إمكانية التعويض عن الضرر المترتب عن استخدام الذكاء االصطناعي طبقا لقواعد المسؤولية الناشئة عن الأشياء (1) فريدة سقالب ، (1) أستاذ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الرحمان ميرة- بجاية (الج ازئر). البريد االلكتروني: [email protected] الملخص: للذكاء االصطناعي أهمية بالغة في الوقت الحاضر، حيث أصبح يتدخل في جميع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، ونتيجة للتطور التكنولوجي واالنتشار الواسع الستخدام آالت وأجهزة الذكاء االصطناعي في العديد من المجاالت، فإنه قد يترتب عن ذلك بعض الأض ارر التي تستلزم التعويض، وبناء على ما سبق بيانه، يثور التساؤل عن مدى إمكانية اللجوء إلى القواعد العامة المنظمة للمسؤولية المدنية عن فعل الأشياء لمساءلة أنظمة الذكاء االصطناعي عن الأض ارر التي تسببها للغير. الكلمات المفتاحية: الذكاء االصطناعي، المسؤولية الناشئة عن الأشياء، التعويض، الضرر. تاريخ إرسال المقال: 0102/61/61، تاريخ قبول المقال: 0101/10/01، تاريخ نشر المقال: 0101/11/30 المؤلف المارسل: سقالب فريدة، [email protected] المجلد 71، العدد 0102-17
إمكانية التعويض عن الضرر المترتب عن استخدام الذكاء الاصطناعي طبقا لقواعد المسؤولية الناشئة عن الأشياء
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
للذكاء الاصطناعي أهمية بالغة في الوقت الحاضر، حيث أصبح يتدخل في جميع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، ونتيجة للتطور التكنولوجي والانتشار الواسع لاستخدام آلات وأجهزة الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، فإنه قد يترتب عن ذلك بعض الأضرار التي تستلزم التعويض، وبناء على ما سبق بيانه، يثور التساؤل عن مدى إمكانية اللجوء إلى القواعد العامة المنظمة للمسؤولية المدنية عن فعل الأشياء لمساءلة أنظمة الذكاء الاصطناعي عن الأضرار التي تسببها للغير.
سقلاب, فريدة، "إمكانية التعويض عن الضرر المترتب عن استخدام الذكاء الاصطناعي طبقا لقواعد المسؤولية الناشئة عن الأشياء"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 260-273.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
14 صفحات مرقمةThe Possibility of Compensation for Damage Caused by the Use of Artificial Intelligence under the Rules of Liability Arising from Things Abstract: Artificial intelligence is of significant importance today, as it has become involved in all human activities. As a result of technological development and the widespread use of artificial intelligence machines and systems in various fields, certain damages may arise that require compensation. Accordingly, a question arises as to the extent to which the general rules governing civil liability for acts of things may be applied to hold artificial intelligence systems liable for the damage they cause to others. Keywords: Artificial intelligence, liability arising from things, compensation, damage. La possibilité d’indemnisation des dommages résultant de l’utilisation de l’intelligence artificielle conformément aux règles de responsabilité du fait des choses Résumé : L’intelligence artificielle occupe aujourd’hui une place centrale dans les différentes activités humaines. Le développement technologique ainsi que l’utilisation croissante de systèmes et d’équipements dotés d’intelligence artificielle dans de nombreux domaines sont susceptibles de générer des dommages dont la réparation peut soulever des difficultés juridiques particulières. À partir de ce constat, se pose la question de savoir dans quelle mesure les règles générales de la responsabilité civile sont aptes à régir les actions en réparation des dommages causés par les systèmes d’intelligence artificielle. Il s’agit notamment de déterminer si ces règles offrent un cadre juridique suffisant pour engager la responsabilité des personnes impliquées dans la conception, l’exploitation ou l’utilisation de ces systèmes, ou si l’émergence de l’intelligence artificielle appelle l’adoption de mécanismes juridiques spécifiques. Mots clés : L’intelligence artificielle, La responsabilité du fait des choses L’indemnisation, Le dommage. المجلد 71، العدد 0102-17
لقد شهد العالم تقدما كبي ار في مختلف نواحي الحياة، إذ عرف الجانب التكنولوجي منها تطوار مذهال، حيث تميز بالسرعة الفائقة في التطور وذلك في فت ارت زمنية قياسية، ولهذا سمي هذا العصر باسم عصر الثورة الرقمية، ويعتبر الذكاء االصطناعي من أهم الإنجا ازت التكنولوجية لهذه الثورة الرقمية، فهو متعدد االستعماالت في شتى المجاالت ومصدر للتنمية واالبتكار ووسيلة لإلس ارع من وتيرة التطور التكنولوجي. يعرف الذكاء االصطناعي بأنه قدرة اآلالت وأنظمة الكمبيوتر على محاكاة الذكاء البشري حيث يتم تمكين هذه اآلالت من اكتساب المعلومات وتفسيرها، لكي تكون قادرة فيما بعد على حل المشكالت واتخاذ الق ارارت واالستنتاج وفهم اللغات من تلقاء نفسها دون تدخل العنصر البشري، فأنظمة الذكاء االصطناعي قادرة على التعلم والتحليل واالستنتاج والربط بين المعلومات التي برمجت بها، ولذلك فهي تتميز بالدقة والسرعة في أداء المهام التي قد يعجز الإنسان عن أدائها، ولهذه الأنظمة القدرة الفائقة على تخزين عدد هائل من المعلومات والبيانات ومعالجتها بطريقة صحيحة وسليمة وأكثر منطقية من البشر. يلعب الذكاء االصطناعي دوار بالغ الأهمية في الوقت الحاضر، ويظهر ذلك بالنظر إلى إمكانية قيامه باتخاذ عدة ق ارارت، فقد أصبحت تطبيقاته تفرض حلولها على مستخدميها، فهو يتدخل تقريبا في كل الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، ونتيجة لالنتشار الواسع الستخدام أنظمة وأجهزة الذكاء االصطناعي في العديد من المجاالت، فإنه قد يترتب وينتج عن استخدامها بعض الأض ارر التي قد تستوجب التعويض، وبالتالي تثور المسؤولية المدنية لهذه الأنظمة، وبالتحديد تلك الناشئة عن فعل الأشياء، دون وجود نظام قانوني خاص يؤطر هذه المسألة. استنادا إلى ما سبق بيانه يثور الإشكال عن مدى إمكانية تطبيق قواعد المسؤولية المدنية عن فعل الأشياء للتعويض عن الأض ارر التي تسببها أنظمة الذكاء االصطناعي للغير، وذلك على افت ارض أن الذكاء االصطناعي هو شيء يتحمل الأض ارر التي يسببها للغير الشخص الذي له سلطة فعلية عليه، وهذا في ظل غياب أحكام قانونية خاصة تستوعب بشكل كاف الطابع التقني للذكاء االصطناعي. للبحث في هذا الموضوع، اقتضى الأمر االعتماد على المنهجين الوصفي والتحليلي، وذلك من خالل توضيح المفاهيم المرتبطة بالذكاء االصطناعي وتحليل النصوص القانونية التي لها عالقة بموضوع البحث محل الد ارسة. لإلجابة عن الإشكالية السابقة فقد تم تقسيم موضوع البحث كما يلي:
المجلد 71، العدد 0102-17
ثانيا: المسؤولية المدنية الناشئة عن الأشياء كأساس للتعويض عن الأض ارر التي يسببها الذكاء االصطناعي.
1 نظ ار للدور الكبير الذي يلعبه الذكاء االصطناعي في العديد من المجاالت، وأهميته الظاهرة في تسهيل 2 حياة الإنسان في شتى الميادين، كان من الضروري تحديد الطبيعة القانونية له ، حيث أنه ثار جدال بين الفقهاء، بين مؤيد ومعارض، حول حقيقة التكييف القانوني ألنظمة الذكاء االصطناعي، لهذا فإنه وألجل بحث الطبيعة القانونية ألنظمة الذكاء االصطناعي يجب التطرق إلى مدى إمكانية اعتبار أنظمة الذكاء االصطناعي ذات شخصية قانونية (المطلب الأول) وسيتم التعرض كذلك لمدى انطباق النظام القانوني لألشياء على
يقصد بالشخصية القانونية صالحية الشخص الكتساب الحقوق وتحمل االلت ازمات، سواء كان ذلك الشخص 3 طبيعيا أو اعتباريا، وللتوصل لمعرفة إذا ما كانت أنظمة الذكاء االصطناعي تتمتع بشخصية قانونية ، استلزم البحث في مدى إمكانية اعتبار أنظمة الذكاء االصطناعي أشخاص طبيعية (الفرع الأول)، وأيضا في مدى إمكانية اعتبار أنظمة الذكاء االصطناعي أشخاص اعتبارية (الفرع الثاني)، أم أنها أشخاص قانونية افت ارضية (الفرع الثالث) وذلك كما يلي:
وفقا لنص المادة 52 من القانون المدني 4 فإنه: "تبدأ شخصية الإنسان بتمام والدته حيا وتنتهي بموته. على أن الجنين يتمتع بالحقوق التي يحددها القانون بشرط أن يولد حيا". يتضح من استق ارء النص القانوني
أعاله، أن ثبوت الشخصية القانونية لإلنسان يرتبط ارتباطا مباش ار بوالدة هذا الأخير حيا، لكن عند البحث في مدى توفر الشخصية القانونية في الذكاء االصطناعي نجد أن هذا الأخير عبارة عن نظام معلوماتي يتمتع بقد ارت فكرية تضاهي أو تنافس تلك التي توجد لدى الإنسان، فهي آلة ت ؤدي العمليات التي يقوم بها الذكاء البشري أو تفوقها، وليس شخصا طبيعيا تبدأ شخصيته بالوالدة وتنتهي بالوفاة، باإلضافة إلى أنه ال يتمتع باإلد ارك المطلوب في الشخصية القانونية لإلنسان، وبالتالي فإن كيانات الذكاء االصطناعي ليست أشخاصا طبيعية ويستحيل أن تكون كذلك، كونها ال تتمتع باالستقاللية عن الإنسان 5 . تأسيسا على ما سبق بيانه، نستنتج أن أنظمة الذكاء االصطناعي تختلف عن الشخص الطبيعي من حيث الطبيعة القانونية لكل منهما، فالشخص الطبيعي كائن بشري حي لديه مجموعة من الحقوق والواجبات التي تترتب عن تمتعه بالشخصية القانونية، كالحق في االسم والحق في النسب والحق في الموطن والحق في الأهلية،.....، أما أنظمة الذكاء االصطناعي فهي عبارة عن ب ارمج وتقنيات يمكن أن تتجسد في أجسام مادية أو غير مادية ذكية، ليس لها نفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الشخص الطبيعي، وعليه ال يمكن اعتبار أنظمة الذكاء االصطناعي أشخاصا طبيعية.
يمكن تعريف الشخص االعتباري بأنه مجموعة الأشخاص أو الأموال التي تتعاون أو ترصد لتحقيق غرض وهدف مشروع، ولقد اعترف لها القانون بالشخصية القانونية بالقدر الالزم لتحقيق ذلك الهدف، وذلك بموجب نص المادة 22 من القانون المدني الج ازئري 6 ، وتنقسم الأشخاص االعتبارية وفقا لنص المادة 30 من القانون نفسه إلى أشخاص اعتبارية عامة وأشخاص اعتبارية خاصة، وتكون لألشخاص االعتبارية مثلها مثل الأشخاص الطبيعية بداية ونهاية، حيث تختلف بداية ونهاية الشخصية االعتبارية باختالف أنواعها. توحي الطبيعة المعنوية للشخص االعتباري إلى اقت اربه من الذكاء االصطناعي لطبيعته غير المادية، إال أن ذلك ليس كافيا العتباره كشخص معنوي، فهذا الأخير حصل على االعت ارف القانوني، وعليه تم تنظيم 2 نور خالد عبد الرازق، المسؤولية المدنية الناشئة عن استخدام الذكاء االصطناعي، مجلة العلوم القانونية واالقتصادية، ص 12، تم االطالع عليه في الموقع: jelc.gournals.ekb.eg/article- 342094-732fb5e65c12c0aa25ab12a58a277a59.pdf. بتاريخ 0102/10/01، على الساعة :11 .62 2 أمر رقم 72 – 25 مؤرخ في 1072/20/52، يتضمن القانون المدني، مرجع سابق. المجلد 71، العدد 0102-17
أحكامه من كافة الجوانب، فقد نظم المشرع الج ازئري الأشخاص االعتبارية في المواد 30 إلى 25 من القانون المدني، أما الذكاء االصطناعي فلم يعترف به المشرع بعد، خاصة في ظل غياب تنظيم تشريعي دولي موحد 7 للذكاء االصطناعي ، إضافة إلى ذلك فقد أورد المشرع الأشخاص االعتبارية على سبيل الحصر في نص المادة 30 من القانون المذكور أعاله، وهذا ما يعني استحالة إد ارج أنظمة الذكاء االصطناعي ضمنها. تتمثل الأشخاص االعتبارية في مجموعة من الأشخاص واألموال التي تتمتع بشخصية قانونية مستقلة عن الأشخاص الممثلين لها والقائمين بإدارتها، أما الذكاء االصطناعي فقد تمت برمجة أنظمته وفقا لقواعد معينة، وبالتالي يمكن لها اتخاذ ق ارارتها بصفة مستقلة دون حاجة إلى تدخل أشخاص يعبرون عن إ اردتها، عكس الأشخاص االعتبارية التي ال يمكن لها التعبير عن إ اردتها دون الممثلين القانونيين لها، إضافة إلى ذلك فقد اعترف المشرع الج ازئري لألشخاص االعتبارية بمجموعة من الحقوق 8 التي ال يمكن ألنظمة الذكاء االصطناعي التمتع بها، مثل الأهلية والموطن والذمة المالية والحق في التقاضي. يتضح مما سبق أن منح الشخصية القانونية للشخص االعتباري أمر ضروري الكتساب الحقوق وتحمل االلت ازمات، أما أنظمة الذكاء االصطناعي فهي غير مؤهلة لذلك، وبالتالي فهي ليست أشخاصا اعتبارية.
9 نظ ار للخدمات المتعددة التي تقدمها أنظمة الذكاء االصطناعي في وقتنا الحالي وما نجم عنها من أض ارر تجاه الإنسان، برز التساؤل حول إمكانية منح أنظمة الذكاء االصطناعي الشخصية القانونية االفت ارضية، ولمعالجة هذا الإشكال برز إلى الوجود اتجاهان متعارضان بهذا الخصوص، اتجاه يعارض منحها الشخصية االفت ارضية، وذلك العتبا ارت كثيرة أهمها عدم تطورها بالشكل الكافي الذي يجعلها تستحق ذلك وما قد يترتب عن إعطائها الشخصية القانونية من أض ارر، وبالمقابل بر زت إلى الوجود العديد من االتجاهات التي تدعو إلى ضرورة منح أنظمة الذكاء االصطناعي الشخصية القانونية االفت ارضية، وذلك استنادا إلى أن البشر ليسوا هم 7 رفاف لخضر، معوش فيروز، "خصوصية المسؤولية المدنية عن أض ارر أنظمة الذكاء االصطناعي في القانون الجازئري"، مجلة طينة للد ارسات العلمية الأكاديمية، المجلد 22، العدد 21، 5252، ص .252 5 ارجع نص المادة 22 من الأمر رقم 25-72، المتضمن القانون المدني، مرجع سابق.
الوحيدين في المجتمع الممنوحة لهم الشخصية القانونية، وإنما منحت كذلك حتى للشركات والجمعيات 10 واألوقاف . يستخلص مما سبق أن االعت ارف بالشخصية القانونية االفت ارضية ألنظمة الذكاء االصطناعي يجعله يكتسب الحقوق ويتحمل االلت ازمات، وبالتالي يكون مسؤوال عن الأض ارر التي تلحق بالغير، الأمر الذي يسمح لمستخدمي هذه الأنظمة بالتملص من المسؤولية والتمادي في عدم الحرص والحذر في استخدامهم لهذه الأنظمة، ومحاولة إرجاع كل الأخطاء واألض ارر الناتجة عن أفعالهم إلى أنظمة الذكاء االصطناعي، وهذا بالنظر لصعوبة إثبات الخطأ وتبيان إذا ما كان المتسبب فيه هي أنظمة الذكاء االصطناعي أو أن هذا الخطأ مصدره هم المنتجون أو المستخدمون لهذه الأنظمة. خالصة القول التي يمكن الخروج بها من هذه الد ارسة، هي أنه ال يمكن االعت ارف بالشخصية القانونية للذكاء االصطناعي، ألن هذا الأخير يبقى من صنع الإنسان وال يمكن له برمجة نفسه برمجة كاملة دون تدخل العنصر البشري، فالذكاء االصطناعي ليس لديه أهلية وال إ اردة، وبالتالي فمن الصعب تحميله المسؤولية عن الأفعال الصادرة عنه.
لمعرفة إذا ما كانت أنظمة الذكاء االصطناعي عبارة عن أشياء سيتم التطرق لتعريف الشيء (الفرع الأول) ثم لمدى انطباق النظام القانوني لألشياء على تطبيقات الذكاء االصطناعي (الفرع الثاني).
يعرف الشيء بأنه كل ما له كيان ذاتي مستقل ومنفصل عن الإنسان، سواء كان هذا الكيان ماديا يدرك بالحس أو معنويا يدرك بالتصور، فالشيء يقصد به الداللة على ما يصلح محال مباش ار للحقوق التي تخول 11 التسلط واالقتضاء ، ولقد تم تعريف الشيء كذلك بأنه كل كائن له ذاتية في الوجود، سواء كان ماديا يدرك 12 باهة فاطمة، "أنظمة الذكاء االصطناعي وتحديات التأطير القانوني لشخصيتها، مجلة البحوث في الحقوق والعلوم السياسية، المجلد 20، العدد 21، 5252، ص ص.352-310 11 نبيل إب ارهيم سعد، المدخل إلى القانون (نظرية الحق)، منشوارت الحلبي الحقوقية، بيروت، 5212، ص .527 المجلد 71، العدد 0102-17
بالحس كاألرض والجماد والنبات والحيوان، أو كان شيئا معنويا كأفكار المؤلفين واالخت ارعات والعالمات 12 التجارية . يقصد بالشيء قانونا، كل ما ليس بشخص، وله كيان مادي أو معن وي منفصل، ويصلح ألن يكون محال لحق مالي يمكن تقييمه بالنقود، ويشمل بذلك الأشياء المادية كالعقا ارت والمنقوالت، وأيضا الأشياء المعنوية كاالبتكا ارت واألفكار، ويشترط في الشيء أن يكون مما يجوز التعامل فيه، سواء بطبيعته أو بحكم القانون، وبالرجوع للقانون المدني الج ازئري نجد أنه لم يعرف الشيء وإنما اكتفى باإلشارة إليه فقط في بعض المواد 13 .
لم تتفق التشريعات المقارنة فيما يخص تحديد طبيعة الأشياء في ظل المسؤولية المدنية حيث أن بعضها حصرت مفهوم الشيء في الطبيعة المادية لألشياء فقط، وهناك من التشريعات التي لم تقيد مفهوم الشيء بالطبيعة المادية فقط بل وسعت من مفهومه ليشمل الأشياء المعنوية كذلك، والواقع أن تكييف الذكاء االصطناعي بمعناه الفني الدقيق بأنه شيء ذو طبيعة غير مادية سيكون أم ار ميسوار في التشريعات التي أطلقت مفهوم الشيء ولم تقيده بالمادية، ولكن الصعوبة تبقى على حالها بالنسبة لغيرها من التشريعات التي قيدت الشيء بكونه ماديا، حيث يصعب تكييف الذكاء االصطناعي كشيء، إال أن التطبيقات المادية للذكاء 14 االصطناعي تعتبر من قبيل الأشياء المادية، وذلك ألن لها وجود وكيان ملموس . يتضح من خالل نصي المادتين 125 و120 من القانون المدني الج ازئري أن المشرع قد قسم الأشياء إلى ّ أشياء حية وأشياء غير حية، حيث تتمثل الأشياء الحية في الحيوانات التي تتميز باإلحساس والقدرة على الحركة، لكنها تبقى غير قادرة على اتخاذ الق ارارت الصحيحة وتظل خاضعة لسلطة الإنسان، وهذا ما ال ينطبق على أنظمة الذكاء االصطناعي التي تتميز بالذكاء الخارق والقدرة الفائقة على اتخاذ الق ارارت الصائبة دون تحكم الإنسان فيها، أما فيما يخص الأشياء غير الحية فهي أشياء جامدة وغير قادرة على الحركة واإلد ارك والفهم والتعّلم مثل تطبيقات الذكاء االصطناعي، حيث أنه صحيح أن هذه الأخيرة تبدو في شكلها الخارجي كأشياء مادية، لكن في الحقيقة ال يمكن اعتبارها كذلك ألن الجانب المعنوي هو الغالب فيها والمسيطر عليها، وعلى هذا 12 محمد حسين منصور، نظرية الحق، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 5220، ص .555 13 ارجع نصوص المواد 125، 255، 252، 252، 252 من القانون المدني، مرجع سابق. 13 رفاف لخضر، معوش فيروز، مرجع سابق، ص .252 المجلد 71، العدد 0102-17
الأساس فإنه ال ينطبق عليها وصف الأشياء الذي قصده المشرع في المادتين 125 و120 أعاله، ولذلك كان عليه أن يعيد النظر في تعريفه لألشياء ويوسع من نطاقه ليشمل كل من الأشياء المادية والمعنوية، وبالتالي يمكن حينها إدخال أنظمة الذكاء االصطناعي ضمنها.
يسببها الذكاء االصطناعي أصبحت أنظمة الذكاء االصطناعي كثيرة االستعمال في الوقت الحاضر، الأمر الذي ازد من نسبة 15 الأخطار واألض ارر التي تسببها للغير، وبالتالي تثار المسؤولية المدنية لهذه الأنظمة وبالتحديد المسؤولية 16 التقصيرية لها ، حيث تعرف هذه الأخيرة بأنها الت ازم شخص بتعويض الضرر الذي أصاب الغير بسبب خطئه
حارس الشيء إذا أثبت أن ذلك الضرر حدث بسبب لم يكن يتوقعه مثل عمل الضحية، أو عمل الغير، أو الحالة الطارئة، أو القوة القاهرة". يتبين من نص المادة أعاله، أن مسؤولية حارس الأشياء تتحقق إذا ما توافر الشرطان اآلتيان المتمثالن في إل ازمية أن يتولى شخص ح ارسة شيء من الأشياء (الفرع الأول) وكذلك وجوب أن يحدث الشيء المحروس ضرار للغير (الفرع الثاني).
تعني الح ارسة هنا، السيطرة الفعلية على الشيء قصدا واستغالال، وبعبارة أخرى، السلطة الفعلية على الشيء في رقابته وتوجيهه والتصرف في أمره، ويستوي بعد ذلك، أن تكون هذه السيطرة الفعلية للشخص على 18 الشيء، مستندة إلى حق مشروع أو إلى حق غير مشروع . فالح ارسة المقررة في المادة 125 أعاله، هي الح ارسة المعنوية للشيء، أي أن يكون للحارس عليه السلطة 19 المستقلة في استعماله ورقابته وتوجيهه والتصرف في أمره حسب ما يشاء . تكون للحارس سلطة استعمال الشيء عندما يمتلك القدرة على استخدام الشيء وفقا لما أعد له، وال يشترط االستخدام الفعلي وإنما يكفي فقط المقدرة على االستخدام متى استدعت الحاجة الستخدام الشيء، وإلى جانب سلطة االستعمال فإنه البد أيضا أن يمتلك الحارس سلطة التسيير والتوجيه، حيث تتحقق هذه الأخيرة عندما يكون الحارس قاد ار على تنظيم استعمال الشيء، سواء من حيث كيفية االستخدام أو وقت االستخدام، باإلضافة إلى ذلك، يجب أن يمتلك الحارس سلطة الرقابة على الشيء، ويتحقق ذلك بفحصه بصورة دورية وإصالح ما به 20 من عيوب لكي ال يسبب ضرار للغير . يمكن لحارس الشيء أن يعفى من المسؤولية إذا أثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لم يكن يتوقعه، وعليه أن يثبت هذا السبب، وذلك وفقا لنص الفقرة الثانية من المادة 125 من القانون المدني التي تنص على 15 خليل أحمد حسن قداده، الوجيز في شرح القانون المدني الجازئري، الجزء الأول: مصادر االلتازم، ديوان المطبوعات الجامعية، الج ازئر، 1003، ص ص .577 10 بلحاج العربي، النظرية العامة لاللت ازم في القانون المدني الجازئري، الجزء الثاني: الواقعة القانونية، ديوان المطبوعات الجامعية، الج ازئر، 1000، ص .221 52 سيف بن ناصر بن عبد الله المعمري، تأصيل المسؤولية المدنية لتطبيقات الذكاء االصطناعي في التشريع العماني- دارسة تحليلية، مجلة االجتهاد للد ارسات القانونية واالقتصادية، المجلد 12، العدد 25 5253، ص .57 المجلد 71، العدد 0102-17
أنه: "ويعفى من هذه المسؤولية الحارس للشيء إذا أثبت أن ذلك الضرر حدث بسبب لم يكن يتوقعه مثل عمل الضحية، أو عمل الغير، أو الحالة الطارئة أو القوة القاهرة".
لكي تتحقق مسؤولية حارس الشيء، يجب أن يقع ضرر يمس بالغير بفعل هذا الشيء دون اشت ارط وجود اتصال مادي مباشر بين الشيء والمضرور، ويعتبر كذلك، إذا تدخل الشيء تدخال إيجابيا، وكان هو السبب في إحداث الضرر، أما إذا كان تدخل الشيء تدخال سلبيا، فال يكون الضرر إذا وقع في هذه الحالة من فعل 21 الشيء . يقصد بالضرر ذلك الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه أو في إحدى مصالحه المشروعة، وللضرر نوعان يتمثالن في الضرر المادي الذي يصيب الجسد أو المال، والضرر المعنوي الذي يمس الإنسان في شعوره وشرفه وسمعته، ويشترط في الضرر أن يكون محقق الوقوع، أي وقع فعال أو محقق الوقوع في المستقبل، ويجب أن يكون مباش ار أي ناجما مباشرة عن الخطأ، حيث يتم التعويض في المسؤولية التقصيرية عن الضرر المباشر سواء كان متوقعا أو غير متوقع، إضافة إلى كل ذلك يجب أن تكون هناك عالقة سببية بين الخطأ الذي ارتكبه الشخص والضرر الذي ألحقه بالغير. إن الم ارد بلفظ الشيء الوارد في نص المادة 125 من القانون المدني الج ازئري، ينصرف إلى جميع الأشياء 22 ، فقد جاء نص هذه المادة عاما منطويا على مبدأ الشمول في مفهوم الشيء بدون تعداد الأشياء، حتى 23 ال يفهم أو يفسر تعدادها حصريا .
االصطناعي عن الأض ارر التي تحدثها يالحظ من خالل استق ارء نص المادة 125 فقرة 21 من القانون المدني الج ازئري ، أن المشرع يلقي بعبء تعويض الأض ارر الناجمة عن الشيء على حارسه، مقابل السلطات التي يملكها تجاهه باستعماله وتسييره والرقابة عليه، وهذا التصور الذي يجعل من نظام الذكاء االصطناعي شيئا خاضعا لتوجيه ورقابة حارسه، ال 51 خليل أحمد حسن قداده، مرجع سابق، ص .570
ينسجم مع تركيبة وطبيعة الأنظمة الذكية التي تتميز بالقدرة على التعلم واالستقاللية في اتخاذ الق ارارت، والتي 24 تجعل من تحديد الحارس أم ار صعبا ، حيث أنه بالرجوع إلى خاصية االستقاللية التي تتميز بها أنظمة الذكاء االصطناعي، نجد أن سلطة الرقابة غائبة تماما في هذه الحالة، فحارس الذكاء االصطناعي يملك سلطتي االستعمال والتسيير فقط دون سلطة الرقابة، وبالتالي يمكن له أن يدفع بعدم قيام مسؤوليته على أساس انعدام 25 سلطة الرقابة التي تفقده صفة الحارس . فيما يخص تحديد طبيعة الأشياء في ظل المسؤولية المدنية الناشئة عن الأشياء، فإن المشرع الج ازئري لم يقم بتعريف الأشياء ص ارحة، إال أنه يظهر من نص المادة 125 من القانون المدني الج ازئري ، أن الشيء في إطار المسؤولية المدنية هو كل شيء مادي غير حي، بغض النظر عن صفته أو نوعه، والمعلوم أن الأشياء غير الحية تتصف بالجمود وعدم القدرة على التحرك المستقل، وهو ما ال ينطبق على الذكاء االصطناعي، ذلك أن حامله كالروبوتات أو السيا ارت ذاتية القيادة يخرج عن إطار الجمود إلى الحركة، كما أن الذكاء االصطناعي بمعناه الفني الدقيق يكون في حركة دائمة ضمن عالمه االفت ارضي، حيث تكون له القدرة الذاتية على التحليل والتعلم من البيئة التي يوجد فيها، بحيث يستطيع أن يحلل البيانات ويقف على حجم المشكلة قبل اتخاذ الق ارر، 26 وعليه يظهر أن سمات الشيء في ظل مسؤولية حارس الأشياء ال تتوفر في الذكاء االصطناعي . يتضح مما سبق بيانه أن مسؤولية الحارس عن الأشياء ال تصمد أمام التركيبة المعقدة للذكاء 27 االصطناعي ، وذلك نظ ار لمجموع الصعوبات التي تعرقل تطبيق أحكامها، حيث أن الح ارسة بمفهومها المادي 28 التقليدي هي فكرة ال تناسب أنظمة الذكاء االصطناعي ، إضافة إلى ذلك، فإنه نظ ار لتعدد الأشخاص المستخدمين ألنظمة الذكاء االصطناعي، تظهر هناك صعوبة في تحديد الشخص الحارس والمسؤول عن الأض ارر التي يحدثها للغير، فعلى سبيل المثال إذا تسبب نظام الذكاء االصطناعي في ضرر، مثل حادث سيارة 53 قندوز فتيحة، "الجوانب القانونية الستخدام الذكاء االصطناعي"، المجلة الج ازئرية للحقوق والعلوم السياسية، المجلد 20، العدد 21، 5253، ص .157 52 حمدادو لمياء، الذكاء االصطناعي: نموذج عن التحديات المعاصرة للمسؤولية التقصيرية، المجلة الج ازئرية للقانون والعدالة، المجلد 12، العدد 21، 5253، ص .131 52 رفاف لخضر، معوش فيروز، مرجع سابق، ص ص 252 – .253
ذاتية القيادة، من يكون المسؤول؟ هل هو مطور البرمجيات أو المستخدم النهائي أو الشركة المالكة؟ وهنا تظهر 29 الحاجة إلى إطار قانوني واضح يحدد من هو المسؤول عن الأض ارر التي يتسبب فيها الذكاء االصطناعي ، خصوصا إذا كانت هذه الأنظمة ذات طبيعة معنوية معقدة، ال يعلم تفاصيلها إال متخصصون وتقني ون في هذا المجال، وتتمتع باالستقاللية في اتخاذ الق ارارت. إذا كان من السهل إثبات مسؤولية حارس النظام الذكي ذات الطابع المادي عن الأض ارر التي يسببها للغير، العتبار أن هناك اتصال مادي مباشر بين فعل هذا النظام والضرر الناتج عنه، فإن الأمر يكون صعبا ومعقدا في الحالة التي يكون فيها فعل الذكاء االصطناعي يتسم بطابع معنوي، مثل تقديم نصيحة أو إب ارم عقد معين، حيث يقع على الشخص المتضرر إثبات أن النظام الذكي قد تخلله عيب ما أو أن هناك انح ارف في 30 سلوك هذا النظام .
يعد انتشار تقنيات الذكاء االصطناعي في مختلف مجاالت الحياة مؤش ار هاما على أن الإنسان أصبح محاطا بأجهزة ذكية يحاكي ذكاؤها ذكاء البشر، غير أنه قد يحدث أحيانا أن تتجاوز هذه اآلالت بتصرفاتها حدود القانون وتتسبب بأض ارر للغير، وتثار بذلك مسؤوليتها القانونية، وبالتحديد المسؤولية المدنية الناشئة عن فعل الأشياء. من خالل د ارستنا لموضوع " إمكانية التعويض عن الضرر المترتب عن استخدام الذكاء االصطناعي طبقا لقواعد المسؤولية الناشئة عن الأشياء" تم التوصل إلى النتائج التالية: إن القواعد العامة في القانون المدني غير كافية للتطبيق على الذكاء االصطناعي. يتعارض تطبيق مسؤولية حارس الأشياء على أض ارر الذكاء االصطناعي مع فكرة الح ارسة العتبار أن هذه الأخيرة تجعل من أنظمة الذكاء االصطناعي تخضع للسلطات الثالثة للحارس من استعمال وتسيير ورقابة، وهذا الأمر - بطبيعة الحال - ال يتماشى مع الطبيعة الذكية والمميزة ألجهزة الذكاء االصطناعي، إضافة إلى أن تحديد الحارس على هذه الأجهزة من بين مجموع المتدخلين أمر يصعب تحقيقه في مجال الذكاء االصطناعي. 50 بن صاري رضوان،" تطبيقات الذكاء االصطناعي في مجال القانون"، دفاتر السياسة والقانون، المجلد 17، العدد 21، 5252، ص .21 30 حمدادو لمياء، مرجع سابق، ص ص -131 .135 المجلد 71، العدد 0102-17
يختلف وصف الشيء في المسؤولية المدنية الناشئة عن الأشياء وال تتوافر فيه السمات الموجودة في أنظمة الذكاء االصطناعي، حيث أن هذه الأخيرة ترتكز على الطابع المعنوي الذي يتصف بالحركة أكثر من الطابع المادي الذي يتصف بالجمود. غياب نظام قانوني خاص بالذكاء االصطناعي يغطي بصورة كافية الطابع التقني له. عدم االعت ارف بالشخصية القانونية ألنظمة الذكاء االصطناعي أمر منطقي، على اعتبار أن هذه الأخيرة غير مؤهلة الكتساب الحقوق وتحمل االلت ازمات، وبالتالي ال يمكن مساءلتها عن الأض ارر التي تتسبب فيها. . صعوبة مساءلة أنظمة الذكاء االصطناعي على أساس المسؤولية عن ح ارسة الأشياء، نظ ار لتمتعها بالطابع المعنوي واالستقاللية في اتخاذ الق ارارت. لتدارك الثغ ارت والنقائص السابقة يمكن التقدم باالقت ارحات التالية: ضرورة االعت ارف بالشخصية القانونية ألنظمة الذكاء االصطناعي، بحيث تمنح لها شخصية قانونية ناقصة وليست كاملة، وذلك حتى يمكن مساءلتها عن كافة الأض ارر الناشئة عنها. تعديل قواعد المسؤولية المدنية في القانون المدني بما يتناسب مع الذكاء االصطناعي، بما في ذلك نص المادة 125 منه، بحيث تشمل إلى جانب ح ارسة الأشياء تطبيقات الذكاء االصطناعي. ضرورة وضع نصوص قانونية خاصة بالذكاء االصطناعي عامة والمسؤولية الناشئة عن الأض ارر التي تسببها أجهزة الذكاء االصطناعي للغير خاصة. ضرورة إنشاء صناديق ضمان متخصصة في تعويض الأض ارر الناتجة عن استعمال أجهزة الذكاء االصطناعي، حيث يساهم في تمويل هذه الصناديق جميع المسؤولين عن هذه الأنظمة بما في ذلك الصانعون والمنتجون والمستعمل ون لها. المجلد 71، العدد 0102-17