القانون المدني ونظرية الالتزامسنة 2026Revue Académique de la Recherche JuridiqueOpen Access · وصول حر

سياسة التجنيح في التشريع الجزائري: بين تسريع إجراءات المحاكمة وضمانات المتهم

ل
لطالي, مراد
جامعة سطيف 2 محمد لمين دباغينصفحة 87-10618 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

الملخص: سياسة التجنيح التشريعي من الأساليب المستحدثة التي انتهجها المشرع الجزائري، بتحويل العديد من الجنايات لجنح مع الإبقاء تقريبا على نفس مقدار العقوبة السالبة للحرية. وكانت له دوافع من وراء ذلك تتلخص أساس، في تسريع وتبسيط إجراءات سير الدعوى العمومية وتخفيف العبء عن محكمة الجنايات وجانب التكاليف المالية. ورغم الجوانب الإيجابية لهذه السياسة على المتهم، إلا أن مقدار العقوبات المشددة لهذه الجنح كان يستلزم على المشرع تضمينا مجموعة من التعديلات الإجرائية تخص هذه الجنح المغلظة تحقق التوازن بين غاية النظام العام وضمانات المتهم في حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة. الكلمات المفتاحية: سياسة التجنيح، ضمانات المتهم، الجنح المغلظة، إجراءات الدعوى، الشق الاجرائي، الشق الموضوعي. The policy of legislative correctionalisation in Algeria: between speeding up Trial proceedings and safeguarding the guarantees of the accused Abstract: The policy of legislative decriminalisation is one of the new approaches adopted by the Algerian legislature, whereby many felonies have been reclassified as misdemeanours while retaining virtually the same penalties involving deprivation of liberty. The motives behind this policy can be summarised as follows: to speed up and simplify public prosecution procedures, reduce the burden on criminal courts and lower financial costs. Despite the positive aspects of this policy for the accused, the severity of the penalties for these misdemeanours required the legislature to include a set of procedural amendments relating to these serious offences, striking a balance between the objectives of public order and the guarantees of the accused's right to defence and a fair trial. Keywords: Policy of leniency, guarantees for the accused, serious offences, proceedings, procedural aspects, substantive aspects. La politique de La correctionnalisation législative en Algérie : entre l'accélération des procédures judiciaires et garanties pour les accusés Résumé : La politique de La correctionnalisation législative est l'une des nouvelles méthodes adoptées par le législateur algérien, qui consiste à requalifier de nombreux crimes en délits tout en conservant pratiquement le même niveau de peine privative de liberté. Cette mesure était motivée principalement par la volonté d'accélérer et de simplifier les procédures pénales, d'alléger la charge des tribunaux correctionnels et de réduire les coûts financiers. Malgré les aspects positifs de cette politique pour l'accusé, la sévérité des peines encourues pour ces délits a obligé le législateur à inclure une série de modifications procédurales concernant ces délits graves, afin d'assurer l'équilibre entre l'objectif de l'ordre public et les garanties du droit de l'accusé à la défense et à un procès équitable. Mots clés : La politique de La correctionnalisation, garanties de l'accusé, délits aggravées, procédure judiciaire, aspect procédural, aspect objectif.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

لطالي, مراد، "سياسة التجنيح في التشريع الجزائري: بين تسريع إجراءات المحاكمة وضمانات المتهم"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 87-106.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

20 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري: بين تسريع إج ارءات المحاكمة وضمانات المتهم (1) مارد لطالي ، )1( أستاذ محاضر قسم "ب"، جامعة سطيف 2، الج ازئر. البريد الإلكتروني: [email protected] ، )2( محمد مخنفر )2( أستاذ محاضر قسم "أ"، جامعة سطيف 2، الج ازئر. (3) البريد الإلكتروني: [email protected] الملخص: سياسة التجنيح التشريعي من الأساليب المستحدثة التي انتهجها المشرع الج ازئري، بتحويل العديد من الجنايات لجنح مع الإبقاء تقريبا على نفس مقدار العقوبة السالبة للحرية. وكانت له دوافع من وارء ذلك تتلخص أساسا، في تسريع وتبسيط إج ارءات سير الدعوى العمومية وتخفيف العبء عن محكمة الجنايات وجانب التكاليف المالية. ورغم الجوانب الإيجابية لهذه السياسة على المتهم، إال أن مقدار العقوبات المشددة لهذه الجنح كان يستلزم على المشرع تضمين مجموعة من التعديالت الإج ارئية تخص هذه الجنح المغلظة تحقق التوازن بين غاية النظام العام وضمانات المتهم في حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة. الكلمات المفتاحية: سياسة التجنيح، ضمانات المتهم، الجنح المغلظة، إج ارءات الدعوى، الشق الإج ارئي، الشق الموضوعي. تاريخ إرسال المقال: 2222/20/22، تاريخ قبول المقال: 2222/20/22، تاريخ نشر المقال: 2222/22/30 المؤلف المارسل: م ارد لطالي، yahoo.fr@lattalimourad المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

The Policy of Legislative Reclassification of Crimes into Misdemeanours in Algerian Law: Between Accelerating Trial Procedures and Safeguarding the Rights of the Accused Abstract: The policy of legislative reclassification of crimes into misdemeanours is one of the newly adopted approaches by the Algerian legislature, whereby several felonies have been reclassified as misdemeanours while maintaining almost the same level of custodial penalties. The rationale behind this policy lies primarily in accelerating and simplifying criminal prosecution procedures, alleviating the burden on criminal courts, and reducing financial costs. Despite the positive effects of this policy on the accused, the severity of penalties attached to these aggravated misdemeanours required the legislature to introduce a set of procedural amendments relating to these offences, in order to achieve a balance between the requirements of public order and the guarantees of the accused’s right to defence and a fair trial. Keywords: Legislative reclassification, rights of the accused, aggravated misdemeanours, criminal procedure, procedural aspect, substantive aspect. La politique de La correctionnalisation législative en Algérie : entre l'accélération des procédures judiciaires et garanties pour les accusés Résumé : La politique de correctionnalisation législative constitue l’une des méthodes récentes adoptées par le législateur algérien. Elle consiste à requalifier un grand nombre de crimes en délits, tout en maintenant, dans une large mesure, le même niveau de peine privative de liberté. Cette orientation est principalement motivée par la volonté d’accélérer et de simplifier les procédures pénales, d’alléger la charge pesant sur les juridictions répressives et de réduire les coûts financiers liés au traitement des affaires pénales. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

Malgré les avantages que présente cette politique pour l’accusé, notamment en raison de la nature correctionnelle des infractions concernées, la sévérité des peines encourues pour ces délits a conduit le législateur à introduire un ensemble d’aménagements procéduraux spécifiques. Ces modifications visent à assurer un juste équilibre entre les exigences de préservation de l’ordre public et la garantie des droits de la défense, ainsi que du droit de l’accusé à un procès équitable. Mots clés : La politique de la correctionnalisation, garanties de l'accusé, délits aggravées, procédure judiciaire, aspect procédural, aspect objectif. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4
مقدمة

يرى المختصون في التعديالت الأخيرة لقانون العقوبات بشقيه الموضوعي واإلج ارئي، بأن المشرع له توجهات محددة يعمل على تحقيقها منها: تبني نظام العقوبات البديلة للحبس قصيرة المدة، ونهج العدالة التصالحية وخلق "La correctionnalisation législative بدائل للدعوى العمومية، ثم سياسة التجنيح التشريعي" والتي هي موضوع د ارستنا. فحسب آخر تعديل لقانون العقوبات الج ازئري رقم 60-24 سنة 2624 قام المشرع بتح ويل عدد معتبر من الجنايات إلى جنح، وكان هذا استم ار ار لسياسة كان قد بدأها منذ سنة .2660 الأمر هنا يمكن أن يفهم في سيا سعي المشرع لتسريع إج ارءات المتابعة الج ازئية وتخفيف العبء على محكمة

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

العبء على محكمة الجنايات، وهذا هدف مشروع وقانوني من المشرع. لكن ال يجب أن نغفل عن الطرف الأساسي في هذه المعادلة وهو المتهم والضمانات التي يجب أن يتمتع بها، ج ارء هذا التعديل المعتبر في سير دعواه واألحكام القاسية التي قد ينطق بها تجاهه. فتهدف الد ارسة إذن إلعطاء حلول واقت ارحات في هذا السيا حتى يكون هناك توازن بين تحسين وترقية سير المرفق القضائي وضمان حقو المتهم ومركزه القانوني. وألجل تحليل هذه الإشكالية يستنتج المنهج الوصفي والتحليلي المناسب للموضوع. فالمنهج ال وصفي المالئم لتشخيص وعرض سياسة التجنيح التشريعي، من خالل مفهومها ودوافعها وآثارها القانونية على المتهم، وأيضا عرض بعض الأمثلة عن ذلك من النصوص الج ازئية. أما المنهج التحليلي فألجل تحليل هذه السياسة ونقدها من جانب موضوعي وإج ارئي، وأيضا لتحليل والدفاع عن الحلول المقترحة لفك الإشكالية الد ارسية. أما بخصوص الخطة التفصيلية للبحث فتكون على الشكل اآلتي:

المبحث الأول: سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري ودوافعها
المطلب الأول: مفهوم سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري
المطلب الثاني: دوافع سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري
المبحث الثاني: تقييم سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري من جانب المركز القانوني للمتهم
المطلب الأول: اآلثار القانونية لسياسة التجنيح في التشريع الج ازئري على ضمانات المتهم
المطلب الثاني: الحلول المقترحة لتجنب اآلثار السلبية لسياسة التجنيح
خاتمة
المبحث الأول: سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري ودوافعها

نود من خالل هذا المبحث االطالع عن كثب عن مفهوم سياسة التجنيح التشريعي التي استحدثت في قانون العقوبات الج ازئري ومعه النظام الالتيني، حيث يقوم المشرع بتنزيل الجناية لمرتبة الجنحة. وهذا البتغائه تحقيق غايات محددة تتعلق أساسا بالجانب الإج ارئي، ممثلة في تسريع وتقليص مدة سير الدعوى العمومية وخفض الأعباء على الجهات القضائية.

المطلب الأول: مفهوم سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري

نتطر هنا ألساس ظهور فكرة تجنيح الجنايات في قوانين العقوبات والتي ظهرت أولا لدى المشرع الفرنسي. ثم إعطاء تعريف لها وتمييزها عن التجنيح القضائي، وكيف تعامل معها المشرع الج ازئري ضمن قانون العقوبات.

الفرع الأول: فكرة التجنيح في قانون العقوبات

يرجع أساسا التقسيم الثالثي للج ارئم (جنايات، جنح ومخالفات) للذين صاغ وا قانون العقوبات الفرنسي، حيث أ اردوا التمييز بين ثالث أنواع من المجرمين، وبالتالي ثالث أنظمة عقابية وهم: مجرمون ال مجال إلصالحهم، المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

لذلك البد أن تسلط عليهم عقوبات شديدة وطويلة المدة. ومجرمون ذوو خطورة متوسطة، لهم القابلية لإلصالح وإعادة الإدماج، فتطبق عليهم عقوبات متوسطة وقصيرة المدة نسبيا. ومجرمون ذ وو خطورة منخفضة، ويكفي 1 ردعهم بحبس قصير المدة أو غ ارمات . وعلى هذا المنوال سارت معظم الأنظمة العقابية فيما بعد ومنها الج ازئر، حيث ينص قانون العقوبات في المادة 22 منه على أن الج ارئم تنقسم تبعا لخطورتها إلى جنايات وجنح ومخالفات، وتطبق عليها بذلك العقوبات التي أقرتها المادة 5 من نفس القانون 2 . لكن الإشكالية التي طرحت فيما بعد تتعلق باألساس الذي اعتمده هذا التقسيم الثالثي، هل خطورة الجريمة ومالبساتها هي التي تحدد مقدار العقوبة؟ أم العكس مقدار العقوبة هي التي تتحكم في نوع الجريمة ودرجة خطورتها؟ لكن المالحظ من خالل المادة 5 من قانون العقوبات الج ازئري قد انتهج المشرع الطريق الثاني، بحيث مقدار الحد الأدنى واألقصى للعقوبة يحدد نوع الجريمة (جناية، جنحة أو مخالفة). فمثال المخالفات يبدأ الحبس فيها من يوم إلى شهرين، ثم الجنح من شهرين إلى 5 سنوات، ثم الجنايات من 5 إلى 36 سنة، وهذا بغض النظر عن إعمال ظروف التشديد والتخفيف. حيث تبين قصور هذا النهج الذي وقع فيه المشرع الفرنسي سابقا مع م رور 3 الوقت وقد تبعته باقي القوانين في تحديد بدقة فئات المجرمين والج ارئم حسب درجة خطورتها . وأكبر دليل على ذلك تخلي المشرع الج ازئري عن التقيد بهذا النهج شيئا فشيئا، من خالل العديد من التعديالت التي طالت قانون العقوبات وخاصة في مادة الجنح. حيث يظهر جليا عدم تقيده بقاعدة الحد الأقصى وهو 5 سنوات، وصار ينص 4 على عقوبات جنحية وصلت لحد 26 سنة حبس نافذ، وهو ما يدعى ب: )الجنح المغلظة) . بل وأكثر من ذلك لجأ المشرع الج ازئري لحد تحويل العديد من الجنايات إلى وصف جنحة لكن مع الإبقاء على نفس مدة عقوبة الحبس تقريبا. مما يطرح تساؤال حول النهج الذي انتقل إليه المشرع في التصنيف هل خطورة الجريمة هي التي تحدد نوعها جناية أم جنحة؟ أم الأمر يتعلق باعتبار آخر؟ فالجواب بأنه ليس من المنطقي أن تتساوى الجناية والجنحة في مقدار العقوبة، بل هناك إذن دوافع أخرى لهذا التوجه سنوردها في البحث الحقا، وهذا ما يطلق عليه "سياسة التجنيح التشريعي". 1 انظر مثال المواد من قانون العقوبات الج ازئ ري 141 مكرر1، 143،126، 220، 363 مكرر 26، 381 مكرر2، 310، كلها من مرتبة الجنح لكن تصل عقوبتها القصوى لحد 26 سنة حبس.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7
الفرع الثاني: تعريف التجنيح التشريعي ونهج المشرع الجازئري

ويعرف التجنيح التشريعي أو القانوني بأنه تحويل جناية إلى مرتبة جنحة بموجب نص قانوني من قبل المشرع، 5 عن طريق تخفيض العقوبة السالبة للحرية وتغيير طبيعتها من السجن إلى الحبس . فإعماال بمبدأ الشرعية الجنائية للمشرع الصالحية في تغيير وصف الجريمة من جناية إلى جنحة أو العكس حسب الظروف المستجدة وعالجا للقصور الذي يصيب النص القديم. وبالتالي فقد يرى المشرع بأنه سابقا قد أخطأ التقدير في إعطاء وصف جناية لجريمة ما وخصص لها عقوبة مشددة. فيت ارجع عن ذلك بخفضها لرتبة الجنحة، ومنطقيا خفض مقدار عقوبتها، وليس فقط مجرد تغيير المصطلح من سجن إلى حبس كما فعل المشرع الج ازئري. وهنا يختلف التجنيح التشريعي عن التجنيح القضائي الذي هو ليس موضوعنا هنا، والذي نعني به غض الطرف من قبل جهات التحقيق والحكم القضائي عن بعض الظروف التشديد القانونية عمدا، لكي يتم استبعاد مثول المتهم أمام محكمة الجنايات وتحويله لمحكمة الجنح. وبالتالي إعطاء وصف غير مطابق للواقع، حيث يعد ذلك خرقا صريحا للتقسيم الثالثي للج ارئم وتوزيع االختصاص النوعي الذي يعد من النظام العام، ومساسا بمبدأ الشرعية 6 الجنائية . فالسمة البارزة إذن للسياسة العقابية الحديثة للمشرع الج ازئري من خالل التعديالت الأخيرة لقانون العقوبات في شقيه الموضوعي والشكلي يظهر جليا أنه ينتهج ثالث مقاربات أساسية: الأولى هي "العدالة التصالحية " من خالل فتح المجال للصلح بين الأط ارف بدل السير في الدعوى العمومية. والثانية هي "العقوبات البديلة" التي جاءت بدل عقوبة الحبس المؤقت قصير المدة، وذلك عالجا لألزمة التي نتجت عن تطبيقه وفتح المجال أكبر إلصالح وإعادة إدماج المحبوس في المجتمع. والنهج الثالث هو "سياسة التجنيح" حيث أقدم على تحويل العديد من الجنايات إلى جنح، ألجل تسريع إج ارءات المحاكمة وتخفيض العبء على محكمة الجنايات، وبالتالي التخلي شيئا فشيئا على قاعة التقسيم الثالثي المنصوص عليه في المادتين 22 و5 من قانون العقوبات. لكن المالحظ على هذا النهج في تجنيح الجنايات أن المنطق يقول أن يتبعه تخفيض في مقدار العقوبة السالبة للحرية حتى يتوافق مقدار العقوبة مع وصف خطورة الجريمة. إال أن المشرع أبقى على نفس مقدار عقوبة الجناية تقريبا، وهذا فيه نوع من الأنانية إن صح التعبير منه. حيث أعطى االعتبار فقط لتسريع إج ارءات المحاكمة 5 محمد أمين زيان، "التجنيح القضائي واقع يبحث عن شرعية"، مجلة الدارسات القانونية المقارنة، المجلد 65، العدد 62، 2622، ص .1140-1126 6 سعاد حايد، "تجنيح الجنايات في العمل القضائي الج ازئري"، مجلة الدارسات القانونية المقارنة، المجلد 60، العدد 62، سنة 2626، ص .1646-1621 المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

وتخفيف العبء على محكمة الجنايات على حساب اعتبا ارت أخرى، قد يكون لها تأثير سلبي على أرسها المركز القانوني للمتهم والمساس بضماناته في المحاكمة العادلة. من جهة أخرى يجب على المشرع عند انتهاج سياسة التجنيح أن ي ارعي مبدأ "تناسب العقوبة مع درجة الذنب أو الإثم"، فال يعقل أن يعطي وصف جنحة لجريمة ما على أساس أنها تتسم بخطورة متوسطة ونسبية، ثم يأتي في الجهة الأخرى ليرصد لها عقوبات جد مشددة 7 . فاألمر هنا ال يستقيم ويحيد عن هذا المبدأ المهم في القانون الجنائي، الذي يعد بمثابة بوصلة للمشرع عند إعطائه وصف للج ارئم وتحديد مقدار عقوبتها الج ازئية، فتحديد مقدار العقوبة يجب أن يحكمه جسامة الجريمة والذنب المنطوي عليه سلوك المجرم، والذي يحدد رتبة الجريمة ونوعها 8 عمدية وغير عمدية . إلى جانب سياسة التجنيح التي انتهجها المشرع الج ازئري مؤخ ار، نشهد كذلك قيامه بالتشديد في العقوبات لبعض الجنح السابقة، بحيث قام برفع مقدار الحد الأقصى لها ألكثر من 5 سنوات لتصل لحد 16 سنوات و15 وحتى 26 سنة حبس وهذا بدل تحويلها إلى جناية على خالف النهج السابق في التجنيح، وهو ما يطلق عليه ب" الجنح 9 المغلظة". حيث يعكس هذا بص ارحة إ اردة المشرع في الإبقاء عليها بوصف جنحة رغم عقوبتها المرتفعة والمشددة . وبهذا يكون عندنا وسيلتين أو آليتين للتجنيح إن صح التعبير انتهجها المشرع الج ازئري: الأولى تحويل بعض الجنايات إلى جنحة، والثانية تغليط عق وبة بعض الجنح لتصبح في مستوى عقوبة الجناية لكن دون تغيير وصفها إليها.

المطلب الثاني: دوافع سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري

إن انتهاج المشرع الج ازئري لتجنيح بعض الجنايات والذي يشهد وتيرة متصاعدة ضمن التعديالت المتتالية لقانون العقوبات له دوافع متعددة، تركزت في معظمها في الجانب الإج ارئي من خالل التحول من سير الدعوى العمومية وفق الجناية إلى جنحة، وما يصحبه من تسريع وتقليص إج ارءاتها. ثم التصدي لظاهرة التجنيح القضائي التي انتشرت في وسط القضاء الج ازئي ومحاولة تفادي الإحالة على محكمة الجنايات في كل مرة. 7 انظر بعض الجنايات في قانون العقوبات الج ازئري التي حولت لجنح وفيها عدم التناسب بين درجة خطورتها ومقدار العقوبة منها: المادة 126 مجرد إتالف سندات رسمية عمدا من قبل موظف تصل لحد 16 سنوات، المادة 141 مكرر 5 االعتداء على مهني الصحة خالل فترة الحجر الصحي تصل لغاية 15 سنة حبس. 8 عبد الله أوهايبية. شرح قانون العقوبات الج ازئري ، موفم للنشر، الج ازئر، 2615، ص.431 9 انظر مثال المواد المعدلة حديثا وفق قانون العقوبات الجازئري 148، 31، 23، 220، 381 مكرر.2 المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9
الفرع الأول: دافع تسريع إجارءات الدعوى العم ومية

بعدما وقفنا بوضوح على نهج المشرع الج ازئري في تبني سياسة التجنيح من خالل التعديالت الأخي رة لقانون العقوبات، أكيد أن هناك دوافع موضوعية جعلته يتبنى هذا النهج ويتوسع فيها شيئا فشيئا يمكن أن نعرضها فيما يلي: يأتي على أرس هذه الأسباب تسريع إج ارءات المحاكمة الج ازئية وسير الدعوى العمومية بصفة عامة. وقد أشار إلى ذلك ص ارحة وزير العدل السابق رشيد طبي في إحدى جلسات البرلمان، فمن المعلوم أن إج ارءات الدعوى العمومية في حال تكييف القضية من قبل النيابة العامة كجناية يختلف جذريا عن تكييفها كجنحة، من حيث طوال الإج ارءات والم ارحل والجهات المحالة عليها، ومن حيث كذلك تعقيدات محكمة الجنايات مقارنة بنظيرتها محكمة الجنح. ويعد هذا غاية مشروعة من قبل المشرع ألجل خفض العبء عن كاهل المؤسسة القضائية التي تتلقى كما هائال من القضايا في المادة الج ازئية، وفي حال المتابعة وفق إج ارءات الجناية، فاألمر يصبح أكثر طوال وتعقيدا ومكلفا مقارنة بإج ارءات الجنحة. فلجأ المشرع إلى هذه اآللية وهي آلية التجنيح، بحيث أبقى في الغالب 10 على نفس مقدار العقوبة المشددة للجناية، لكن تتم مقاضاة المتهم أمام محكمة الجنح . هذه الأخيرة التي تتسم الإج ارءات أمامها بالبساطة والسرعة، بحيث مجرد ما يتم توجيه االتهام من قبل النيابة العامة للمتهم يمكنها إحالته مباشرة على جلسة المحاكمة بتشكيلة فردية يقضي فيها قاض الجنح على المتهم وينتهي الأمر. بل حتى في حالة إحالة القضية الجنحية على قاضي التحقيق، ولم يعد تكييفها لجناية فيأمر بعدها بإحالة المتهم على محكمة الجنح مباشرة. أيضا مما ال شك فيه أن سياسة التجنيح تخفض نسبة التكاليف واألعباء المالية القضائية بصورة واضحة، ويدخل هذا في باب ترشيد النفقات العمومية، فمن المعلوم أن المتابعة الج ازئية وفق إج ارءات الجناية تستهلك أمواال معتبرة على غ ارر التعويضات للقضاة المساعدين وعالوات للمحلفين والخب ارء القضائيين. إضافة لمصاريف الإطعام 11 والنقل واإليواء، وغيرها من المصاريف التي قد نستغني عنها في حال كانت المتابعة وفق إج ارءات الجنح . 10 من أهم الفرو مثال أن التحقيق القضائي وجوبي في مادة الجنايات وما يستغرقه من جهد ووقت ومعه التحقيق االجتماعي والخبرة العقلية، ثم غرفة االتهام والتحقيق على درجة ثانية، ثم ق ارر الإحالة واالستجواب القبلي للمتهم قبل المحاكمة، ثم الدوارت الجنائية عبر السنة وأخيار إجارءات محكمة الجنايات. 11 سعاد حايد، المرجع السابق، ص .1631 المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10
الفرع الثاني: دافع مواجهة سياسة التجنيح القضائي وخفض العبء عن محكمة الجنايات

من بين دوافع سياسية التجنيح التشريعي االستجابة لممارسة الجهات القضائية في الفترة السابقة لسياسة التجنيح القضائي دون أسس قانونية، بل وحتى المساس بمبدأ الشرعية الجنائية والتعدي على اختصاصات السلطة التشريعية. فهذا واقع ال يمكن إنكاره كان يمارس فعليا ولقي قبوال لدى قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق ومعهم قضاة الموضوع، في االلتقاء في نقطة تسريع إج ارءات المحاكمة وتخفيف العبء على محكمة الجنايات. فتدخل المشرع إذن عبر سياسة التجنيح جاء ليرفع الحرج عن هذه الممارسات ويضفي عليها الشرعية، وكأنه يعد استجابة 12 ضمنية للممارسات هذه الجهات القضائية . فهنا نلمس نوع من الواقعية من قبل المشرع في التعاطي مع ممارسات ميدانية لقضاة يعدون مختصين في هذا المجال، بل وحتى من الباحثين والفقهاء من اقترح حلوال لظاهرة التجنيح 13 القضائي كواقع يحتاج إلى شرعية عبر اللجوء إلى التجنيح التشريعي أو القانوني، لنخرج بذلك من هذا الحرج . وهذا الأمر مرتبط مباشرة بمحكمة الجنايات ومكانتها وقداستها، فهي وجدت في الأصل لنوع معين من الج ارئم والمجرمين، ومهمتها الأساسية بالدرجة الأولى التصدي للج ارئم الخطيرة التي تزعزع استق ارر وأمن المجتمع. وتحاكم صنفا محددا من المجرمين الأشد خطورة ومعتادي الج ارئم ألجل ردعهم وتسلط العقوبات الشديدة عليهم. في المقابل لو نستمر في العرض عليها بعض الج ارئم ذات النتيجة البسيطة أو التي ال تتسم وقائعها بتلك الخطورة الشديدة، فإننا نقلل من هيبة هذه المحكمة ويصبح حالها حال محكمة الجنح تقدم صورة بسيطة لردع الج ارئم الخطيرة. فواقعيا وعمليا هناك بعض الجنايات التي تعرض على المحكمة ال تكون بتلك الخطورة التي تستحق ذلك، ومثال ذلك في قانون العقوبات الج ازئري سرقة الأشياء البسيطة مع توفر ظ روف التشديد والتي كانت تعد جناية سابقا، أو الموظف الذي يمس بالحرية الشخصية للفرد أو بحقو المواطن (المادة 162)، أو من يقوم بالحصول على مستند أو الت ازم من موظف بواسطة الإك اره المادي (المادة 326)، فهذه وغيرها من الج ارئم التي كانت تعد في القانون القديم جناية يتم النظر فيها على مستوى محكمة الجنايات، في الوقت الذي يمكن أن تتصدى 14 لها محكمة الجنح بكل اقتدار ومسؤولية . وهذا الأمر له عالقة مباشرة بتخفيف العبء على محكمة الجنايات في حال انتهاج سياسة التجنيح، لما تعانيه من اكتظاظ وتكدس للقضايا لدوارت جنائية متتالية. مما ينعكس سلبا حتى على المتهم الذي في الغالب يكون 12 من أشهر الأمثلة في هذا السيا المادة 353 من قانون العقوبات الج ازئري التي كانت سابقا توصف جناية السرقة الموصوفة، وهي السرقة التي تتوفر على أكثر من ظرفي تشديد، وفي حال أبقينا على ظرف واحد فقط تصبح جنحة. 13 محمد أمين زيان، المرجع السابق، ص .1140-1126 14 من حق المشرع الذي نص في وقت من أوقات على فعل بأنه جناية، تبين له مع مرور الوقت بأنه ال يستحق هذا الوصف، فيتدخل إلعطاء الوصف المطابق للواقع وهو جنحة. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

محبوسا مؤقتا لفت ارت زمنية طويلة في انتظار الفصل في قضيته. في الجهة المقابلة هذا التخفيف قد يفسح المجال لمحكمة الجنايات للتفرغ أكثر للقضايا الإج ارمية الأكثر خطورة بدقة أكبر وتفصيل يخدم مصلحة تحسين أداء 15 المرفق القضائي . فبقدر خطورة وتعقيدات القضية ومقدار العقوبة الشديدة التي قد تنتظر المتهم، نحتاج في المقابل من قضاة محكمة الجنايات التريث أكثر والدقة وإعطاء الوقت الالزم للفصل في مثل هذه القضايا. إذن في الأخير نقول بأن المشرع الج ازئري وفق السياسة الحديثة اتجه بصورة واضحة نحو مقاربة التجنيح وتحويل العديد من الجنايات، لكن مع الإبقاء تقريبا على نفس مقدار العقوبات السالبة للحرية، وله دوافع في ذلك تصب كلها تقريبا في اتجاه تسريع وتبسيط إج ارءات الدعوى العمومية، وتخفيف العبء عن محكمة الجنايات، لكن في المقابل لهذه السياسة انعكاسات قد تكون سلبية على ضمانات المتهم في محاكمة عادلة، بحيث يظهر عدم م ارعاته لهذا الجانب على حساب التركيز على تحسين مجريات المحاكمة، وهذا ما نود معرفته من خالل المحور الثاني.

المبحث الثاني: تقييم سياسة التجنيح في التشريع الج ازئري من جانب المركز القانوني

للمتهم من خالل هذا المبحث سنتعرض لآلثار التي نتجت عن تجسيد سياسة التجنيح التشريعي على المعني الأول باألمر وهو المتهم، ومدى تأثيرها الإيجابي والسلبي على مركزه القانوني. واألهم هنا أيضا محاولة إعطاء حلول تشريعية تتعلق بالشق الإج ارئي لقانون العقوبات ألجل تجاوز الجوانب السلبية لهذه السياسة على المتهم، وتجنب المساس بضماناته في محاكمة عادلة.

المطلب الأول: اآلثار القانونية لسياسة التجنيح في التشريع الج ازئري على ضمانات المتهم

لقد أرينا في المحور السابق من خالل إب ارز سياسة التجنيح أنها تصب جلها في تسريع إج ارءات المحاكمة وتخفيف العبء على محكمة الجنايات. لكن ما هو محل المتهم كطرف رئيسي في الدعوى العمومية من هذه السياسة؟ ثم ما هي تأثي ارتها سواء الإيجابية أو السلبية على مركزه القانوني، ومدى مساسها بضماناته في محاكمة عادلة؟ 15 فالجريمة الحديثة ومنها الجناية أصبحت تتسم أكثر بالتعقيد والتشابك واستخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة وسمتها غير الحدودية، كلها عوامل تستدعي التركيز أكثر والتفرع من قبل هيئة محكمة الجنايات للفصل فيها بموضوعية. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12
الفرع الأول: اآلثار الإيجابية لسياسة التجنيح في التشريع الجازئري على ضمانات المتهم

إذا جئنا لآلثار الإيجابية لسياسة التجنيح بالنسبة للمتهم، فتبدو ظاهريا تحقق العديد من الإيجابيات بالنسبة لمركزه القانوني منها: الفصل في أسرع وقت في ملف قضيته حينما تكيف جنحة، وخاصة إذا قررت النيابة العامة إحالته مباشرة على محكمة الجنح دون اللجوء إلى التحقيق القضائي 16 . وهذا أمر يساعد أي متهم حتى ال يبقى معلقا وفي حالة نفسية واجتماعية مرتبكة، يسودها التوجس والتخوف من المصير الذي ينتظره. فال يختلف اثنان على أن الدعوى العمومية في مادة الجنايات تطول مدتها نسبيا قد تصل لسنوات بسبب طول وتعقيد إج ارءاتها وتعدد م ارحلها (ضبطية قضائية ثم نيابة عامة ثم قاضي التحقيق ثم غرفة االتهام ثم محكمة الجنايات). ضف إلى ذلك فانعقاد جلسات محكمة الجنايات يكون في شكل دوارت جنائية خالل السنة، على خالف محكمة الجنح التي تنعقد أسبوعيا. الأمر الإيجابي الثاني بالنسبة للمتهم والذي يرتبط بسابقه هو تفادي طول مدة الحبس المؤقت وعيوبه، لما له من أثر على قرينة الب ارءة. فقد جرى العرف القضائي على أن قاضي التحقيق في الغالب حين يكيف القضية على أساس جناية أن يأمر بإيداع المتهم الحبس المؤقت، على خالف الجنحة التي فيها مجال كبير إلبقائه ح ار وهو يحاكم. فرغم أن مدة الحبس القانوني هي 4 أشهر لكن أعطيت صالحية لقاضي التحقيق ومعه غرفة االتهام لتمديد هذه المدة في كل مرة لحد أقصى قد يصل لغاية 30 شه ار. وهذه مدة طويلة ومعتبرة لها آثارها السلبية وانعكاساتها على نفسية وحياة المتهم. في حين تكييف القضية على أساس جنحة ال يجعل الأمر يطول كثي ار، ألن محكمة الجنح تعطى الأولوية للفصل المبكر في القضايا التي يكون فيها المتهم محبوسا. من إيجابيات سياسة التجنيح أيضا قصر مدة التقادم، فكلما كانت مدة التقادم قصيرة كلما قلصت من عمر الدعوى العمومية ورفعت نسبة انقضائها. ومعروف حسب قانون الإج ارءات الج ازئية الحالي 17 قد رفع مدة تقادم الجنايات إلى 15 سنة، بينما في الجنح تكون 5 سنوات فقط وقد تصل إلى 16 سنوات بالنسبة للجنح التي تتعدى عقوبتها 5 سنوات حبس. وهنا ال نتحدث عن التقادم منذ وقوع الجريمة ألننا نفترض بأننا نتحدث عن تكييف قانوني يكون أثناء سير الدعوى، وبالتالي فالذي يهمنا هو في حالة توقف سير الدعوى العمومية أو إج ارءاتها فيبدأ حساب مدة التقادم من آخر إج ارء تم اتخاذه في حق المتهم. نفس الأمر يقال عن حساب مدة رد االعتبار التي يختلف مقدارها بين الجناية 5 سنوات والجنحة 3 سنوات. لهذا فاألفضل بالنسبة للمتهم أن يحكم عليه في الأخير بجنحة على أن يحكم عليه بجناية، فيجد نفسه مضط ار

16 المرجع نفسه

17 قانون رقم 14-25 مؤرخ في 3 أوت 2625، يتضمن قانون الإج ارءات الج ازئية، ج ر عدد .54 المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

االنتظار 5 سنوات حتى يمكنه تقديم طلب رد االعتبار القضائي، وهذا الأمر يصعب كثي ار من إدماجه في المجتمع وقد يطيل مدة عزلته بسبب الحكم الجنائي. لذا فسياسة التجنيح التي حولت محاكمة المتهم من جناية إلى جنحة قد ترفع من احتمال انقضاء دعواه بسبب قصر مدة التقادم. وتقلص مدة إمكانية حصوله على رد االعتبار من 5 إلى 3 سنوات. الشيء الإيجابي اآلخر في سياسة التجنيح التشريعي بالنسبة للمتهم هي إمكانية تجنبه لبعض العقوبات التكميلية التي يفرضها القانون على القاضي الحكم في حالة الجناية، وال يفرضها عليه في حالة الجنحة 18 . فهذه العقوبات التكميلية التي تستمر مع المحكوم عليه بعد انقضاء العقوبة كلها تعد معيقات في طريق اندماجه بسرعة في المجتمع على خالف المحكوم عليه بجنحة. على العموم هناك العديد من النقاط الإيجابية التي تسجل على سياسة التجنيح والتي تعود بالفائدة على المتهم وعلى مركزه القانوني، مما يجعله يستفيد منها ويجد نفسه أفضل حال من المتابعة وفق جناية. يشار هنا فقط إلى عدم إمكانية إعمال العقوبات البديلة مثل العمل للنفع العام والم ارقبة الإلكترونية التي تشترط أال تزيد مدة العقوبة الأصلية عن 5 سنوات. بينما أغلبية الساحق من الجنايات المجنحة تزيد عقوبتها عن 5 سنوات.

الفرع الثاني: اآلثار السلبية لسياسة التجنيح في التشريع الجازئري على ضمانات المتهم

إذن رغم اآلثار الإيجابية التي ذكرت حول سياسة التجنيح بالنسبة للمتهم، إال أنه في الجهة المقابلة فتطبيق هذا الشكل المنفرد والذي تم فقط على مستوى الشق الموضوعي لقانون العقوبات، كان يستلزم مجا ارته أيضا بإدخال تعديالت على قانون الإج ارءات الج ازئية، حتى يفي بالغرض وال يتحول إلى وسيلة قانونية النتهاك حقو المتهم ومركزه بسبب اآلثار السلبية لهذه السياسة عليه والتي يمكن أن نذكر منها: الأمر الذي ربما لم ينتبه له المشرع هو تحويل جنايات إلى جنح مع إبقاء تقريبا على نفس مقدار عقوبة الجناية، والتي كما قلنا سابقا في بعض الجنح تصل إلى 26 سنة حبس، ففي مقابل هذه العقوبة المغلظة والمشددة التي تنتظر المتهم نجده يتابع وفق إج ارءات الدعوى العمومية للجنح التي تتسم بالسرعة وعدم التدقيق والتمحيص في الأدلة من قبل النيابة العامة. ثم إج ارءات محكمة الجنح التي تدار من قبل قاضي واحد أقل خبرة وحنكة من قضاة محكمة الجنايات، لينطق في الأخير بعقوبة شديدة دون أن يتمتع المتهم بالضمانات الالزمة التي تكون في حجم هذه العقوبة. حتى في ضمير الجهات القضائية سواء النيابة العامة أو قضاة الموضوع فهم يتعاملون مع 18 انظر مثال المادة 1 مكرر من قانون العقوبات الج ازئري التي تنص على وجوب الحكم بالحرمان من حق أو أكثر لمدة أقصاها 16 سنوات بالنسبة للعقوبات التكميلية، ووجوب الحكم بالحجز المالي، المادة 06 مكرر وجوب أال تقل الفترة الأمنية عن ثلث 3/1 مدة العقوبة. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

ج ارئم أقل خطورة وليست لها تلك الأهمية كالجناية، لذا فيمكن أن يأخذ الأمر على أنه مجرد جنحة فقط، في حين أن عقوبتها قد تصل لغاية 26 سنة حبس نافذ (أكثر مقدار من العديد من الجنايات). فالفر شاسع وواضح في سير الدعوى العمومية بين إج ارءات الجناية والجنحة، فالمالحظ لها يلمس مباشرة غاية المشرع في طول وتعدد إج ارءات الجناية ليس اعتبا ار فقط لخطورة الجريمة والمجرم، وإنما أيضا لعقوبتها الج ازئية المشددة التي تستدعي من القانون الجنائي التبصر أكثر والتدقيق ومنح ضمانات واسعة للمتهم ألجل ممارسة حقه في الدفاع، حتى نصل في الأخير إلى إصدار حكم قاسي في حقه، لكن بناء على تحقيق معمق وأدلة ثابتة في حق المتهم. لذا فمن يتابع على أساس جناية من الجانب الإج ارئي له العديد من الضمانات ال نكاد نجدها في المتابعة على أساس جنحة، يمكن أن نشير إليها بعجالة: كالتحقيق القضائي وجوبي في مادة الجنايات وجوازي في الجنح، ويستخدم فيه صالحيات واسعة أعطيت لقاضي التحقيق على حساب وكيل الجمهورية ألجل التدقيق والتمحيص في الأدلة. إضافة إلى مثول المتهم أمام التحقيق يعد ضمانة له لما يتميز به من حيادية واستقاللية عن قضاة 19 الموضوع وقضاة النيابة، بل ويمكن حتى طلب رده . إضافة إلى أن التحقيق على درجة ثانية وجوبي في مادة الجنايات وجوازي في الجنح من قبل غرفة االتهام، التي يمكن أن تطلب إج ارء تحقيق تكميلي أو إضافي، وكلها تهدف للتدقيق أكثر في ملف المتهم والتأكد من ارتكابه للجريمة من عدمها. وإج ارءاتها تتسم بالعالنية والوجاهية ولها تشكيلة جماعية من قضاة ذوي خبرة. من بين الإج ارءات أيضا المتبعة في الجنايات وجوب إج ارء التحقيق االجتماعي والخبرة العقلية للمتهم قبل إحالة ملفه على المحاكمة. وهذا له أهمية بالغة في إب ارز الظروف الشخصية واالجتماعية المحيطة بالجريمة، فيتم إعمال ظروف التخفيف والتشديد بناء على معطيات ملموسة قد تكون في صالح المتهم. على خالف الجنح التي يستخدم فيها القاضي سلطته التقديرية في إعمال هذه الظروف والتي قد تجانب الصواب، ألن االستخدام غير المتبصر لظروف التشديد من قبل قاضي الجنح باالعتماد على سلطته التقديرية قد تؤدي إلى تسليط عقوبات جد قاسية على المتهم كما قلنا تصل لحد 26 سنة حبس. الأثر السلبي اآلخر لسياسة التجنيح يظهر في الفر الواسع بين محكمة الجنايات وتشكيلتها التي تهدف في الأساس للوصول إلى النطق بحكم في حق المتهم يكون مبنيا على أسس متينة، جرى التحقق منها خالل مجريات 19 هناك العديد من الضمانات للمتهم خالل مرحلة التحقيق القضائي منها: حقه في التمثيل بمحا م وله حق االطالع والحصول على ملفات التحقيق، أو أمر قابل للطعن أمام غرفة االتهام، له الحق في الصمت خالل االستجواب الأول، عليه تسبيب أوامره ويخضع لرقابة غرفة االتهام. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

المحاكمة سواء باإلدانة أو الب ارءة. واألكيد أن كافة هذه الإج ارءات التي ال نجدها في محكمة الجنح تصب في خانة الضمانات الممنوحة للمتهم، بدء بضرورة استجوابه من قبل رئيس المحكمة، مروار بوجوب تمثيله بمحام وإال يندب له رئيس المحكمة محاميا، ثم المناقشة والمداولة التي تكون بناء على مجموعة من الأسئلة المكتوبة والمحالة من غرفة االتهام المتعلقة بالوقائع، وضرورة البت فيها وإد ارجها في منطو الحكم، بحيث تتعرض لرقابة الجهة الأعلى، وأيضا طريقة اتخاذ الق ارر الذي يكون بالمداولة السرية وباألغلبية بين قضاة الشعبيين والمحترفين. كما تعد محكمة الجنايات محكمة اقتناع وتحكم بما يجري داخل قاعة المحاكمة. ضف إلى كل هذا التشكيلة الجماعية لمحكمة الجنايات التي ي أرسها قاضي برتبة مستشار له خبرة 15 سنة في القضاء على خالف محكمة الجنح بتشكيلة فردية من قاض واحد يشترط فيه خبرة أكبر من باقي زمالئه في المحكمة. وهنا نشير إلى أن الخبرة في إدارة جلسات المحاكمة الج ازئية لها أهمية كبيرة في ضمان صدور حكم متبصر ودقيق. الأمر اآلخر الذي له انعكاس سلبي واضح على ضمانات المتهم يظهر جليا في إج ارءات المثول الفوري بموجب قانون الإج ارءات الج ازئية الذي يستبعد إعماله على الجنايات ووجوب إحالتها على تحقيق قضائي، على خالف الجنح التي يطبق عليها هذا االج ارء. فاإلشكالية التي جاءت بها سياسة التجنيح هي الجنح مغلظة العقوبة، لكن رغم ذلك يمكن أن يجد المتهم نفسه متابعا وفق إج ارءات المثول الفوري التي تتسم بالسرعة القصوى وعدم فسح المجال أمام المتهم لتحضير نفسه ودفاعه لما ينتظره في المقابل من عقوبات قاسية. وبالفعل فالممارسة العملية لهذا الإج ارء سب ب استهجانا كبي ار من ال أري العام وعدم الرضا والمفاجأة الصادمة للمتهم الذي في لحظات وجد نفسه مدانا بعقوبة 16 سنوات وأكثر حبس لجنحة مغلظة أو حولت من جناية إلى 20 جنحة، وكأنه في ق اررة نفسه يقول يا ليتها أبقي عليها جناية واستفدت من إج ارءاتها بدل هذه السرعة . فاإلشكالية هنا لما كنا أمام جنح عادية بعقوبات قصوى قصيرة كان الأمر يستساغ ويفهم في سيا ثبات الأدلة تجاه المتهم وال حاجة لطول الإج ارءات. لكن في ظل سياسة التجنيح البد من إعادة النظر في الجنح المغلظة والتي البد من إخ ارجها من دائرة المثول الفوري وضرورة إحالتها على التحقيق القضائي، ألن المنطق والعدالة يقتضي ذلك. إذن نكون قد وقفنا على العديد من اآلثار السلبية لسياسة التجنيح على المتهم وكلها تقريبا في الجانب الإج ارئي، فمع تغليظ عقوبات هذه الجنح وهو استثناء عن الأصل، لم يقابله تعديل في قانون الإج ارءات الج ازئية بما يحفظ حقو المتهم في الدفاع والمحاكمة العادلة. خاصة وأننا نتحدث عن حق دستوري البد للقوانين أن تكفله بكافة 20 من أبرز الأمثلة في هذا إج ارءات المثول الفوري الذي طبق على جنحة المضاربة غير المشروعة لبعض التجار وتم الحكم عليه بعقوبات تصل إلى 16 سنوات حبس نافذ. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

الطر ، ففي ظل مقدار العقوبات القصوى للجنايات المجنحة أصبح ل ازما على المشرع التدخل إلحداث تغيي ارت في الجانب الإج ارئي بما يحفظ ويضمن أكثر حق المتهم في الدفاع والمحاكمة العادلة.

المطلب الثاني: الحلول المقترحة لتجنب اآلثار السلبية لسياسة التجنيح

إذن وقفنا على مجموعة من اآلثار السلبية لسياسة التجنيح التي لها عالقة بالمساس بضمانات المتهم في محاكمة عادلة. فالمشكلة إذن ليست في تحويل الجناية إلى جنحة من قبل المشرع والسعي لتبسيط وتسريع إج ارءات المحاكمة، وإنما في مقدار العقوبة المشددة لهذه الجنايات المجنحة والتي تنتظر المتهم، في مقابل سرعة وعدم توفر ضمانات بمستوى هذه العقوبات المشددة والتي ال تحوزها إج ارءات المتابعة وفق جنحة كما هي حاليا. لذلك فاألمر يستلزم حتما إحداث تغيي ارت في الجانب الإج ارئي لهذه الج ارئم حتى يتناسب معها، وفي نفس الوقت يضمن إلى حد ما حقو المتهم في محاكمة عادلة، وال نكتفي فقط بإحداث تجنيح في الجانب الموضوعي.

الفرع الأول: الحلول المقترحة لتجنب اآلثار السلبية لسياسة التجنيح المرتبطة بالجانب الإجارئي

وهنا البد أولا من تحديد الجنح المغلظة التي نتحدث عنها، والتي نريد أن نعطيها استثناءات في الإج ارءات الج ازئية على خالف الجنح العادية. وإن كان هذا الأمر يعود في الأخير للمشرع فإنه يمكن اقت ارح بناء على المادة

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

22 صالحية ابطال إج ارء معين لقاضي التحقيق . وقد يقول قائل بأننا رجعنا إلى المربع الأول وأرجعنا طول تعقيدات الإج ارءات التي نريد تفاديها من خالل سياسة التجنيح. لكن نقول أن قاضي التحقيق في الغالب سيتعامل معها على أساس جنحة وسيصدر أمره في آخر التحقيق إما بأال وجه للمتابعة أو إحالته على محكمة الجنح مباشرة دون المرور على غرفة االتهام ومحكمة الجنايات. فمن شأن مرحلة التحقيق القضائي أن تمحص أدلة الإدانة التي جاءت بها النيابة العامة وغربلتها واإلبقاء على القوية منها. ومن جهة أخرى فسح المجال للمتهم بعرض أدلة النفي عبر االستجواب والتحقق منها للخروج في الأخير بصورة قريبة للحقيقة والواقع، ومن ثم يكون الحكم القضائي في حالة الإدانة رغم شدة عقوبته قد بني على أدلة قوية تدين المتهم، وقد تحقق له الرضا أكثر من طريق االستدعاء المباشر أمام محكمة الجنح. مقترح آخر يمكن إد ارجه للخروج من هذه الإشكالية هي الخبرة التي يجب أن تكون لدى قاضي الجنح الذي سينظر في مثل هذه الجنح المغلظة، فحسب المادة 481 من قانون الإج ارءات الج ازئية يشترط فقط فيمن يجلس للقضاء في محكمة الجنح أن تتوفر فيه الأقدمية والخبرة في المجال الج ازئي في تلك المحكمة، ونظن أن هذا الشرط غير كاف بالنظر لمقدار العقوبة المشددة التي سينطق بها. بحيث يمكن أال تتوفر العديد من المحاكم على من يتمتعون باألقدمية والخبرة الالزمة، خاصة في ظل العجز الذي يعاني منه القضاء في الطاقم البشري، لذلك فال يكفي اشت ارط الخبرة واألقدمية من بين قضاة المحكمة فقط، وإنما يستحسن أن تشترط الرتبة أفضل حتى يخرج من هذا الإشكال، كما هو معمول في محكمة الجنايات (رئيس الجلسة من رتبة مستشار)، ولما ال العودة إلى نظام التشكيلة الجماعية للمحكمة الجنح بثالث قضاة كما كان معموال به وفق قانون 63-82 23 ، فهذا أمر صعب التحقيق في الواقع العملي، لكن يمكن العمل عليه على المستوى المتوسط والبعيد، حتى نضمن مثول المتهم في مثل هذه الجنح أمام قضاة من ذوي الرتب العالية التي تمكنهم من إدارة الجلسات والنطق بأحكام أكثر احت ارفية وخبرة.

الفرع الثاني: الحلول المقترحة لتجنب اآلثار السلبية لسياسة التجنيح المرتبطة بضمانات المتهم

من بين الحلول التي يمكن اقت ارحها هنا إعطاء مكنة للمتهم في الموافقة على تجنيح الجناية من عدمها، وذلك بأن يجيز وكيل الجمهورية للمتهم بعد أن يكيف له القضية بإحدى هذه الجنح بالسير فيها وفق إج ارءات جنحة أم 24 جناية . وهذا الأمر تم استخدامه من قبل المشرع خاصة مؤخ ار في العديد من حاالت (االعتداد بال أري الصريح 22 المرجع نفسه، ص .234 23 محمد حزيط. الوجيز في قانون الإج ارءات الج ازئية الجازئري ، دار بلقيس، الج ازئر، 2625، ص .482 24 بطبيعة الحال يجب أن يعدل النص القانوني في العقوبات بالنسبة للجنايات الم ارد تجنبها بإضافة عبارة "يعرض وكيل الجمهورية على المتهم الخيار في السير في الدعوى وفق جناية أو جنحة". المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

للمتهم)، ومن أمثلة ذلك إج ارءات الوساطة الج ازئية وفي الحكم بالعقوبات البديلة العمل للنفع العام والم ارقبة الإلكترونية، وإج ارءات االعت ارف بالذنب، وكلها إج ارءات تشترط الموافقة الصريحة للمتهم قبل إعمالها، فلما ال نطبق هذا الإج ارء في هذا السيا ونسمح للمتهم بإ اردته وبواسطة موكله طبعا من تحديد المسار الذي يرغب في سلوكه من الأول. فمادام أن مقدار العقوبة هو تقريبا نفسه ما بين الجناية وبعد تجنيحها وهو ما يهم المتهم في المقام الأول، فنمكنه من اختيار طريق إج ارءات المتابعة سواء وفق جنحة أو جناية، وهنا قد يختار الذهاب إلج ارءات الجناية حيث يرى فيها ضمانات أكبر له رغم طولها وتعقيداتها. وبالتالي نحقق هنا نوعا من الرضا الداخلي للمتهم باختياره هو، وليس بفرضه من جانب واحد، حيث كان الهدف الأساسي هو تسريع إج ارءات المحاكمة وتبسيطها دون الأخذ بعين االعتبار لضمانات المتهم وإ اردته في ذلك. المقترح اآلخر الذي ندرجه هنا هو إل ازمية إرفا ملف الدعوى للمتهم بعد االنتهاء من مرحلة التحقيق القضائي بتقرير التحقيق االجتماعي والخبرة العقلية. هذا الإج ارء الذي يعد إل ازميا في مادة الجنايات، يمكن أن نجعله أيضا إل ازميا في الجنح المغلظة والجنايات التي تم تجنيحها، لما له من فائدة في إب ارز الجوانب الشخصية واالجتماعية للمتهم المصاحبة له وقت ارتكاب الوقائع. فقاضي الجنح في مثل هذه الجنح لديه مجال كبير بين الحد الأدنى واألقصى للعقوبة الذي كما قلنا قد يصل لحد 26 سنة حبس، وليس كما هو الحال في الجنح العادية ولكي يتعامل إذن القاضي مع هذا المجال بأكثر دقة وموضوعية وال يعتمد فقط على سلطته التقديرية، يستعين بالتحقيق 25 االجتماعي الذي سيساعده في إب ارز الظروف الشخصية للمتهم واالجتماعية ، ألجل إعمال ظروف التحقيق والتشديد للوصول إلى تحديد مقدار العقوبة بأكثر دقة حتى ولو كانت مشددة. ألنه قد ترتبط ظروف التشديد أو 26 التخفيف باعتبا ارت شخصية للمتهم يستعان بها من قبل القاضي . إضافة إلى استعانة القاضي بتقرير الخبرة العقلية حتى ال يدع مجاال للشك في موضوع المسؤولية الج ازئية، والتأكد بالدليل العلمي بأنه أهل لتحمل نتائج أفعاله وتسليط العقوبات المستحقة عليه. النقطة الأخرى التي يمكن اقت ارحها في هذا السيا هي إل ازمية تمثيل المتهم بمحا م أمام محكمة الجنح التي سيعرض عليها مثلها مثل الجنايات، حتى يمارس حقه في الدفاع عن نفسه بأكثر احت ارفية. أي بمعنى في حال لم ينتدب المتهم محاميا أو عدم استطاعته يعين له القاضي أو رئيس المحكمة محاميا يمثله، وبهذا الإج ارء نضمن أن تجرى الم ارفعات والنقاش داخل الجلسة بطريقة احت ارفية بين القاضي وهيئة الدفاع حتى يتم إب ارز الجوانب القانونية لملف القضية، ويتكون اقتناع أفضل لدى قاضي الجنح، فالمتهم في كثير من الأحيان يعجز عن الدفاع عن نفسه بالطريقة الصحيحة نظ ار لحالته النفسية وقت المحاكمة. وهناك أمر عملي في غاية الأهمية وهو أن 25 سعاد حايد، المرجع السابق، ص.1631 26 عبد الله أ وهايبية، المرجع السابق، ص .486 المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

القضاة يقدرون ويصغون أكثر للمحامي خالل الجلسات من المتهم لوحده، مما قد ينعكس عليه سلبا في الدفاع عن نفسه. إذن فهذه مجموعة من االقت ارحات التي أوردناها ألجل معالجة إشكالية المتابعة وفق إج ارءات الجنح في مقابل عقوبات جد مشددة تنتظر المتهم وقد ال تضمن له حقه في محاكمة عادلة.

خاتمة

في ختام هذه الد ارسة التي تناولنا فيها موضوع سياسة التجنيح كنهج مستحدث من قبل المشرع الج ازئري، والتي من خاللها نص على تعديالت مست قانون العقوبات، مفادها تحويل العديد من الجنايات إلى جنح. وكإجابة عن الإشكالية المطروحة في المقدمة، نستطيع القول بأن المشرع الج ازئري حين انتهج هذه السياسة كان تركيزه الأكبر حول تحقيق هدف تسريع وتبسيط إج ارءات الدعوى العمومية، وتخفيف العبء عن محكمة الجنايات، وهذا أمر مشروع ومنطقي واستنادا لمبدأ الشرعية الجنائية. لكن في ظل مقدار العقوبات المشددة لهذه الجنايات المجنحة لم يقابلها في الجانب الإج ارئي إحداث تعديالت تهدف إلعطاء ضمانات أكبر لمركز المتهم حين يتابع وفق إج ارءات الجنح تضمن له محاكمة عادلة وحقه في الدفاع. لذا وجب على المشرع إرفا هذه السياسة بتعديالت تمس قانون الإج ارءات الج ازئية، حتى تحقق تلك النصوص ذلك التوازن بين تحقيق مصلحة النظام العام وبين ضمانات المتهم. من أهم النتائج التي تم التوصل إليها من خالل هذه الد ارسة ما يلي:  سياسة التجنيح التشريعي أمر شرعي ومنطقي يهدف لحسن سير العدالة وتحسين أداء المرفق العمومي من خالل تبسيط إج ارءات الدعوى العمومية.  إبقاء المشرع على نفس مقدار العقوبات السالبة للحرية عند تحويل الجناية إلى جنحة مع تغيير وصفها من سجن إلى حبس، وذلك ألن المشرع ال يهدف من وارء سياسة التجنيح إلى خفض العقوبات عن بعض الج ارئم، وإنما إلحداث تغيير إج ارئي.  أهم دوافع سياسة التجنيح هي تخفيف العبء عن محكمة الجنايات التي تشهد كثافة معتبرة، باإلضافة إلى تسريع وتبسيط إج ارءات المحاكمة، في ظل االختالف الجوهري بين إج ارءات المتابعة وفق جناية عن جنحة، ومعها أيضا تخفيف التكاليف واألعباء المالية لسير الدعوى.  هناك العديد من النقاط الإيجابية التي تصب في مصلحة المتهم من خالل هذه السياسة فيما يتعلق بآجال التقادم ورد االعتبار والعفو الرئاسي، وعدم إمكانية تطبيق بعض العقوبات التكميلية والفترة الأمنية. المجلد 71، العدد 0102-17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

 في مقابل ذلك الإبقاء على نفس مقدار عقوبة الجنايات تقريبا (لتصل لحد 26 سنة حسب بعض هذه الجنح)، لم يقابلها تضمين ضمانات كان يتمتع بها المتهم خالل متابعته وفق إج ارءات الجناية، والتي تؤثر بصفة كبيرة على مركزه القانوني. فالمشكلة إذن ليست في انتهاج سياسة التجنيح من قبل المشرع الج ازئري، وال مقدار العقوبة المشددة المرصودة لهذه الجنح، ولكن البد أن يتبعها إدخال تعديالت في الجانب الإج ارئي لتعطي ضمانات استثنائية للمتهم في هذه الجنح المغلظة عن غيرها من الجنح العادية (تطبيق مبدأ الخاص يقيد العام)، تمكنه من حقه في محاكمة عادلة وحقه في الدفاع. ومن بين هذه المقترحات التي نقدمها ما يلي: -1 تحديد المشرع بدقة لهذه الجنح المغلظة الم ارد إرفاقها بتغي ارت استثنائية من خالل تحديد مجال عقوبتها (على سبيل المثال من 16 إلى 26 سنة) تطبيقا لمبدأ الشرعية. -2 إل ازمية إحالة هذه الجنح على قاضي التحقيق وليس على سبيل الجواز، لما في هذه المرحلة من ضمانات عديدة لصالح المتهم ال يجدها خالل مرحلة التحقيق الأولي، وأيضا ألن غايتها التثبيت والتدقيق في الأدلة قبل إحالة القضية على المحاكمة. -3 النص على ضرورة إرفا ملف الإحالة على محكمة الجنح لهذا النوع من الجنح بالتقرير االجتماعي والخبرة العقلية، ألهميته في إب ارز الجوانب الشخصية واالجتماعية للمتهم، ولكي يعطي للقاضي أكثر دقة في إعمال ظروف التشديد أو التخفيف. -4 اقت ارح إعطاء مكنة للمتهم على مستوى وكيل الجمهورية في هذه الجنح لالختيار بين متابعته وفق إج ارءات الجنحة أو الجناية، وهذ اقتداء ببعض الأمثلة على هذه الشاكلة نص عليها القانون (مثل العقوبات البديلة والوساطة الج ازئية واالعت ارف المسبق بالذنب). المجلد 71، العدد 0102-17