ما تمس المصالح الجماعية المشتركة للعديد من الأفراد، لذلك غالبا ما لجأ القضاء الفرنس ي على سبيل المثال في العديد من أحكامه إلى رفض الدعاوى شكال النعدام المصلحة الشخصية، دون الحاجة إلى تقدير الأموال محل االدعاء بالضرر البيئي 4 . أما بالنسبة للقضاء الجزائري ففي كثير من أحكامه ال يعتد بالمصلحة في التقاض ي، إال إذا كانت شخصية مباشرة، وعليه فال تعويض إال إذا كانت هناك 1 - ياسر محمد فاروق المنياوي، المرجع السابق، ص .454 2 - يحي وناس، اآلليات القانونية لحماية البيئة في الجزائر، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة تلمسان، الجزائر، 2007/2006، ص .246 3 جميلة حميدة، دور القاض ي في منازعات تعويض الأضرار البيئية، مجلة البحوث والدراسات القانونية والسياسية جامعة البليدة2، العدد 18، الجزائر، ص .113 -4 قادة عباد، المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية، دون طبعة، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2016، ص .105 - 265 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 36#ص-36

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي مصلحة شخصية، وهي تختلف باختالف الحق المراد حمايته، ولكن مهما اختلفت فإن الشروط الواجب توافرها فيها واحدة وهي أن تكون المصلحة قانونية وأن تكون قائمة أو محتملة 1 . أ. المصلحة قانونية يقصد بقانونية المصلحة أن يطالب المدعي بحماية حق أو مركز قانوني يقره القانون، أي أن تستند الدع وى إلى حق أو مركز يحميه القانون، إذ ال تقبل أي دعوى إذا لم يكن لصاحبها مصلحة يقررها القانون، وهو ما نص عليه المشرع في المادة 13 من قانون الإجراءات المدنية واإلدارية 2 ، ويستوي أن تكون المصلحة القانونية مادية أو أدبية، فالمصلحة المادية هي التي تحمي المنفعة المادية لرافع الدعوى كاملطالبة بالدين، أما المصلحة الأدبية فهي التي تحمي حقا أدبيا كاملطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي. وبخصوص قانونية المصلحة في دعوى المسؤولية المدنية البيئية فأساسها حق الإنسان في بيئة سليمة والذي هو من حقوق الجيل الثالث، نصت عليه العديد من االتفاقيات والمؤتمرات الدولية وتبنته الدول في دساتيرها كالدستور البرتغالي واإليطالي وا إلسباني، وكذا الدستور الجزائري بموجب ديباجته وكذا المادتين21و 64 منه 3 ، بحيث أوكل المشرع الدستوري للدولة مهمة السهر على حماية البيئة بكل عناصرها ، وربطها بالقطاعات الكبرى للبيئة منها حماية الأ راض ي الفالحية، وكذا االستعمال العقالني للموارد المائية أو الطاقات ا ألحفورية، إضافة -1 خديجة لحلو ، المرجع السابق، ص .172 -2 عبد الرحمان بوفلجة، المرجع السابق، ص .150 -3 خديجة لحلو، المرجع السابق، ص .173 - 266 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 37#ص-37

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي إلى نية الدولة في وضع آليات سواء وقائية أو ردعية ملعاقبة الملوثين لعناصر البيئة 1 البرية والبحرية والجوية . ب. المصلحة القائمة أو االحتمالية وتكون المصلحة قائمة إذا وقع االعتداء على الحق أو المركز القانوني بالفعل مما يؤدي إلى حرمان الشخص من االنتفاع أو القدرة على االنتفاع به الأمر الذي يستلزم تدخل القضاء لحمايته بتطبيق جزاء القاعدة القانونية، وهو الأصل إال أن الفقه والقضاء تواتر على قبول الدعوى عندما تكون المصلحة محتملة بمعنى عدم وجود اعتداء قائم وحال يداهم الحق، وهي دعاوى وقائية أو حمائية للمطالبة بإجراءات تحقيق مقبولة قانونا قصد االنتفاع بها في دعوى مستقبلية، ويدخل في هذا الإطار الدعاوى التي ترمي إلى االحتياط لدفع ضرر 2 الحق ، وهو ما يمكن لقضاة الموضوع تطبيقه في المنازعات البيئية باألخذ بعين االعتبا ر خصوصيات الأضرار البيئية وقب ول دعاوى الأفراد المطالبة بجبرها، ذلك أن آثار التلوث البيئي ال تنتج في الغالب إال بعد مرور فترة زمنية طويلة مما 3 يصعب عملية إثباتها . ولإلشارة تعد المصلحة مشروطة أيضا في الدعاوى التي ترفعها هيئات المجتمع المدني خصوصا الجمعيات المعتمدة والمهتمة بحماية البيئة أو بعنصر من عناصرها كجمعيات حماية الطبيعة أو إطار المعيشة أو حماية المستهلك أو -1 جياللي قرميط، مستجدات الحماية المستدامة للبيئة في ظل التعديل الدستوري 2020 ، مجلة قضايا معرفية، جامعة ابن خلدون، تيارت، ا ملجلد03 ، العدد 02 ،الجزائر، سبتمبر 2023، ص.114 -2 عبد الرحمان بوفلجة، المرجع السابق، ص .151 -3 خديجة لحلو، المرجع السابق، ص .174 - 267 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 38#ص-38

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي الطبيعة أو اآلثار...إلخ، حيث يمكنها حسب الأحوال االدعاء أمام القضاء العادي والقضاء الإداري 1 ، وتستفيد هذه الجمعيات من قرينة المصلحة في التقاض ي كي تحتج أمام القضاء الإداري على أي قرار له عالقة مباشرة بموضوعها أو نشاطها على أن يكون لذلك القرار مخاطر ماسة بالبيئة أو يحدث آثار ضارة بكل أو جزء من الإقليم الذي تنشط فيه كل جمعية ( وطني، جهوي، والئي، بلدي). 2

الفرع الثاني: تقادم دعوى التعويض عن الضرر البيئي

طبقا للمادة 18 من اتفاقية لوجانو تتقادم دعوى المسؤولية عن أضرار التلوث الناجمة عن ممارسة الأنشطة الخطرة على البيئة بثالث سنوات تبدأ من الوقت الذي يعلم فيه المضرور أو يفترض أنه قد علم بالضرر وكذلك بشخص المستغل مصدر الضرر، وفي جميع الأحوال تتقادم الدعوى بمض ي ثالثين سنة تبدأ من تاريخ وقوع الفعل المنش ئ للضرر، أي أن الدعوى تتقادم بثالث سنوات 3 أو ثالثين سنة أيهما أقل . وفي حالة التلوث المستمر أو الناتج عن تسلسل وقائع لها نفس المصدر تكون مدة التقادم ثالثين سنة يبدأ حسابها من تاريخ انتهاء هذه الوقائع أو الأفعال المستمرة أو المتسلسلة. -1 نصت المادة 74 من القانون 90 – 29 المؤرخ في 1990/12/01 المتعلق بالتهيئة والتعمير المعدل والمتمم على أنه" يمكن كل جمعية تشكلت بصفة قانونية تنوي بموجب قانونها الأساس ي أن تعمل من أجل تهيئة إطار الحياة وحماية المحيط أن تطالب بالحقوق المعترف بها لطرف مدني فيما يتعلق بالمخالفات ألحكام التشريع الساري المفعول في مجال التهيئة والتعمير". -2 عبد العزيز نويري ، المرجع السابق، ص .74 -3 عطا سعد محمد حواس، المرجع السابق، ص .236 - 268 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 39#ص-39

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي وبالرجوع إلى القانون الفرنس ي ال يوجد نص تشريعي خاص يعالج مسألة تقادم دعوى المسؤولية عن أضرار التلوث، وعلى ذلك يتعين اللجوء إلى القواعد العامة في القانون المدني الخاصة بالتقادم لتحديد مدة التقادم، فبالرجوع إلى القانون المدني الفرنس ي قضت المادة /2270 1 منه بأن دعوى المسؤولية المدنية غير التعاقدية تتقادم بمض ي عشر سنوات من تاريخ ظهور الضرر أو تفاقمه. 1 والمشرع الجزائري لم يتطرق في النصوص المتعلقة بحماية البيئة ملسألة التقادم مما يتعين تطبيق مدد التقادم الواردة في القانون المدني والمحددة بانقضاء 15 سنة من يوم وقوع الفعل الضار حسب مقتضيات المادة 133 منه، إال أنه ونظرا للطبيعة الخاصة للضرر البيئي قد يتأخر ظهور آثاره إال بعد فترة معينة الأمر الذي يجعل من معيار تاريخ وقوع الفعل الضار كأساس الحتساب بداية الميعاد القانوني للتقادم قد ال يحقق حماية كافية وعدالة تعويضية للمتضررين من الأضرار البيئية الأمر الذي يؤدي إلى عدم إمكانية اعتماده في هذا المجال واستبداله بمعيار تاريخ ظهور الضرر، وهو ما اعتمده القضاء الفرنس ي في حكم له والقاض ي بقبول دعوى dax de Ville الرامية إلى طلب التعويض عن الضرر الذي لحق بالمساحة الخاصة بها ما دام أن الضرر لم يظهر إال سنة 1957 بالرغم من أن فعل المسؤول عنه كان في الفترة ما بين 1928 و.1956 2 المطل الثاني: أنواع التعويض عن الضرر البيئي وسلطة القاض ي في تقديره. لعل من أهم اآلثار الناتجة عن قيام المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية هو الحكم بالتعويض جبرا لألضرار المتولدة عن التلوث البيئي هذا التعويض قد -1 نفس المرجع، ص .231 -2 خديجة لحلو، المرجع السابق، ص .178 - 269 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 40#ص-40

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي يكون تعويضا عينيا أو تعويضا نقديا ( الفرع الأول)، ويملك القاض ي سلطة تقدي ر هذا التعويض وفق قواعد تقدير معينة وبوسائل تساعده في تقييم الأضرار البيئية المحضة، لكن تعترضه بمناسبة ذلك بعض الصعوبات بالنظر لطبيعة الضرر البيئي المراد التعويض عنه الذي قد یمس عناصر غير قابلة للتملك كما ّ أن عناصر البیئة ال تقوم بالمال (الفرع الثاني). الفرع ا ألول : أنواع التعويض عن الضرر البيئي. التعويض ه و الهدف الأساس ي من تقرير المسؤولية المدنية، وهناك آليات يمكن من خاللها تعويض ضحايا التلوث البيئي إما تعويضا عينيا أو تعويضا نقديا.

أولا: التعويض العيني

التعويض العيني بصفة عامة يعني إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل وقوع الفعل الضار فهو يزيل الضرر الناش ئ عنه، والقاض ي ليس ملزما أن يحكم

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 41#ص-41

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

1 إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل حدوث الضرر البيئي
1.1 تعريف إعادة الحال إلى ما كانت عليه

وهي وسيلة إصالح البيئة المصابة بسبب التلوث فإذا كان جبر الضرر بالنسبة لإلنسان يتم بدفع مبلغ من المال فإن الضرر الذي یلحق بالبيئة أو أحد 1 عناصرها المملوكة أو غير المملوكة ال یصلحه ٕاال إعادة الحال إلى ما كان عليه ، فآلية إعادة الحال إلى ما كان علیه قبل حدوث الضرر البيئي تعد صورة متميزة من الضرر التي یتم من خاللها إصالح الضرر الناجم عن العمل غير المشروع وهو یؤدي دورا هاما في المسؤولیة المدنية عن الأضرار البیئية، فهو يسعى إلى إزالة آثار العمل غير المشروع التي تمس البيئة 2 ، فسالمة البيئة تقتض ي عدم ترك آثار العمل غير المشروع الضار بالبيئة لتحدث مزيدا من اآلثار التراكمیة الضارة و الملوثة على أن یعوض بعدها المضرور عما لحقه من ضرر، فهو إعادة الوضع الذي كان قائما قبل وقوع الفعل الذي تسبب في هذا الضرر. 3 ويستمد نظام إعادة الحال إلى ما كانت عليه أهمية وجوده من ضرورة وقف أو إزالة الضرر بالنسبة للمستقبل خاصة في مجال الأضرار الإيكولوجية الخالصة و إعادة الحالة الطبیعیة للعناصر التي تعرضت للتدهور البيئي إلى وضعیتها ا ألصلیة أو إلى وضعیة قریبة منها، وقد تم التنصيص على هذا النظام في العديد من االتفاقيات الدولية والقوانين الوضعية، والمشرع الجزائري تبنى مبدأ 3 إعادة الحال إلى ما كانت عليه في العديد من النصوص، فالمادة /100 من 1 - أمال بن قو، التعويض العيني عن الضرر البيئي، مجلة البحوث العلمية في التشريعات البيئية، جامعة ابن خلدون تيارت، العدد 07، الجزائر، 2016، ص .118 2 - قادة عباد ، المرجع سابق، ص .146 3 - أمال بن قو ، المرجع سابق، ص .119 - 271 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 42#ص-42

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي القانون رقم 10-03املتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة نصت على ّ أنه" يمكن للقاض ي في حالة رمي أو إفراغ أو ترك تس ربات في المياه السطحية... أن يفرض على المحكوم عليه إص الح الوسط المائي" وهو ما تبنته أيضا المادتين 102 و 105 من نفس القانون كما نص على هذا المبدأ في القانون رقم 06-84 المتعلق بالنشاطات المنجمية، حيث جاء في المادة 86 منه على أنه كل مباشر لنشاطات منجمية في البحر خ الفا ألحكام هذا القانون من خالل إقامة منشآت ا إلستغالل دون ترخيص أو بإقامة منشآت غير مطابقة للترخيص الممنوح يلزم بالقيام بأعمال المطابقة وهي صورة من صور إعادة الحال إلى ما كانت عليه 1 ، إضافة إلى هذا فقد نص القانون رقم 19-01 المتضمن تسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها في المادة 08 منه على أنه يلزم منتج أو حائز النفايات بضمان إزالة النفايات على حسابه الخاص بطريقة عق النية بيئيا ، كما تبنى قانون رقم 12-84 المتضمن النظام العام للغابات هذا المبدأ حيث نصت المادة 86 منه على أنه من يقوم بتفريغ أوساخ أو ردوم في الأمالك الغابية الوطنية أو وضع أي ش يء آخر من شأنه أن يتسبب في حرائق ملزم بإعادة الحال إلى حالتها ا ألصلية. و يشكل الأمر بإعادة الحال إلى ما كانت عليه في أغلب الأحوال عقوبة تكميلية يلتزم بها المسؤول بجانب العقوبة الأصلية التي قد تكون جنائية أو إدارية وخاصة في حالة مخالفته إلحدى قواعد الضبط الإداري 2 ، و المشرع الجزائري 1 شتوي حكيم وبلعبيد نصيرة، التعويض عن الأضرار البيئية في نطاق قواعد المسؤولية المدنية، مجلة المعيار، المجلد 09، العدد 02،جامعة العلوم الإسالمية – الأمير عبد القادر- قسنطينة، الجزائر، 2018، ص .36 2 سعيد السيد قنديل، آليات تعويض الأضرار البيئية: دراسة في ضوء الأنظمة القانونية واإلتفاقيات الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2004، ص .28 - 272 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 43#ص-43

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي نص عليه كعقوبة جزائية تطبق على الأشخاص المسؤولين عن التلوث في نص المادة /102 3 من القانون رقم 10-03املتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة، فاستغالل المنشئة دون الحصول على ترخيص يجوز للمحكمة الأمر 1 بإرجاع الأماكن إلى حالتها الأصلية في أجل محدد.

2.1 اآلليات المعتمدة لتطبيق إعادة الحال إلى ما كانت عليه

نصت اتفاقية لوجانو على هذه اآلليات كشكل من أشكال التعویض فعرفتها في المادة 8 / 2 منها بأنها " كل وسيلة معقولة يكون الغرض منها إعادة تهیئة أو إصالح المك ونات البيئية المضرورة وكذلك الوسائل التي يكون قصدها إنشاء حالة من التعادل إذا كان ذلك معقوال وممكنا للعناصر المكونة للبيئة" 2 ومنه العبرة بمعقولیة الوسيلة بغض النظر عن النتيجة. والقضاء الف رنس ي قد طبق شرط المعقولیة لتناسب ا إلعادة مع تكالیف القضیة coltroni zeo في عام 1980 والتي تتعلق بتدمير إحدى الغابات على شاطئ rico porto بسبب تسرب بترول من إحدى الناقالت، فقررت المحكمة أن مبلغ التعویض المقض ي بإعادة الحال إلى أشجار الغابة المتضررة يجب أن يتناسب مع التكلفة المعق ولة إلعادة الحال قبل حدوث التلوث بالزیت وال یعتد بتلك المصروفات إلى التكالیف المبالغ فيها 3 . 1 بن قو أمال، مرجع سابق، ص .120 2 عباد قادة، المرجع السابق، ص .150

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 44#ص-44

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي

3.1 موانع الحكم بإعادة الحال إلى ما كانت علیه

هناك صع وبات تط رأ على القاض ي وهو بصدد الحكم بإعادة الحال إلى ما كانت علیه قبل حصول الضرر البيئي وهو ما ينجر عنه استحالة تنفيذ حكمه وال يكون أمامه في هذه الحالة سوى اللجوء إلى التع ویض النقدي، و استحالة الحكم بإعادة الحال إلى ما كانت عليه نوعين: استحالة مادية واستحالة مالية.  الإستحالة المادية: يستحيل في بعض الأحيان استرداد الوضعیة ا ألصلیة للعناصر المتضررة ، بحيث ال يمكن إعادة الحال إلى ما كانت علیه خصوصا في ا ألضرار الجسدیة التي تلحق الإنسان أو التي تدمر ممتلكاته أو أمواله كما في حالة الوفاة أو الإعاقة نتيجة استنشاق غازات سامة أو بسبب أمراض الرئة التي تصيب الشخص نتيجة 1 تعرضه للتلوث أو اضطراب ا ألعصاب نتيجة الضوضاء الشدیدة ، ومنه هذه ا ألضرار الجسدیة یتم تعویضها نقدا، وهناك أیضا أضرار تؤدي إلى زوال أ و هدم عنصر طبیعي بصورة نهائیة ال يمكن استرداده كحالة القضاء على آخر فصيلة حيوانية أو نباتیة أو تغیير الخصائص الفي زيائیة لوسط طبیعي بفعل إشعاعات أو تلوث بمواد خطرة أو سامة، وكذلك انقراض العدید من أنواع الغابات بسبب الحرائق والتلوث البيئي وهو ما یؤدي إلى صعوبة عودة النبات ا ألصلي إلى وضعه هذا وإلى الإستقرار، وخير مثال على ذلك الكارثة البترولیة التي حدثت في حرب الخلیج أين تم إلقاء عشرات من ا ألطنان من البترول في مياه الخلیج وتدمي ر أكثر -1 الطیب قلوش، مسؤولیة المؤسسة عن الضرر البيئي، أطروحة دكتوراه في قانون الأعمال، جامعة وهران، الجزائر، 2015/2014، ص .190 - 274 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 45#ص-45

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي من خمسمائة بئر بترولیة على أرض الكویت مما أدى ذلك إلى انبعاث سم ومها في جو الخلیج كله. وهناك أضرار تكون مستمرة و ليس من سبيل إلنهائها وإزالتها، والتي تؤدي إلى عدم استعادة بعض المواقع أو المناطق ، ففي مثل هذه الحاالت ال يمكن تطبيق إجراءات إعادة الحال وتكون في هذه الحاالت إن صح القول استحالة 1 مادیة مطلقة.  الإستحالة المالية: هناك بعض الصع وبات المالیة التي ت واجه إعادة الحال إلى ما كانت علیه خصوصا عندما تكون ا ألضرار البیئية كبيرة أو ممتدة على نطاق واسع، فتكون في بعض الأحيان وسائل إعادة الحال إلى ما كانت علیه باهضة ومكلفة ، مما ي رهق كاهل المتسبب في الضرر ويسبب له خسائر مالیة كبيرة أي يكون في وضع ال یؤهله للقيام بإعادة الحال إلى ما كانت عليه كالحكم بإعادة الأراض ي الزراعية إلى حالتها قبل التلوث ومنه تحتاج إلى تكلفة عالية خاصة إذا كانت ا ألرض كبيرة، فهنا القاض ي يكتفي بالحكم على المتسبب في الضرر بالتعویض النقدي، وطبقا للعدالة البد أن ال تزيد تكلفة عملیة إعادة الحال إلى ما كانت علیه عن القيمة الفعلیة للمكان المطلوب إزالة التلوث عنه و إعادته إلى حالته قبل حدوث هذا التلوث، أي ال نكلف المسؤول أعباء ال یقدر عليها ومن شأنها إحداث خسارة فادحة وجسيمة له، وفي نفس الوقت ال یعفى من مسؤوليته عن ا ألضرار التي 1 - أمال بن ق و ، المرجع السابق، ص .121 - 275 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 46#ص-46

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي تسبب فيها، الأمر الذي يستوجب البحث عن طريقة أخرى لتمويل إعادة الحال 1 إلى ما كانت عليه.

2 وقف الأنشطة غير المشروعة

وقف النشاط غير المشروع كصورة من صور التعويض يعتبر وقاية بالنسبة للمستقبل فقط بشأن المصالح المضرورة وليس محوا للضرر الحادث بسبب هذا النشاط، وعلى ذلك فإذا كان الضرر قد وقع بالفعل فوقف النشاط المتسبب فيه ال يعوضه، ولكنه يمكن أن يمنع فقط وقوع أضرار جديدة في المستقبل، فعندما يقوم أحد المصانع مثال بإلقاء مواد ملوثة في مصدر مياه مستعملة فإن هذا المصنع يصبح ملزما بعدم تكرار هذا الفعل الضار مصدر التلوث وال يعد ذلك تعويضا عن الأضرار التي أصابت الأشخاص بل يتم تقديرها بعيدا عن التزامه بوقف الفعل غير المشروع 2 ، كما أن المصنع الذي ينفث الأدخنة الضارة بالبيئة ال يمكن تصور قيامه بإزالة الملوثات التي لوثت الهواء الستحالة ذلك، فال يكون أمام القاض ي إال الحكم بإغالق المصنع بشكل مؤقت ريثما يضع أجهزة ملنع أو تقليل التلوث، وفي حال عدم الوصول إلى هذه النتيجة 3 يأمر القاض ي بإغالق المنشأة بشكل نهائي. وتجدر ا إلشارة أنه ال يعد ضروريا لوقف نشاط مضر بالبيئة أن يتحقق الضرر، وإنما قد يتصاحب هذا الطلب مع طلب التعويض، وفي هذه الحالة 1 أمال بن قو ، المرجع السابق، ص .122 2 سعيد السيد قنديل، المرجع السابق، ص .18 -3محمد رحموني، مرجع سابق، ص .66 - 276 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 47#ص-47

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي للمحكمة أن تقض ي بالطلبين معا، وقف النشاط وتعويض الضرر 1 ، وبالرجوع للنصوص القانونية المنظمة لوقف النشاط الضار بالبيئة في القانون رقم -03

10املتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة ال نجد النص على وقف

النشاط هذا كجزاء مدني إنما نجده إما كتدبير إداري تقوم به السلطات الإدارية، أو كعقوبة جزائية يحكم بها على المسؤول باتخاذ كافة االحتياطات الالزمة التي 2 تستهدف منع وقوع الأضرا ر البيئية ، فالمادة 25 منه نصت على أنه "عندما تنجم عن استغالل منشأة غير واردة في قائمة المنشآت المصنفة أخطاء أو أضرا ر تمس بالمصالح المذكورة في المادة 18 أعاله... يوقف سير المنشأة إلى حين تنفيذ الشروط المفروضة"...، و المادة /85 2 جاء فيها": وزيادة على ذلك، يمكن القاض ي الأمر بتنفيذ الأشغال وأعمال التهيئة على نفقة المحكوم عليه ، وعند الإقتضاء يمكنه الأمر بمنع استعمال المنشآت أو أي عقار أو منقول آخر يكون مصدرا للتلوث الجوي، وذلك حتى إتمام إنجاز الأشغال و الترميمات الالزمة". ويعد وقف النشاط الضار بالبيئة أول الطريق للتعويض، ألنه بموجبه يوقف الضرر وال يستمر في المستقبل، وهو بمثابة الطريقة التي تحد من أثار التلوث البيئي في المستقبل، ألنه إذا لم يشمل الحكم على ذلك فال جدوى منه، ألن الض رر سيتواصل ويمتد ويمكن أن يلحق ضرر أكبر، وتمتد أخطاره على رقعة -1 نور الدين يوسفي ، جبر الضرر البيئي" دراسة تحليلية مقارنة في ظل أحكام القانون المدني والتشريعات البيئية "، أطروحة دكتوراه فرع الحقوق، تخصص القانون الخاص، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، 2011 / 2012، ص .311 2 - محمد رحموني ، المرجع السابق، ص .66 - 277 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 48#ص-48

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي جغرافية أوسع، لذلك فإن وقف النشاط الملوث يعد آلية منطقية وطبيعية وم الئمة أكثر لخصوصية الضرر البيئي 1 .

ثانيا: التعويض النقدي

إن التعويض العيني ال يكون متاح دائما فقد ال يكون هناك محل للحكم به وال يكون أمام القاض ي سوى الحكم بتعويض نقدي، فهذا الأخير يعد تعويضا احتياطيا يلجأ إليه القاض ي عندما يكون التعويض العيني غير ممكن سواء لوجود عقبات فنية تمنع إعادة الحال إلى ما كان عليه أو ألنه يتكلف نفقات باهضة قد تتجاوز قيمتها قيمة الأموال المضرورة قبل حدوث التلوث. 2 والمشرع الجزائري في التقدير المالي للضرر ا إليكولوجي قد حدد قيمة بعض العناصر البيئية من خالل مجموعة من القوانين فعلى سبيل المثال قانون الغابات حدد في المادة 72 منه مبلغ جزافي ب 2000دج عن كل عملية قطع أو قلع لألشجار التي يقل قطرها عن 20 سنتيمتر و ال يتعدى علوها المتر الواحد، و يضاعف المبلغ إلى 4000 دج عندما يتعلق ا ألمر بأشجار ال يزيد عمرها عن خمس سنوات، وفي المادة 93 حدد المشرع بعض المبالغ الجزافية فيما يتعلق بكل

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 49#ص-49

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي تعاقب المادة 94 منه بغرامة تقد ر ب 2000 دج إلى 10000دج لكل من تجاوز العدد المسموح بصيده من الطرائد في اليوم الواحد. والمالحظ أن التقدير الجزافي مرتبط دائما بعقوبة جزائية أي ينجر عن ارتكاب جنحة أو مخالفة جزائية، فنجد أن تلك الغرامات ال يعمل بها إ ال إذا كنا بصدد متابعة جنائية وفي غالب الأحيان تكون عقوبتها سالبة للحرية مما يجعل العقوبة المالية عقوبة مكملة للعقوبة السالبة للحرية، با إلضافة إلى ذلك فإنه وبالرغم من تلك المبالغ الجزافية التي جاءت بها قوانين حماية البيئة على اختالف مجاالتها إ ال أن هناك من يرى أن البعض منها قد حددت سقف التعويض النقدي عن الضرر البيئي 1 ، وهو ما نلمسه من المبادئ التي جاء بها القانون رقم

10-03املتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة، كمبدأ النشاط الوقائي

وتصحيح ا ألضرار با ألولوية عند المصدر، وهذا المبدأ يل زم مستغلي المنشآت المحدثة ل ألضرار باستعمال أحسن التقنيات المتوفرة ولكن بما يتالءم ويتناسب مع قدراتها الإقتصادية، وهو ما يفتح باب ا إلعتذارات واإلعفاء والتهرب من المسؤولية عن ا ألضرار التي تحدثها امل ؤسسة بحجة قصور القدرة الإقتصادية للمؤسسة أو المنشأة الضارة وعدم تمكنها من اعتماد تقنيات ووسائل إنتاج أكثر ضمان لتجنب إحداث الض رر ، فما ي الحظ من خالل هذا التحليل أن تحديد سقف التعويض يراعي ضمنيا المصالح الإقتصادية للمسؤول بالرغم من أن هذا 2 يتعارض مع مقتضيات حماية البيئة. وتجدر الإشارة إلى أن للقاض ي سلطة واسعة في تقدير التعويض النقدي، سواء با إلعتماد على التقييم الذاتي الذي يراه ضرو ريا للعناصر المتضررة أي 1 - وناس يحي، المرجع السابق، ص.286 2 - حكيم شتوي ، بلعبيد نصيرة، المرجع السابق، ص .41 - 279 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 50#ص-50

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي تقدير ثمن كل عنصر، وإما التقدير الجزافي وهو التقدير العام المعتمد عادة في الجزائر. ولإلشارة أيضا فإن مشروع المبادئ التوجيهية بشأن المسؤولية والتعويض عن الضرر البيئي والذي قدمه مجلس إدارة برنامج ا ألمم المتحدة للبيئة قد نص على فوات الكسب والذي اعتبره خسارة اقتصادية خالصة ، تنجر عن ضياع ا إليرادات غير المصحوبة بإصابة شخصية أو ضرر للممتلكات والذي ينشأ مباشرة عن مصلحة اقتصادية في أي استعمال للبيئة ويكون تكبده نتيجة ضرر بيئي، وأنه في إطار التعويض عن فوات الكسب يجب عدم إهمال ما أصاب البيئة من ضرر، والذي يعتبر الضرر ا ألصلي، فما يصيب الشخص من ضرر لفوات الكسب جاء كنتيجة طبيعية ملا أصاب البيئة من ضرر وبذلك يعتبر ضرر غير مباشر، لذا فمن غير المعقول تعويض الضرر غير المباشر وإهمال الضرر المباشر 1 .

الفرع الثاني: سلطة القاض ي في تقدير التعويض عن الضرر البيئي

للقاض ي سلطة في تقدير التعويض عن الضرر البيئي وفق قواعد ووسائل معينة، ورغم ذلك تعترضه صعوبات في ذلك.

أولا: قواعد تقدير الضرر البيئي ووسائله

عند استحالة التعويض العيني عن الضرر البد من تقدير الضرر البيئي ماليا وفق قواعد معينة وبوسائل تساعد في تقييم هذا الضرر.

1 قواعد تقدير الضرر البيئي

ملا كان من غير المعقول بقاء الضرر دون تعويض بسبب عدم إمكانية إصالحه عينيا، ما يفرض معه إيجاد قواعد وحلول لتقدير الضرر الإيكولوجي -1 نفس المرجع، ص .42 - 280 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 51#ص-51

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي ماليا، ونظرا لذلك فقد قدم الفقه عدة طرق لتقدير مالي للضرر الإيكولوجي الخالص، تقوم بعضها على اللجوء إلى الخبرة الفنية وإسقاط نتائج الأبحاث العلمية البيولوجية على التقويم المتعلق بإصالح الضرر البيئي، ومنها ما يقوم على التحليل االقتصادي في تقدير الضرر الإيكولوجي 1 والقاض ي في إطار تقديره للضرر البيئي وبالنظر لصعوبة تحديده من الضروري أن يراعي حالة كل من المتضرر والمسؤول عن الضرر، فالمتضرر يمكن أن يكون قد أصابه ضرر جسيم وغير عادي، وعليه على القاض ي أن يأخذ في الحسبان وهو بصدد تقديره للتعويض الحالة الجسدية والمعنوية والمالية للمتضرر، وهو ملزم إلى جانب ذلك بمراعاة المراحل والتطور الذي يمر به الضرر البيئي حتى وإن حدث هذا التطور بعد صدور الحكم بالتعويض، وهذا باالعتراف بحق المتضرر في إعادة النظر في قيمة التعويض بعد تفاقم الضرر، خصوصا في مجال الأضرار البيئية ألنه إذا كانت القاعدة العامة هي تقدير التعويض وفقا لقيمة الأضرار وقت صدور الحكم النهائي، فإن الضرر البيئي في كثير من الأحيان ال تكتمل آثاره إال في فترات زمنية متالحقة ويحتمل أن يتطور الضرر 2 ، فيمكن لقاض ي الموضوع استنادا إلى نص المادة 131 من القانون المدني 3 أن يحكم للمصاب بالحق في المطالبة خالل مدة معقولة بإعادة النظر من جديد في مبلغ -1 يحي وناس ، المرجع السابق، ص .267 2 - غراف ياسين، مجاالت تعويض الضرر البيئي ودور القاض ي في تقديره، مجلة المنار للبحوث والدراسات القانونية والسياسية، جامعة يحي فارس بالمدية، العدد 3، ديسمبر 2017، ص .151 3 - تنص المادة 131 من القانون المدني على أنه " يقدر القاض ي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المصاب طبقا ألحكام المادتين 182 و182 مكرر مع مراعاة الظروف المالبسة، فإن لم يتيسر له وقت الحكم أن يقدر مدى التعويض بصفة نهائية، فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب خالل مدة معينة بالنظر من جديد في التقدير". - 281 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 52#ص-52

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي التعويض المحكوم به ولكن بشرط أن يكون الضرر مستقبلي 1 ، وهذا يتماش ى في وجهة نظر البعض مع طبيعة الضرر البيئي غير المستقر ما دام أنه يتأثر في ّ تقديره بما يستحدث على الضرر من تطور وتغير في نسبته، باإلضافة إلى ذلك فإنه على القاض ي وهو بصدد تقديره للتعويض أن يراعي وضعية طرفي دعوى المسؤولية وهذا عكس القواعد العامة التي يتفق الفقه على أن القاض ي يراعي الظروف المحيطة بوضعية المتضرر ألنه هو الذي لديه مصلحة في المطالبة القضائية، كما ينظر القاض ي في قيمة التعويض استنادا إلى ما لحق المتضرر من 2 خسارة وما فاته من كسب .

2 وسائل تقدير التعويض عن الضرر البيئي

من الوسائل المقترحة لتقييم الأض رار البيئية المحضة تقييما نقديا: ّ

1.2 التقدير الموحد للضرر البيئي

يتضمن التقدير الموحد للضرر البيئي تقييما يراعي التكاليف المطلوبة إلعادة الحال إلى ما كانت عليه والتي من الصعب تحديدها بشكل دقيق خاصة في حالة الأضرار البيئية المحضة، وبالتالي فإنه يمكن وضع قيمة شبه فعلية باالعتماد على أسعار السوق فأساس هذه النظرية هو تقدير التكلفة المعقولة إلعادة الحال إلى ما كانت عليه للعناصر البيئية المتضررة بالنسبة لبعض العناص ر والحاالت التي لها خصائص قريبة من الحالة محل التقدير، أو إلى حالة 1 - محمد رحموني، المرجع السابق، ص .87 2 - ياسين غراف، المرجع السابق، ص .152 - 282 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 53#ص-53

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي قريبة من التي كانت عليها قبل حدوث الضرر 1 ، ألن الهدف الرئيس ي هو استعادة البيئة لعناصرها المتضررة، ومن أجل تقدير العناصر الطبيعية نقديا يجب معرفة أسعار السوق لبعض العناص ر والحاالت التي لها خصائص قريبة من الحالة المعروضة على القضاء التي أصابها التلوث، ومن أجل ذلك ظهرت العديد من الأساليب منها حساب القيمة السوقية للعنصر الطبيعي، حساب القيمة غير 2 السوقية له، وكذا حساب القيمة المتكافئة للعنصر الطبيعي. إن التقدير الموحد الضرر البيئي يقدم بعض المزايا حيث إنه يسمح بإعطاء تقدير نقدي للعناصر الطبيعية التي ليس لها من حيث الأصل قيم تجارية، وعلى ذلك فهذه الطريقة تعد وسيلة مؤثرة إلعطاء قيمة لهذه العناصر وتجنب فقدها، وباملقابل فقد تعرضت هذه النظرية للنقد حيث أنها لم تأخذ في اعتبارها أن الحالة المعروضة عليها بالنسبة للعناصر الطبيعية يجب أن تقدر في ضوء وظائفها البيئية وهي معطيات ذات طبيعة خاصة جدا يصعب تقديرها 3 نقديا.

2.2التقدير الجزافي للضرر البيئي:

وذلك على أساس إعداد جداول قانونية تحدد قيمة مشتركة للعناصر الطبيعية، ويتم حسابها وفقا ملعطيات علمية يقوم بها متخصصين في المجال -1 فيصل بوخالفة، أنماط ووسائل التعويض عن الضرر البيئي، مجلة القانون العقاري والبيئة، جامعة عبد الحميد ابن باديس مستغانم، المجلد 07، العدد 13، الجزائر، جوان 2019، ص .27 -2 خديجة لحلو، المرجع السابق، ص ص 157، .158 -3 محمد رحموني، المرجع سابق، ص .83 - 283 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 54#ص-54

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي البيئي، وأيا ما كان الأمر فقد ال نصل إلى تعويض مؤكد للمض رور ولذلك يجب البحث عن الوسائل التي تكون أكثر حماية للمضرور. 1 يمكن وصف هذا النظام بأنه نظام عقوبات يهدف إلى معالجة االنتهاكات أو التعديات على البيئة، يعتمد هذا النظام على إحصائيات ودراسات بيئية سابقة تم تنظيمها في جداول محددة، والتي يسترشد بها القاض ي لتقدير التعويض أو العقوبة المناسبة بنا ً ء على حجم الضرر الذي تم التسبب به. 2 وعلى الرغم من ميزة هذا النظام في أنه يمنع حدوث أي ضرر بيئي دون ً تعويض، حيث يتم تقدير كل عنصر بيئي مسبقا في حال تعرضه للتلف أو الأضرار، فإن هذا التقدير دائ ً ما ما ُ يح ّ مل المتسبب في التلوث المسؤولية 3 ، إال أن هذه النظرية لم تسلم من النقد حيث إن هذه الطريقة قد ال تكفل تجديد وتأهيل العنصر الطبيعي المتضرر، فالمستفيد من التعويض يمكن أن يكتفي بقبض مبلغ التعويض دون القيام بأعمال من شأنها تجديد وإحالل العنصر البيئي المصاب، ويرى البعض أن نظام الجداول سيكون غير فعال نظرا لخصوصية كل حالة من حاالت االعتداء على العنصر الطبيعي، حيث إن لكل حالة خصوصية معينة، ويجب لذلك مراعاة كل العوامل التي يكون لها تأثير 4 اقتصادي أو بيئي في تقدير التعويض. -1 سعيد السيد قنديل، المرجع السابق، ص .42 -2 محمد رحموني ، المرجع السابق، ص .83 -3 ابتهال زيد علي، التعويض عن الضرر البيئي، مركز دراسات الكوفة: الدراسات القانونية واإلدارية، المجلد 01، العدد 34، العراق، 2014، ص .199 -4 محمد رحموني، المرجع السابق، ص .85 - 284 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 55#ص-55

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي بناء على ما سبق يمكن القول أن كل من الوسيلتين ال تصلح كأساس منفرد لتقييم الضرر البيئي، ومن ثمة ينبغي تطبيق نظام الجداول بشرط أن يتم إعدادها عن طريق خبراء متخصصين في المجال البيئي، مع توسيع سلطة 1 القاض ي عند تقديره للتعويض حسب كل حالة في ضوء معطياتها المختلفة. وبالنسبة لكيفية تقدير القاض ي للتعويض، فإن االتفاقيات الدولية الخاصة بالمسؤولية المدنية عن الأضرار التي تصيب البيئة من جراء التلوث حددت معايير لتقدير الضرر حيث جاء في االتفاقية الخاصة بالمسؤولية المدنية عن الضرر الناجم عن التلوث النفطي الناتج عن استكشاف واستغالل الموارد البيئية لقاع البحر المبرمة بلندن سنة 1977م، وكذلك االتفاقية الخاصة بالمسؤولية المدنية المتعلقة بالتلوث النفطي المبرمة ببروكسل سنة 1969م بأن ُ القاض ي يدخل في نطاق التعويض التدابير المعقولة التي يتخذها الشخص إزاء الحادث المسبب للضرر والتعويض عن أضرار التلوث التي وقعت فعال، وتكمن أهمية الإجراءات الوقائية أنه في حالة تسرب مواد بترولية من السفينة مثال فإن الإجراءات أو التدابير الوقائية تعد أحد الكشوف الحسابية التي يرتكز عليها القاض ي خصوصا في مجال الضرر البيئي الذي يصيب البيئة البحرية 2 ، وهو ما تم في قضية "توري كانيون" 3 . -1 رضا هداج، التعويض كآلية من آليات جبر الضرر البيئي، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية، جامعة الجزائر، المجلد 55، العدد 04، 2018، ص .185 -2 غراف ياسين، مرجع سابق، ص .156 -3 تتلخص وقائع القضية في غرق ناقلة البترول الضخمة توري كانيون في 18 مارس 1967، في الساحل البريطاني مما نجم عنه خسائر وأضرار قدرت بماليين الفرنكات، فعلى إثر هذه الكارثة ظهرت اتفاقية بروكسل لعام 1969م بشأن المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث بالنفط. - 285 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 56#ص-56

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي ولإلشارة فإن القاض ي حين تقديره للتعويض البد أن يعتمد على مجموع النصوص القانونية التي تضمنت المسؤولية المدنية في مجال التلوث البحري منها ما جاء في القانون رقم 10-03 المتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة ومنها ما جاء في القانون البحري 1 ، فبالرجوع إلى أحكام المادة 58 من القانون رقم

10-03 المتضمن حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة نجد أن المشرع أقر

بمسؤولية مالك السفينة التي تحمل شحنة من المحروقات في حالة ما إذا تسببت في تلوث نتج عن تسرب أو صب محروقات من هذه السفينة، وذلك وفق الشروط والقيود المحددة بموجب الإتفاقية الدولية حول المسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن التلوث بواسطة المحروقات، وبالرجوع إلى أحكام القانون البحري فإن جل أحكامه وردت مطابقة التفاقية بروكسل لسنة 1963 الخاصة بالمسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن التلوث بالمحروقات منها ما جاءت به المواد 117 إلى 149 منه حيث نظم المشرع مسؤولية مالك السفينة عن الأضرار الناجمة عن التلوث البحري الذي تتسبب فيه السفينة، إذ جعل المسؤولية مطلقة ال يمكن إعفاء صاحب السفينة أو مجهزها أو شاحنها منها، وبالتالي فإن تبني المشرع لهذه المبادئ جاء وفقا للقواعد المنصوص عليها في الإتفاقية الدولية -1 قانون رقم 80-76 مؤرخ في 1976-10-23 المتضمن القانون البحري، ج ر عدد 29 لسنة

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 57#ص-57

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي بشأن المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث الزيتي لسنة 1969 وبروتوكول عام 1 1992 المعدل لها .

ثانيا: صعوبة تقدير التعويض عن الضرر البيئي

تبرز صعوبة تقدیر التعویض عن الضرر البیئي في ملكیة هذه البیئة كون أن الضرر البیئي یمس عناصر غير قابلة للتملك، فال أحد یستطیع االدعاء بملكیة الموارد الطبیعیة المكونة للبیئة كالشمس والماء والهواء مثال، كما تبرز ّ مشكلة صعوبة تقدیر الضرر البیئي أیضا بأن عناصر البیئة ال تقوم بالمال، لذلك ال ینفع فيها التعویض سواء بسبب ندرتها أو بسبب قیمتها، فهي تعتبر قيمة ثمينة ونفيسة جدا، مما يوحي باستحالة القول بسهولة التقدير المالي ملا يصاب منها بأضرار، حيث أنه ال يمكن قبول مبلغ مالي مهما كانت قيمته أن يحل محل 2 فصيلة حيوانية انقرضت أو تعرضت للتلف ، كما أن الخاصیة االنتشارية للضرر البیئي وامتداده وشموله ملجاالت واسعة یجعل من نتائجه أحیانا أنها غير معروفة، مما یجعل مسألة التقدیر االقتصادي ألثاره السلبیة على الأوساط الطبیعیة مسألة صعبة إن لم تكن مستحیلة، كون أن الهدف المنشود من الحكم بالتعویض هو إصالح الضرر، لكن بالنسبة للضرر البیئي قد یكون من الصعب تدارك ذلك، كما قد یتعذر في بعض الأحیان تحدید مقدار الضرر وخاصة في الأحوال التي یكون فيها الضرر البیئي غير مرئي، كما في حالة تحدید قیمة الأضرار التي تصیب المصطافين وانصرافهم عن التمتع بالشاطئ بسبب

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 58#ص-58

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي تلوثه بالنفایات أو النفط وغيره، وكذلك حالة تلوث البحيرات وغيرها باألمطار الحامضیة، وهذا ما یجعل القضاء یتردد كثيرا بل یرفض غالبا الحكم 1 بالتعویض. ومما ال شك فيه أن التقدير النقدي لألضرار التي تلحق بالشخص أو بأمواله ال يثير صعوبات إذا ما قارناه بتقدير الضرر البيئي نفسه تقديرا نقديا، ولكن مثل هذه العقبات ال يمكن أن تكون مبررا لرفض التعويض عن الضرر البيئي المحض فهذا النوع من الضرر له طابع خاص يفرض صعوبة تقديره 2 نقدا .

الخاتمة:

ال يختلف الضرر البيئي الذي يصيب الإنسان عن الضرر بوجه عام كونه واجب التعويض إذا ما لحق بالمضرور ضرر ، إال أن الأضرار البيئية قد ال تصيب فقط الأشخاص المجاورين ملصادر التلوث وأموالهم الخاصة وإنما تلحق بعناصر البيئة الطبيعية من ماء وهواء وتربة وكائنات حية نباتية وحيوانية والتي تحيط بمصادر التلوث، وهذه الأضرار بنوعيها يلزم التعويض عنها وتقرير مسؤولية محدثها، فالغاية من المسؤولية هي جبر أضرار التلوث التي لحقت بالمضرو ر والتعويض هو الجزاء المترتب على تحقق مسؤولية الملوث والذي يهدف إلى الرجوع بالمض رور لحالته التي كان عليها قبل حدوث التلوث الذي ألحق به الضرر قدر الإمكان، وذلك بجبر الضرر بالتعويض عنه والعمل على منع حدوث التلوث أو االستمرا ر فيه مستقبال، ومن خالل دراستنا اتضح لنا أن الضرر البيئي ذو -1 محمد حسناوي ، المرجع السابق، ص .430 -2 سعيد السيد قنديل، المرجع سابق، ص .35 - 288 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 59#ص-59

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي طبیعة خاصة یختلف عن الضرر العادي المعوض عنه في إطار الق واعد العامة، فهو ضرر غير مباشر، انتشاري وذو طابع متراخي وهذا ما یجعل التعویض عنه في إطار القواعد العامة للمسؤولیة المدنیة التقلیدیة یثير صعوبات جمة ألن الخصائص التي یتميز بها تجعله من جهة غير متالئم مع شروط الضرر العادي المعوض عنه، ومن جهة أخرى یثير صعوبات في ما یتعلق بأركان المسؤولیة الأخرى من خطأ وعالقة سببیة، حیث یثير الضرر البیئي صعوبات في مسألة إثبات الخطأ ألن المضرور عادة ال تربطه عالقة وال یعلم في غالب الأحیان موطن الخطأ، كما أن طبیعة الأضرار الغير مباشرة وتعدد المسؤولين عن حدوثها تجعل من مسألة إثبات الخطأ أمرا غایة في الصعوبة فیتعذر معرفة الشخص المخطئ، كما تثير خصوصیة الضرر البیئي صعوبات أخرى فیما یتعلق بالعالقة السببية لتداخل الأسباب في إحداث الضرر البيئي بحیث ال یتضح السبب الرئیس ي الذي أدى لحدوث الضرر كما أن الطابع المتراخي للضرر البیئي یجعل من إقامة العالقة السببیة أمرا غایة في الصعوبة. ونظرا للصعوبة التي یثيرها التعویض عن الضرر البیئي في القواعد العامة، أمام عجز نظام المسؤولية التقصيرية القائمة على الخطأ عن تقديم التعويض لضحايا تلوث البيئة بجميع عناصرها ولضحايا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل أو الحرب البيولوجية وذلك بسبب التطور التكنولوجي والتقني الهائل ما جعل من مصلحة العدالة ومصلحة المضرور االعتماد على المسؤولية الموضوعية القائمة على الضرر في ظل عج زه عن إثبات الخطأ وبالتالي عدم استطاعته الحصول على تعويض. والتعويض عن الضرر البيئي إما أن يكون عينا أو نقدا، والمشرع أعطى للقاض ي السلطة التقديرية في تحديد طريقة التعويض تبعا لطبيعة الضرر ، - 289 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 60#ص-60

المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي فهناك أضرا ر يمكن للمضرور أن يطلب إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الضرر وعلى المحكمة في هذه الحالة الحكم بالتعويض العيني، وفي أحيان أخرى يكون إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الضرر أمرا مستحيال وفي هذه الحالة يتم جبر الضرر نقدا وهو ما يسمى التعويض النقدي، والمالحظ أن ثبوت المسؤولية المدنية في مجال التلوث ال يحقق أثرا إيجابيا في حماية المضرورين من التلوث، الذي يعتبر الهدف الرئيس ي للمعاهدات واألنظمة الخاصة الدولية فإذا كان المدعى عليه غير قادر على سداد التعويضات المحكوم بها عليه، فتوفير مثل هذه الحماية أمر غير مضمون في ظل إمكانية تعرض المضرورين إلعسار المسؤول، السيما وأنه من المتصور جدا أن تحدث خسائر وأضرار هائلة نتيجة وقوع كارثة واحدة فقط، وبالتالي يجب من الناحية العملية أن يعلم المضرور ليس فقط بإمكانية إقامة دعواه للحصول على تعويض عما أصابه من أضرار وإنما أيضا أن يكون لديه اليقين من ضمان هذا التعويض إذا حكم لصالحه، لذلك يعد نظام التأمين الإجباري كفيل بحصول المضرور على التعويض وبصرف النظر عن سبب وقوعه، ودون الحاجة إلى رفع دعوى على مسبب الضرر التي قد تستغرق إجراءاتها وقتا طويال. التوصيات: - على المشرع جمع النصوص المتناثرة في التشريعات المختلفة المتعلقة بحماية البيئة في تشريع واحد حتى يسهل الرجوع إليه والعمل به وتفعيله على النحو الذي يحقق الحماية المنشودة للبيئة. - ضرورة وضع أحكام خاصة بالمسؤولیة المدنیة الناشئة عن تلوث البيئة تنسجم مع الطبیعة الخاصة لألضرار البیئیة وبعيدا عن الإحالة إلى القواعد - 290 -