القانون الدستوري والإداريسنة 2026الدراسات القانونية المقارنةOpen Access · وصول حر

الديمقراطية بين الشرعية الانتخابية والضوابط الدستورية

ح
حمود, عادل
جامعة تيبازةصفحة 269-28719 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

يتناول هذا البحث إشكالية العلاقة بين الشرعية الانتخابية والضوابط الدستورية في إطار الدولة الديمقراطية الحديثة، حيث لم تعد الديمقراطية تُفهم بوصفها مجرد آلية انتخابية، بل باعتبارها نظامًا دستوريًا متكاملًا يقوم على توازن دقيق بين إرادة الشعب وحماية الحقوق والحريات. وينطلق البحث من فكرة أن الانتخابات، رغم أهميتها في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية، قد لا تكون كافية لضمان الممارسة الديمقراطية السليمة إذا لم تُقيد بضمانات دستورية ومؤسساتية فعالة. كما يبرز أن مبدأ سيادة الشعب، الذي يُعد أساس الديمقراطية، قد يتعرض للتأويل بطريقة تسمح بتركيز السلطة إذا غابت آليات الرقابة والتوازن بين السلطات. لذلك يركز البحث على تحليل دور الدستور، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء في حماية النظام الديمقراطي من الانحراف. ويخلص إلى أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على الجمع بين الشرعية الانتخابية وسيادة القانون، بحيث لا تتحول الإرادة الشعبية إلى أداة لتقويض الضمانات الدستورية. ومن ثم فإن ترسيخ الثقافة الدستورية واحترام المؤسسات يمثلان شرطًا أساسيًا لضمان ممارسة ديمقراطية متوازنة ومستقرة This study examines the relationship between electoral legitimacy and constitutional constraints within the framework of the modern democratic state. Democracy today is no longer understood merely as an electoral mechanism, but rather as a comprehensive constitutional system based on a delicate balance between the will of the people and the protection of rights and freedoms. The study starts from the premise that elections, despite their importance in granting political legitimacy, may not be sufficient to guarantee a genuine democratic practice if they are not accompanied by effective constitutional and institutional safeguards. It also highlights that the principle of popular sovereignty, which constitutes the foundation of democracy, can be interpreted in ways that may allow the concentration of power when mechanisms of accountability and checks and balances are weakened. Therefore, the study analyzes the role of the constitution, the separation of powers, and judicial independence in protecting the democratic system from potential deviations. The paper concludes that genuine democracy requires a balance between electoral legitimacy and the rule of law, ensuring that popular will does not undermine constitutional guarantees. Consequently, strengthening constitutional culture and respecting institutional limits remain essential for maintaining a stable and balanced democratic order.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

حمود, عادل، "الديمقراطية بين الشرعية الانتخابية والضوابط الدستورية"، الدراسات القانونية المقارنة، مجلد 12، عدد 1، ص ص 269-287.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

19 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

مجلة الدراسات القانونية المقارنة ISSN:2478-0022 المجلد 23 / العدد 12 ( 2026 )، ص.ص. 362 - 382 . EISSN:2600-6154 الدميقراطية بني الشرعية االنتخابية والضوابط الدستورية Democracy Between Electoral Legitimacy and Constitutional Constraints عادل محود Adil HAMOUD أستاذ حماضر قسم "ب"، التخصص: القانون العام، كلية احلقوق والعلوم السياسية، جامعة مرسلي عبد هللا تيبازة، اجلزائر Lecturer –Class B in Public Law, Faculty of law and political science MORSLI Abdullah, University of Tipaza, Algeria Email:[email protected] تاريخ إرسال المقال2026/03/14: تاريخ القبول2026/05/20: تاريخ النشر2026/06/08: ملخص: يتناول ىذا البحث إشكالية العالقة بُت الشرعية االنتخابية والضوابط الدستورية يف إطار الدولة الدقلقراطية ًي متكامًال يقو على توازف ً ما دستور ً فهم بوصفها رلرد آلية انتخابية، بل ابعتبارىا نظا ُ احلديثة، حيث مل تعد الدقلقراطية ت دقيق بُت إرادة الشعب ومحاية احلقوق واحلرًيت. وينطلق البحث من فكرة أف االنتخاابت، رغم أعليتها يف إضفاء الشرعية على السلطة السياسية، قد ال تكوف كافية لضماف الممارسة الدقلقراطية السليمة إذا مل تقيد بضماانت دستورية ُ ومؤسساتية فعالة. كما يربز أف مبدأ سيادة الشعب، الذي يعد أساس الدقلقراطية، قد يتعرض للتأويل بطريقة تسمح ُ بًتكيز السلطة إذا غابت آليات الرقابة والتوازف بُت السلطات. لذلك يركز البحث على حتليل دور الدستور، والفصل بُت السلطات، واستقالل القضاء يف محاية النظا الدقلقراطي من االضلراؼ. وؼللص إىل أف الدقلقراطية احلقيقية تقو على اجلمع بُت الشرعية االنتخابية وسيادة القانوف، حبيث ال تتحول الإرادة الشعبية إىل أداة لتقويض الضماانت الدستورية. ومن مث فإف ترسيخ الثقافة الدستورية واحًتا المؤسسات قلثالف ش رطًا أساسيا لضماف شلارسة دقلقراطية متوازنة ومستقرة. ً كلمات مفتاحية: الدقلقراطيػػة، الشػػرعية االنتخابيػػة، سػػيادة الشػػعب، الضػػوابط الدسػػتورية، الدولػػة الدسػػتورية، الفصػػل بػػُت السػػلطات، الرقابة الدستورية، Abstract: This study examines the relationship between electoral legitimacy and constitutional constraints within the framework of the modern democratic state. Democracy today is no longer understood merely as an electoral mechanism, but

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

rather as a comprehensive constitutional system based on a delicate balance between the will of the people and the protection of rights and freedoms. The study starts from the premise that elections, despite their importance in granting political legitimacy, may not be sufficient to guarantee a genuine democratic practice if they are not accompanied by effective constitutional and institutional safeguards. It also highlights that the principle of popular sovereignty, which constitutes the foundation of democracy, can be interpreted in ways that may allow the concentration of power when mechanisms of accountability and checks and balances are weakened. Therefore, the study analyzes the role of the constitution, the separation of powers, and judicial independence in protecting the democratic system from potential deviations. The paper concludes that genuine democracy requires a balance between electoral legitimacy and the rule of law, ensuring that popular will does not undermine constitutional guarantees. Consequently, strengthening constitutional culture and respecting institutional limits remain essential for maintaining a stable and balanced democratic order. Keywords: Democracy; Electoral Legitimacy; Popular Sovereignty; Constitutional Constraints; Constitutional State; Separation of Powers.

مقدمة

أصبحت الدقلقراطية ، منذ هناية احلرب الباردة ، النموذج الأكثر انتشارا من حيث اخلطاب و المشروعية ، حىت يف الدول اليت ال دتارسها فعليا. غَت أف ىذا االنتشار مل يكن مصحواب دائما بًتسيخ فعلي لقيم الدقلقراطية الليربالية ، بل ادى يف حاالت عديدة اىل بروز أظلاط حكم ىجينة جتمع بُت الشكل الدقلقراطي و المضموف االستبدادي . يف ىذا السياق ، ظهر مفهو " تركيز السلطة " لوصف أنظمة سياسية تصل إىل احلكم عرب آليات دقلقراطية ، خاصة االنتخاابت ، لكنها دتارس السلطة بطريقة تفضي إىل تركيزىا و تقويض احلرًيت و الضماانت الدستورية . وتنبع خطورة ىذا النمط من كونو ال يقو على القطيعة الصرػلة مع الدقلقراطية ، بل على توظيفها و استغالل قواعدىا، شلا غلعلو أكثر قبوال لدى الرأي العا و أصعب كشفا و مواجهة . وعليو ، يطرح ىذا المقال االشكالية اآلتية : ىل قلكن أف تتحول القواعد الدقلقراطية المستمدة من سيادة الشعب إىل سبب يف ظهور االستبداد ؟ لإلجابة عن ىذه االشكالية ، اعتمدان خطة ثنائية تقو على مبحثُت ، يتناول الأول الأسس النظرية للدقلقراطية و حدودىا ، بينما ؼلصص الثاني لتحليل آليات التحول ضلو تركيز السلطة. 270

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3
المبحث الأول : الأسس النظرية الدميقراطية و قواعد احلكم الشرعي

يهدؼ ىذا المبحث اىل أتصيل المفاىيم المرتبطة ابلدقلقراطية و سيادة الشعب ، و بياف تطورىا النظري يف الفكر السياسي و الدستوري ، مع ابراز حدود الشرعية الدقلقراطية و إمكانية اضلرافها . ففهم ظاىرة تركيز السلطة يقتضي أولا الوقوؼ على الأسس اليت تقو عليها الدقلقراطية ذاهتا ، و ما إذا كانت حتمل يف بنيتها عناصر قد تسمح ابنزالقها ضلو االستبداد )57 p. ,1929 ,Kelsen(.

المطلب الأول : جذور الدميقراطية و سيادة الشعب

يعد مفهو سيادة الشعب الركيزة الأساسية للدقلقراطية احلديثة ، إذ ينظر إىل الشعب بوصفو مصدر السلطة و غايتها . غَت أف ىذا المفهو مل يكن اثبتا عرب التاريخ ، بل عرؼ تطورا فلسفيا و سياسيا عميقا . وعليو ،سنحاول يف ىذا المطلب تتبع اجلذور الكالسيكية و احلديثة للدقلقراطية لفهم طبيعة العالقة بُت الشعب و السلطة.

الفرع الأول :المفهوم الكالسيكي للدميقراطية

ارتبطت الدقلقراطية يف بداًيهتا الأوىل ابلنموذج الأثيٍت ، حيث كاف المواطنوف قلارسوف السلطة بشكل مباشر .غَت أف ىذا النموذج ، رغم رمزيتو ، كاف زلدودا من حيث نطاق المشاركة و مفهو المواطنة . ومع ذلك ، فقد أسس لفكرة زلورية مفادىا أف السلطة ال تستمد مشروعيتها إال من اجلماعة السياسية )110 p. ,1963 , G. Burdeau( . تقو الدقلقراطية الكالسيكية على فكرة المشاركة المباشرة يف إختاذ القرار، حيث كاف المواطنوف غلتمعوف يف الساحة العامة للتداول يف شؤوف المدينة . وقد عزز ىذا النموذج الإحساس ابالنتماء و المسؤولية السياسية ، لكنو يف الوقت ذاتو اقصى فئات واسعة من اجملتمع ، كالنساء و العبيد واألجانب )85 p. ,1921 ,Duguit( . 7 مل تكن الدقلقراطية الكالسيكية قائمة على منظومة حقوق فردية ابدلعٌت احلديث ، بل على مبدأ المصلحة العامة كما تراىا الأغلبية . دوف وجود ضماانت حلماية الأقليات ، و ىو ما نبو إليو فالسفة مثل أفالطوف و أرسطو .(Schmitt, la notion de politique, 1932, p. 42) أسهم النقد الفلسفي للدقلقراطية القدقلة يف إبراز اشكالية العالقة بُت احلرية و النظا ، حيث اعترب بعض المفكرين أف الإفراط يف احلرية قد يؤدي إىل الفوضى ، و من مث إىل ظهور الطغياف بوصفو رد فعل على اختالل التوازف داخل النظا السياسي )78 p. ,1988 ,constitution la de orieTh ,Schmitt(. ومن خالل التأمل يف التجربة الكالسيكية للدقلقراطية، يتضح أهنا مثلت نقطة االنطالق الأوىل لفكرة مشاركة المواطنُت يف شلارسة السلطة السياسية. فقد أسست التجربة الأثينية دلبدأ مهم يتمثل يف أف الشرعية السياسية ال قلكن أف 271

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

تقو إال على قبول اجلماعة السياسية ومشاركتها يف اختاذ القرار. غَت أف ىذا النموذج، رغم قيمتو التارؼلية، ظل زلدودا ً من حيث نطاق المواطنة وضماف احلقوق الفردية، إذ اقتصر على فئة زلدودة من المواطنُت واستبعد شرائح واسعة من اجملتمع. كما أف غياب منظومة مؤسسية واضحة حلماية احلقوق جعل حكم الأغلبية عرضة للتحول إىل نوع من اذليمنة السياسية. ومن ىنا قلكن القول إف الدقلقراطية الكالسيكية، رغم رمزيتها، كشفت مبكرا عن احلاجة إىل تطوير مفهو ً الدقلقراطية ليشمل ضماانت قانونية ومؤسساتية حتمي التوازف بُت إرادة الأغلبية وحقوق الأفراد.

الفرع الثاني : الدميقراطية يف الفكر احلديث

مع تطور الدول احلديثة و ظهور الفكر الدستوري أعيد تعريف الدقلقراطية لتتالء مع اجملتمعات الكبَتة و المعقدة . فلم تعد الدقلقراطية تعٍت احلكم المباشر للشعب ، بل أصبحت تقو على التمثيل السياسي و الفصل بُت السلطات و محاية احلقوق االساسية . أسهم فالسفة العقد االجتماعي ، وعلى رأسهم جوف لوؾ و جاف جاؾ روسو يف ترسيخ مبدأ سيادة الشعب بوصفو أساس الشرعية السياسية . غَت أف االختالؼ بينهما كاف واضحا ، حيث ركز لوؾ على محاية احلق وق الطبيعية ، بينما منح روسو الإرادة العامة مكانة مركزية قد تربر تقييد الفرد ابسم اجلماعة )103 p. ,1998 ,A.Dah( . أدى تطور الدساتَت المكتوبة اىل إدماج الدقلقراطية ضمن اطار قانوين ػلدد صالحيات السلطة و يقيدىا . وىنا برزت فكرة الدقلقراطية الدستورية اليت ال تكتفي ابالنتخاابت و بل تشًتط احًتا مبدأ سيادة القانوف و استقالل القضاء .(Way, 2010, p. 56) أكدت الدراسات المعاصرة أف الدقلقراطية ليست رلرد آلية اجرائية و بل منظومة قيم تشمل التسامح و التعددية و قبول الإختالؼ . وغياب ىذه القيم قد يؤدي اىل إفراغ الدقلقراطية من مضموهنا و حتويلها اىل أداة للهيمنة السياسية . (Diamond, Developing Democracy, 1999, p. 112) ويظهر من تطور الفكر السياسي والدستوري يف العصر احلديث أف الدقلقراطية مل تعد تفهم بوصفها رلرد شلارسة ُ مباشرة للسلطة من قبل الشعب، بل ابعتبارىا نظاما مؤسساتيا يقو على التمثيل السياسي والضوابط القانونية. فقد أدرؾ ً ً مفكرو الدولة احلديثة أف اجملتمعات الكبَتة وادلعقدة ال قلكن أف تدار من خالل المشاركة المباشرة كما كاف احلال يف المدف ُ القدقلة، الأمر الذي أدى إىل ظهور فكرة الدقلقراطية التمثيلية. ويف ىذا السياق، أصبح الدستور والفصل بُت السلطات واستقالل القضاء عناصر أساسية لضماف عد حتول السلطة السياسية إىل أداة للهيمنة. ومن مث فإف الدقلقراطية احلديثة ال تقو فقط على مبدأ سيادة الشعب، بل تعتمد كذلك على رلموعة من المؤسسات واآلليات اليت تضمن خضوع السلطة للقانوف ومحاية احلقوق واحلرًيت الأساسية. 272

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5
المطلب الثاني : حدود الش رعية الدميقراطية و امكانية االستبداد

رغم ما توفره الدقلقراطية من آليات للمشاركة و الشرعية ، فإهنا ليست مبنأى عن االضلراؼ . فالتاريخ السياسي المعاصر يبُت أف الشرعية الدقلقراطية قد تستخد لتربير شلارسات استبدادية ، خاصة عندما ختتزل يف نتائج االنتخاابت فقط . وىو ما سنحاول حتليلو يف ىذا المطلب . الفرع االول : مفهوم تركيز السلطة او االستبداد المنتخب يقصد بًتكيز السلطة ذلك النمط من احلكم الذي يصل فيو القادة إىل السلطة عرب انتخاابت حرة نسبيا ، لكنهم يعملوف الحقا على تقويض لضوابط الدستورية و المؤسساتية ، مستندين اىل الشرعية الشعبية اليت حصلوا عليها . (P.Huntington, 1991, p. 88) قلثل ىذا النمط يف توسيع صالحيات السلطة التنفيذية على حساب السلطينت التشريعية و القضائية ، غالبا عرب تعديالت دستورية أو تشريعية تعرض على االستفتاء الشعيب ، شلا يضفي عليها طابعا دقلقراطيا شكليا ,Mouffe( .2000, p. 74) يعتمد االستبداد المنتخب على خطاب شعبوي يقسم اجملتمع اىل " شعب نقي " و " طلب فاسدة " و يربر تركيز السلطة ابعتباره جتسيدا إلرادة الشعب احلقيقية ، ال رلرد اضلراؼ عن الدقلقراطية p. ,2020 ,Applebaum( .61) تكمن خطورة ىذا النموذج يف قدرتو على اجلمع بُت القبول الشعيب و اذليمنة السياسية ، شلا غلعل مقاومتو اكثر تعقيدا مقارنة ابالستبداد التقليدي ،ومن خالل ىذا التحليل، يبدو أف الإشكالية الأساسية ال تكمن يف مبدأ سيادة الشعب ذاتو، بل يف الكيفية اليت يتم من خالذلا تفسَت ىذا المبدأ وتطبيقو يف الواقع السياسي. فحُت يتم اختزال الدقلقراطية يف رلرد عملية انتخابية دورية، دوف الأخذ بعُت االعتبار الضماانت الدستورية وادلؤسساتية اليت حتكم شلارسة السلطة، يصبح من الممكن أف تتحول الشرعية االنتخابية إىل وسيلة لتربير تركيز السلطة بدل احلد منها. ويف ىذه احلالة، قد تستند السلطة السياسية إىل التفويض الشعيب الذي حصلت عليو عرب االنتخاابت لتوسيع صالحياهتا على حساب المؤسسات الأخرى. لذلك فإف فهم الدقلقراطية يف بعدىا الدستوري يقتضي النظر إليها بوصفها منظومة متكاملة جتمع بُت الشرعية االنتخابية وسيادة القانوف واحًتا احلقوق الأساسية.

الفرع الثاني : تعميق المفهوم الدستوري للدميقراطية احلديثة

273

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

يقتضي التحليل الدستوري للدقلقراطية احلديثة عد االكتفاء ابلتصوير الفلسفي او السياسي اجملرد ، بل االنطالق من البناء القانوين الذي غلعل من الدقلقراطية نظاما مؤسساتيا زلكوما بقواعد و ضوابط فالدقلقراطية يف بعدىا الدستوري ليست فقط تعبَتا عن سيادة الشعب ، واظلا ىي ايضا تنظيم قانوين دلمارسة ىذه السيادة ، مبا قلنع اضلرافها او حتوذلا اىل اداة للهيمنة )201 p. ,2015 ,Troper(. تعد فكرة الدولة الدستورية الإطار احلاضن للدقلقراطية احلديثة ، حيث ؼلضع احلكا و المحكوموف على السواء لقواعد قانونية عليا تتمثل يف الدستور ، ويفًتض يف ىذا الأخَت أف يكوف تعبَتا عن الإرادة العامة ، لكنو يف الوقت نفسو قيدا عليها ، مبا يضمن عد المساس ابحلقوق الأساسية و احلرًيت العامة حىت من قبل االغلبية المنتخبة ,Troper( .2015, p. 201) يربز مبدأ الفصل بُت السلطات كأحد اىم الضماانت الدستورية ضد االستبداد ، اذ قلنع تركيز السلطة يف يد جهة واحدة ، و يؤسس لنظا من الرقابة المتبادلة . غَت اف ىذا المبدأ قد يفرغ من مضمونو يف االنظمة اليت حتافظ على شكلو الدستوري ينما ختضع السلطينت التشريعية و القضائية فعليا للسلطة التنفيذية )143 p. ,2005 ,Pactet(. يضطلع القضاء الدستوري بدور زلوري يف محاية الدقلقراطية من اضلرافها، من خالل رقابة دستورية القوانُت و محاية احلقوق و احلرًيت . اال اف اضعاؼ استقالل القضاء او تسييسو قلثل احد اخطر مظاىر االنزالق ضلو تركيز السلطة ، ألنو يسمح بتمرير تشريعات دتس جوىر النظا الدقلقراطي ابسم الشرعية الربدلانية p. ,2002 ,Caracassonne( . 119) ومن ىذا المنطلق، يتضح أف الدقلقراطية الدستورية دتثل تطورا مهما يف الفكر السياسي احلديث، ألهنا تسعى إىل ً ً حتقيق التوازف بُت الإرادة الشعبية ومتطلبات دولة القانوف. فالدستور ال يقتصر دوره على تنظيم السلطات العامة، بل يشكل أيضا أداة حلماية احلقوق واحلرًيت وضماف عد اضلراؼ السلطة السياسية عن أىدافها الأساسية. كما أف وجود ً مؤسسات مستقلة وآليات رقابة فعالة، مثل القضاء الدستوري، يسهم يف تعزيز ىذا التوازف وػلول دوف تركيز السلطة يف يد جهة واحدة. وعليو، فإف احًتا القواعد الدستورية ال يعد تقييدا إلرادة الشعب، بل قلثل ضمانة أساسية لصيانة ىذه ُ ً الإرادة ومنع استغالذلا بطريقة قد تضر ابدلصلحة العامة، ؼ على الرغم من أف الدقلقراطية احلديثة تقو على أساس المشاركة الشعبية وسيادة القانوف، إال أف التحليل العميق يوضح أف ىذه المبادئ ليست كافية وحدىا لضماف الممارسة الدقلقراطية الفعلية. فمبدأ سيادة الشعب قلكن أف يصبح أداة ثنائية الوجو، إذ قلنح التفويض االنتخايب مشروعية مؤقتة للسلطة التنفيذية بينما يفتقر اجملتمع إىل أدوات الرقابة المستمرة على أداء احلكا. كما أف الًتكيز على الأغلبية العددية دوف محاية فعالة لألقليات وحقوقها ؼللق مجاًال واسعا الضلراؼ السلطة، ويؤدي إىل ما قلكن وصفو حبكم الأغلبية المفرطة ً الذي قد يقوض التعددية. من جهة أخرى، التطور القانوين والدستوري الذي جاء ليقيد سلطة احلاكم قلكن أف يظل شكليا إذا غاب الوعي السياسي والثقافة المؤسسية لدى المواطنُت وادلؤسسات الرقابية. ويربز ىذا بوضوح يف حاالت ً 274

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

عديدة حول العامل حيث تؤدي انتخاابت تبدو حرة إىل وصول قوى سياسية إىل السلطة، لكنها دتارسها أبسلوب يركز السلطة تدرغليا على يد جهة واحدة، مستغلة ضعف المؤسسات الرقابية وغياب الثقافة الدستورية العملية. لذا، قلكن ً القول إف فهم االستبداد المنتخب أو انزالق الدقلقراطية يتطلب حتليًال مزدوجا: على مستوى النصوص القانونية والدساتَت، ً وعلى مستوى الممارسة المؤسسية والثقافة السياسية الواقعية، ألف أي خلل يف ىذه المستوًيت قد يؤدي إىل فراغ ضوابط السلطة وقلنحها قدرة على التوسع على حساب احلقوق والضماانت الدقلقراطية.

المبحث الثاني : حدود الشرعية االنتخابية يف الدولة الدستورية

ؼلصص ىذا المبحث لدراسة الكيفية اليت قلكن اف تنقلب هبا الدقلقراطية ، يف اطارىا الدستوري ، اىل ظلط من اظلاط تركيز السلطة المشروع ظاىرًي . فالتحول ال يتم غالبا عرب انقالابت صرػلة او تعليق للدستور ، بل من خالل اليات قانونية و انتخابية تستعمل تدرغليا إلعادة تشكيل النظا السياسي مبا ؼلد تركيز السلطة . المطلب االول : االليات الدستورية للرتكيز السلطة يف الأنظمة االنتخابية قلثل ىدا المطلب جوىر االشكالية المطروحة ، اذ يسعى اىل حتليل االدوات القانونية و الدستورية اليت تستخد لتحويل الشرعية الدقلقراطية اىل غطاء دلمارسة استبدادية فبدل اف تكوف القواعد الدستورية حاجزا اما االستبداد ، تصبح يف بعض السياقات وسيلة إلنتاجو و ادامتو . الفرع االول : االنتخاابت كأداة لرتكيز السلطة تعد االنتخاابت حجز الزاوية يف اي نظا دقلقراطي ، غَت اف وظيفتها قد تنحرؼ عندما ختتزل الدقلقراطية يف الفعل االنتخايب وحده . ففي ىذه احلالة ، تتحول االنتخاابت من آلية لالختيار و المساءلة اىل وسيلة إلضفاء الشرعية على سلطة غَت خاضعة فعليا للرقابة)1999 ,Favoreu Louis( . تعتمد الأنظمة ذات النزعة االستبدادية الدقلقراطية على تنظيم انتخاابت دورية تبدو من حيث الشكل حرة و تعددية ، لكنها جترى يف سياق قانوين و اعالمي غَت متكافئ ، حيث تسخر موارد الدولة لصاحل السلطة القائمة ، شلا يفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من زلتواه )204 p. ,1991 ,Ackerman( . يؤدي التحكم يف القوانُت االنتخابية ، سواء عرب تقسيم الدوائر او شروط الًتشح او نظا االقًتاع ، اىل ضماف اغلبية مرػلة للسلطة التنفيذية داخل الربدلاف ، وىو ما يسمح ذلا ابلتحكم يف العملية التشريعية و تعديل القواعد الدستورية مبا ؼلد استمراريتها )1991 ,Ackerman(. 275

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

يًتتب على ىذا الوضع التحول الربدلاف من سلطة رقابية و تشريعية مستقلة اىل جهاز اتبع يضفي المشروعية القانونية على قرارات السلطة التنفيذية ، شلا يشكل احد المظاىر االساسية لالستبداد المنتخب . ويف ضوء ما سبق، قلكن القول إف االنتخاابت دتثل اآللية الأساسية اليت دتنح السلطة السياسية مشروعيتها يف الأنظمة الدقلقراطية المعاصرة. غَت أف الدور احلقيقي لالنتخاابت ال يتحقق إال عندما تتم يف إطار بيئة سياسية وقانونية تضمن تكافؤ الفرص بُت سلتلف الفاعلُت السياسيُت. فادلنافسة االنتخابية العادلة تتطلب وجود قواعد واضحة حتكم العملية االنتخابية، إضافة إىل ضماف حرية التعبَت واستقالل وسائل الإعال وحياد مؤسسات الدولة. أما يف احلاالت اليت ختتل فيها ىذه الشروط، فقد تتحول االنتخاابت إىل رلرد إجراء شكلي قلنح الشرعية لسلطة قائمة دوف أف يتيح للمواطنُت فرصة حقيقية لالختيار. ومن ىنا تظهر أعلية تعزيز الضماانت القانونية وادلؤسساتية اليت تكفل نزاىة العملية االنتخابية وحتافظ على جوىرىا الدقلقراطي.

الفرع الثاني: تعديل الدستور و إعادة هندسة النظام السياسي

قلثل تعديل الدستور أحد اخطر المسارات المؤدية اىل تركيز السلطة ، خاصة عندما يتم حتت غطاء الشرعية الشعبية . فالدستور ، الذي يفًتض اف يكوف اداة لتقييد السلطة ، قد يتحول إىل وسيلة إلطالقها من عقاذلا ,2018 ,Daly( .p. 110) تلجأ بعض الأنظمة إىل توسع صالحيات رئيس الدولة عرب تعديالت دستورية تعرض على االستفتاء الشعيب ، مستفيدة من الشعبية المؤقتة للسلطة أو من ضعف الوعي الدستوري لدى الناخبُت ، شلا قلنح ىذه التعديالت مشروعية شكلية )2019 ,Bugaric(. يستخد خطاب سيادة الشعب لتربير تقليص مدة الرقابة الربدلانية ا إضعاؼ القضاء الدستوري ، حبجة تسريع اختاذ القرار أو حتقيق االستقرار السياسي ، من حُت أف النتيجة الفعلية ىي تركيز السلطة يف يد واحدة (روسو، 0202، صفحة 77)، ويؤدي ىذا المسار إىل افراغ مبدأ مسو الدستور من زلتواه ، اذ يصبح الدستور مران إىل حد ؼلد السلطة بدل اي يقيدىا ، و ىو ما يعد جتسيدا واضحا لالستبداد الدقلقراطي يف صورتو الدستورية (لوؾ، 0222، صفحة .)72 ويف ىذا الإطار، يربز الدستور ابعتباره الركيزة الأساسية اليت يقو عليها النظا السياسي يف الدولة احلديثة، إذ ػلدد طبيعة السلطات العامة والعالقة بينها ويضع احلدود القانونية دلمارستها. غَت أف خطورة المسألة تظهر عندما يتم التعامل مع الدستور بوصفو أداة قابلة للتعديل وفق موازين الق وى السياسية فقط، دوف مراعاة الغاية الأساسية منو وادلتمثلة يف تقييد السلطة. فالتعديالت الدستورية اليت تتم يف غياب نقاش عا حقيقي أو دوف وجود توازف مؤسسايت فعلي قد تؤدي إىل إعادة تشكيل النظا السياسي بطريقة تسمح بًتكيز السلطة يف يد جهة واحدة. ولذلك فإف احلفاظ على 276

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

استقرار القواعد الدستورية واحًتا روحها يعد شرطًا أساسيا لضماف التوازف بُت السلطات واستمرارية الممارسة الدقلقراطية ً يف إطار ػلًت سيادة القانوف. تؤدي أي زلاوالت إلعادة ىندسة النظا السياسي عرب التعديالت الدستورية أو التشريعات إىل خلق حالة من عد التوازف بُت السلطات، إذ يصبح الدستور أداة يف يد السلطة التنفيذية بدل أف يكوف قيدا ذلا. ىذا االضلراؼ يظهر ً جليا عندما يتم تربير التعديالت ابسم االستجابة إلرادة الشعب أو حتقيق االستقرار السياسي، يف حُت أف النتيجة العملية ً ىي تركيز الصالحيات يف يد جهة واحدة وإضعاؼ مؤسسات الرقابة وادلساءلة. إضافة إىل ذلك، ختلق ىذه التغيَتات أتثَتا طويل المدى على الثقافة السياسية، إذ تتكيف المؤسسات وادلواطنوف تدرغليا مع فكرة أف السلطة التنفيذية مركزية ً ً وأف القرارات العليا ال ختضع دلراجعة حقيقية، شلا يقلل من فاعلية الربدلاف والقضاء وغلعل الدقلقراطية شكلية فقط. ومن منظور حتليلي، قلكن القول إف الًتكيز على الشرعية االنتخابية وحدىا دوف مراعاة الضوابط الدستورية والرقابية يؤدي إىل نظا شبو مستبد ضمن غطاء قانوين، إذ تكوف الدقلقراطية متاحة على الورق بينما تفرغ من مضموهنا الواقعي. إف دراسة ُ ٍ ىذه الظاىرة تشَت إىل أف أي نظا دقلقراطي غلب أف يكوف مدعوما بعدد كاؼ من المؤسسات الرقابية، واحلقوقية، ً والثقافية اليت دتنع االنفراد ابلسلطة، وتضمن أف يبقى التفويض الشعيب وسيلة لتعزيز المشاركة الفعلية، وليس غطاء لتمركز ً القوة.

المطلب الثاني : ااثر تركيز السلطة على النظام الدستوري

اذا كاف تركيز السلطة ينتج يف مرحلتو االوىل عرب اليات انتخابية و دستورية ظاىرىا الشرعية ، فإف أخطر نتائجو تتجلى يف االاثر العميقة اليت ؼللفها على بنية النظا الدستوري ذاتو . فمع مرور الوقت ، ال يقتصر الأمر على اضلراؼ يف الممارسة ’ بل يتحول اىل تشويو شلنهج لوظائف المؤسسات الدستورية ، مبا يؤدي اىل إفراغ الدقلقراطية من مضموهنا اجلوىري مع االبقاء على شكلها اخلارجي .

الفرع الأول : هتميش الربدلان و إفراغ الوظيفة التشريعية

يفًتض يف الربدلاف من خالل السيطرة على تركيبتو السياسية عرب أنظمة انتخابية مفصلة على مقاس السلطة ، شلا يفرز أغلبيات مصطنعة تفتقر اىل االستقاللية السياسية . ويف ىذه احلالة ،يصبح الربدلاف عاجزا عن شلارسة دوره الرقايب احلقيقي ،اذ يتحول اليات مثل االستجواب أو سحب الثقة إىل اجراءات شكلية بال أثر فعلي (السنهوري، 0111، صفحة 22) . تلجأ السلطة التنفيذية يف ظل تركيز السلطة أىل توسيع مجال التشريع عن طريق االوامر أو القوانُت المفوضة ،وىو ما يؤدي إىل تقليص اجملال التشريعي للربدلاف، ويربز ىذا التوسع غالباً بدواع تتعلق ابالستعجال أو الفعالية احلكومية ،غَت أف النتيجة احلقيقية ىي تركيز السلطة التشريعية يف يد اجلهاز التنفيذي (بنيعيش، 0110، صفحة 10). 277

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

يؤدي ىذا الوضع إىل اختالل مبدأ التوازف بُت السلطات ، حيث يفقد الربدلاف مكانتو كسلطة مستقلة ،ويتحول إىل غرفة تسجيل للقرارات احلكومية . ومع الزمن ، يًتسخ ىذا االختالل يف الثقافة الدستورية ،ليصبح هتميش الربدلاف أمرا عادًي و مقبوال ابسم الشرعية االنتخابية (الطماوي، 0222، صفحة 47) . عند دراسة دور الربدلاف يف النظا الدقلقراطي الدستوري، يتضح أف المؤسسات التشريعية دتثل التعبَت المؤسسي الأساسي عن إرادة الشعب، كما أهنا آلية لضماف الرقابة على السلطة التنفيذية ومحاية التوازف بُت السلطات. غَت أف الًتكيز المفرط للسلطة يف يد السلطة التنفيذية، سواء عرب التحكم يف تركيب الربدلاف أو استخدا القوانُت المفوضة، يؤدي تدرغليا إىل إضعاؼ ىذه الوظيفة الأساسية. ويف ىذه احلالة، يتحول الربدلاف إىل رلرد جهاز يصادق على قرارات احلكومة ً بدل أف قلارس الرقابة أو التشريع الفعلي. ومن منظور حتليلي، فإف ىذه الظاىرة ال تقتصر على آاثر شكلية، بل تشوه الثقافة الدستورية وتضعف التوازف بُت السلطات، ما غلعل من الضروري تعزيز استقاللية الربدلاف وتكريس دوره الرقايب لضماف عد اختالل النظا الدقلقراطي واستمرار شلارسة الشعب حلقوقو بشكل حقيقي.

الفرع الثاني : القضاء الدستوري و احلقوق و احلرايت يف ظل تركيز السلطة

يشكل القضاء ،والسيما القضاء الدستوري ،حجر الزاوية يف محاية النظا الدقلقراطي من االضلراؼ ، ابعتباره اجلهة المخولة دلراقبة دستورية القوانُت وضماف احًتا احلقوق و احلرًيت . غَت اف تركيز السلطة يستهدؼ ىذا اجلهاز بشكل مباشر او غَت مباشر ،ادراكا منو أف استقالل القضاء قلثل العقبة الأساسية أما تركيز السلطة (بوضياؼ، 0200، صفحة 77). وتعمل الأنظمة ذات النزعة االستبدادية على تطويع القضاء الدستوري من خالل التحكم يف آليات تعيُت القضاة أو حتديد مدة واليتهم ، مبا ػلد من استقالذلم الفعلي . و يف ىذه احلالة ،تتحول الرقابة الدستورية من أداة حلماية الدستور إىل وسيلة إلضفاء الشرعية على انتهاكو. تنعكس ىذه اذليمنة على مستوى محاية احلقوق و احلرًيت العامة ، حيث يتم دترير تشريعات تقيد حرية التعبَت أو التنظيم أو التظاىر ابسم الأمن أو النظا العا ، دوف رقابة قضائية فعالة . و تربز ىذه القيود دائما ابإلرادة الشعبية أو ابدلصلحة العامة ، شلا ؼللق تعارضا خطَتا بُت الشرعية الدقلقراطية و احلقوق الأساسية و يؤدي ىذا المسار إىل إعادة تعريف الدقلقراطية تعريفا اجرائيا ضيقا ، ؼلتزل يف االنتخاابت الدورية ، بينما يتم إفراغ مضموهنا احلقوقي و القيمي . وىنا يتجلى تركيز السلطة يف أقصى صوره ،حيث دتارس السلطة ابسم الشعب ضد الشعب ذاتو (Rawls، 0170، صفحة 22) . ويعترب القضاء، ال سيما القضاء الدستوري، حجر الزاوية يف محاية النظا الدقلقراطي من االضلراؼ، ألنو اجلهاز المكلف بضماف التزا مجيع السلطات ابلقواعد الدستورية ومحاية احلقوق واحلرًيت. غَت أف أي مساس ابستقالل ىذا 278

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

القضاء، سواء من خالل التحكم يف التعيينات أو التدخل يف صالحياتو، يؤدي إىل تقويض الرقابة الفعلية على السلطة التنفيذية وتشويو جوىر الدقلقراطية. ويف ىذا الإطار، تصبح التشريعات اليت تقيد حرية التعبَت أو التنظيم أو التظاىر، واليت تربر ابسم الأمن أو المصلحة العامة، أدوات لتقويض احلقوق الأساسية بدل محايتها. ومن الناحية التحليلية، فإف ُ محاية استقالل القضاء وتفعيل الرقابة الدستورية يشكالف ضمانة ال غٌت عنها للحفاظ على التوازف بُت السلطات وضماف شلارسة الدقلقراطية بشكل حقيقي، حيث تظل الإرادة الشعبية مقيدة ابلضوابط القانونية وادلؤسساتية. (Rawls، 0170، صفحة 10) عّد التجربة البولندية من أبرز الأمثلة احلديثة على أتثَت تركيز السلطة يف إضعاؼ استقالل القضاء، إذ ابشرت ُ وت احلكومة منذ سنة 0202 سلسلة من التعديالت مست المحكمة الدستورية واجمللس الوطٍت للقضاء، مشلت تغيَت قواعد تعيُت القضاة وإعادة النظر يف سن إحالة بعضهم على التقاعد. وقد أاثرت ىذه الإجراءات انتقادات واسعة داخل ّ مؤسسات االحتاد الأورويب، اليت اعتربت أف تلك الإصالحات دتس مببدأ الفصل بُت السلطات وتؤثر يف حياد السلطة القضائية، شلا دفعها إىل اختاذ إجراءات قانونية ضد بولندا على خلفية الإخالل مببدأ سيادة (.الأوروبية، 0200) ويف السياق نفسو، شهدت تركيا عقب زلاولة االنقالب سنة 0204 محلة واسعة طالت القضاة وادلدعُت العامُت، حيث مت عزل اآلالؼ منهم وإعادة تنظيم البنية القضائية بطريقة عززت من حضور السلطة التنفيذية داخل اجلهاز القضائي. وتكشف ىذه النماذج أف المساس ابستقالل القضاء ال يكوف دائما بشكل مباشر، بل قد يتم عرب إصالحات ً قانونية ومؤسساتية تؤدي عمليا إىل احلد من قدرة القضاء على مراقبة السلطة السياسية والوقوؼ يف وجو جتاوزاهتا.. ً (ووتش، 0207) ال يقتصر أتثَت تركيز السلطة على إضعاؼ التوازف بُت المؤسسات فحسب، بل قلتد كذلك إىل إفراغ السلطة القضائية من دورىا احلقيقي كضامن للحقوق واحلرًيت. فكلما توسع نفوذ السلطة التنفيذية داخل الدولة، تراجع ىامش استقالل القضاء وأصبح أكثر عرضة للتأثَت السياسي، سواء عرب التحكم يف التعيينات والًتقيات أو من خالل الضغط غَت المباشر على القضاة يف القضاًي ذات الطابع السياسي. ويف ىذه احلالة، يفقد القضاء قدرتو على شلارسة رقابة فعلية على أعمال السلطة، ويتحول تدرغليا إىل جهاز يكرس اختياراهتا بدل مراقبتها. ويظهر ذلك بوضوح يف الأنظمة اليت ً تًتكز فيها السلطة بيد جهة واحدة، حيث تصبح الأحكا القضائية يف القضاًي المرتبطة ابحلرًيت العامة أو المعارضة السياسية أقرب إىل محاية استقرار السلطة منها إىل محاية القانوف. ومن مث، فإف ضعف استقالل القضاء ال يعد رلرد خلل مؤسسايت معزول، بل قلثل نتيجة مباشرة لظاىرة تركيز السلطة واختالل مبدأ الفصل بُت السلطات، الأمر الذي ينعكس سلبا على فعالية الضماانت الدستورية وعلى الثقة العامة يف العدالة. )115 p. ,1956 , G. Burdeau( ً 279

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12
المبحث الثالث: صون التوازن الدميقراطي ووقف اذليمنة المؤسسية

ما متكامًال يقو على المشاركة الشعبية والضوابط الدستورية، إال أف فقداف ىذه الضوابط أو ً عترب الدقلقراطية نظا ُ ت تالعب السلطة هبا قلكن أف يؤدي إىل ىيمنة جهة واحدة على المؤسسات، حىت يف ظل االنتخاابت احلرة. لذلك، يهدؼ ىذا المبحث إىل دراسة اآلليات اليت تضمن عد تركيز السلطة، عرب تفعيل مؤسسات الدولة، وتعزيز استقالل القضاء، ودتكُت الربدلاف واجملتمع المدين، وضماف احلقوق واحلرًيت الأساسية. سنحاول تقدمي قراءة حتليلية لكيفية محاية إرادة الشعب ضمن أطر دستورية قوية ومستدامة )54 p. ,2001 ,Dahl(. كما قلكن النظر إىل الدقلقراطية على أهنا عملية مستمرة تتطلب مراقبة دائمة من قبل كل من المؤسسات وادلواطنُت، فال يكفي وجود انتخاابت دورية لضماف التوازف. فاالنفراد ابلسلطة غالبا ما يبدأ تدرغليا من خالل سياسات ً ً تبدو ضرورية لتحقيق االستقرار أو فعالية احلكومة، لكنها يف الواقع تقلص من قدرة المؤسسات الرقابية على شلارسة مهامها. لذلك، يصبح من الضروري التفكَت يف أنظمة رقابية متعددة الطبقات تشمل الربدلاف، القضاء، واجملتمع المدين، حبيث ختلق بيئة دتنع أي سلطة من السيطرة المطلقة على القرار السياسي. ىذه الرقابة المتعددة تعزز من الشفافية وحتمي إرادة الشعب من االنحراف عن أىدافو الدقلقراطية الأصلية. )56 p. ,2001 ,Dahl(

المطلب الأول: الفصل بني السلطات لضمان التوازن

يعترب منع تركيز السلطة من خالل الفصل بُت السلطات كآلية أساسية للحفاظ على التوازف الدقلقراطي. فالسلطة التنفيذية، إذا مل تقيد مبراقبة فعلية من السلطات الأخرى، قد تتوسع يف صالحياهتا على حساب الربدلاف ُ والقضاء، شلا يؤدي إىل اختالل النظا السياسي. لذلك، يركز ىذا المطلب على فلسفة الفصل بُت السلطات، وتطبيقو العملي، ودور الربدلاف كضابط طبيعي للسلطة التنفيذية، ابإلضافة إىل الثقافة المؤسسية الضرورية لتثبيت ىذا التوازف. يوضح ىذا المطلب أف الفصل بُت السلطات ليس رلرد نص دستوري، بل شلارسة يومية ضرورية دلنع أي سلطة من اذليمنة على مؤسسات الدولة.

الفرع الأول: القوى يف التوازن – فلسفة الفصل بني السلطات

يشكل مبدأ الفصل بُت السلطات حجر الزاوية للحفاظ على الدقلقراطية، حيث قلنع أي سلطة من السيطرة على مؤسسات الدولة كافة، ويعتمد ىذا المبدأ على الفكرة الأساسية دلونتسكيو، اليت ترى أف احلرية السياسية ال قلكن حتقيقها إال إذا كانت السلطات الثالث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، مستقلة عن بعضها البعض (Montesquieu، 0121). بدوف ىذه االستقاللية، قلكن ألي سلطة، خاصة التنفيذية، أف تستغل التفويض الشعيب لتوسيع صالحياهتا خارج الإطار القانوين، شلا يؤدي إىل ىيمنة مؤسسية تدرغلية تقوض التوازف الدقلقراطي (Montesquieu، 0121، 280

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

صفحة 020). إف فهم ىذه الفلسفة يعطينا قاعدة صلبة لتقييم الأنظمة احلديثة، وبياف أف النصوص الدستورية وحدىا ال تكفي إذا مل يصاحبها تطبيق عملي فعال للرقابة والتوازف بُت السلطات. تطبيق ىذا المبدأ يف الواقع يتطلب آليات واضحة حتدد صالحيات كل سلطة ودتنع تدخل أي جهة يف عمل الأخرى (Huq، 0202، صفحة 27). فمثًال، غلب أف تظل السلطة التشريعية قادرة على سن القوانُت ومراقبة تنفيذىا دوف أي تدخل مباشر من السلطة التنفيذية، وأف تكوف المحاكم مستقلة يف تفسَت الدستور ومراجعة القرارات احلكومية.72 كما أف وجود مؤسسات رقابية مستقلة، مثل المحاكم الدستورية، يضيف بعدا عمليا للفصل بُت السلطات، ً ً وغلعل أي زلاولة لًتكيز السلطة مرئية وواضحة للمواطنُت واجملتمع الدويل (Diamond، Developing Democracy، 0111، صفحة 72). لكن الفعالية احلقيقية للفصل بُت السلطات تعتمد على ثقافة سياسية مؤسسية، ال تقتصر على النصوص القانونية.، ففي العديد من الدول، صلد أف الدساتَت تنص على الفصل بُت السلطات، لكن السلطة التنفيذية تسيطر عمليا على الربدلاف والقضاء، شلا يفرغ النصوص من مضموهنا وغلعل الدقلقراطية شكلية، لذلك، ال بد من تعزيز الوعي ً المؤسسي والثقافة الدقلقراطية داخل مجيع أجهزة الدولة، حبيث يصبح الفصل بُت السلطات قاعدة سلوؾ وليس رلرد نص دستوري، ما يضمن عد استغالل التفويض الشعيب لتوسيع النفوذ الفردي أو اذليمنة على المؤسسات (Diamond، Democracy Developing، 0111). تعترب الرقابة على السلطة التنفيذية نتيجة مباشرة دلبدأ الفصل بُت السلطات، إذ ال قلكن ذلذا المبدأ أف ػلقق فعاليتو ُ مبجرد النص عليو دوف وجود آليات فعلية تضمن توازنو داخل الممارسة السياسية. فادلقصود ابلرقابة ىنا ليس اجلانب الشكلي أو الإجرائي فحسب، وإظلا منظومة متكاملة من الأدوات المؤسسية اليت تتوزع بُت الربدلاف وىيئات الرقابة والقضاء الدستوري، مبا يسمح مبساءلة العمل احلكومي ومتابعة مدى التزامو ابلقانوف والدستور. ومن ىذا المنظور، فإف القيمة احلقيقية ذلذه الرقابة ال تتجلى يف وجودىا القانوين، بل يف قدرهتا العملية على احلد من االضلراؼ يف استعمال السلطة ومنع ترّكز القرار السياسي داخل السلطة التنفيذية، وىو ما غلعلها أحد أىم ضماانت التوازف داخل النظا الدقلقراطي احلديث وعليو، فإف فعالية الفصل بُت السلطات تقاس مبدى تفعيل ىذه الرقابة المتبادلة أكثر من رلرد توزيع االختصاصات بُت المؤسسات. )83 p. ,1998 ,A.Dah(

الفرع الثاني: الربدلان كضابط طبيعي للسلطة

يعد الربدلاف العمود الفقري للرقابة على السلطة التنفيذية، فهو قلثل التعبَت المؤسسايت عن إرادة الشعب وقللك أدوات قوية دلساءلة احلكومة مثل االستجواب، وجلاف التحقيق، وسحب الثقة، تفعيل ىذه الأدوات غلعل الربدلاف قادرا ً على تقييد السلطة التنفيذية ومنعها من االنف راد ابلقرارات المصَتية. إف الربدلاف القوي ىو عنصر جوىري يف صوف 281

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

الدقلقراطية ألنو ؼللق توازان طبيعيا بُت سلتلف السلطات، وقلنع أي جهة من فرض ىيمنتها على مجيع المؤسسات حتت ً ً شعار التفويض الشعيب (Schedler، 0220، صفحة 77). لكن دور الربدلاف ال يقتصر على الرقابة فحسب، بل قلتد إىل المراجعة التشريعية الدقيقة للقوانُت والسياسات، وإعادة التوازف بُت السلطات عند اضلرافها وجود أحزاب معارضة قوية ووسائل إعال حرة قلكن الربدلاف من أداء مهامو بشكل فعال، ويقلل من فرص استغالل التفويض الشعيب لتحقيق أىداؼ فردية أو حزبية. كما أف الربدلاف قلثل أيضا ً منصة حلوار سياسي مستمر، يضمن مشاركة اجملتمع يف الرقابة وؼللق ثقافة الشفافية وادلساءلة (Schedler، 0220، صفحة 71). لذلك، يصبح الربدلاف، مع احلقوق واحلرًيت العامة، أداة زلورية للحفاظ على التوازف الدقلقراطي ومحاية المواطنُت من أي زلاوالت لًتكز السلطة. فهو ال يكتفي بدور شكلي، بل يتحول إىل جسم فعال قادر على فرض حدود على السلطة التنفيذية، مبا يعزز من فعالية المؤسسات الدقلق راطية وػلافظ على إرادة الشعب احلقيقية بعيدا عن أي حتايل على ً الشرعية االنتخابية. يلعب الربدلاف التمثيلي وادلتعدد الأحزاب دورا زلورًي يف صوف التوازف الدقلقراطي، ألنو قلثل إرادة الشعب بشكل ً ً مباشر وقلنح المواطنُت صوات يف الرقابة على السلطة التنفيذية. وجود أحزاب معارضة قوية يتيح نقاشا حقيقيا حول ً ً ً السياسات احلكومية وػلد من إمكانية فرض أجندة فردية أو حزبية على اجملتمع. كما أف المشاركة الربدلانية الفعالة تشجع على بناء توافق سياسي واسع، شلا يقلل من احتمالية الصراعات المؤسسية وؼللق ثقافة سياسية تقدر التعددية والرقابة المستمر، ومع ذلك، فإف قدرة الربدلاف على أداء دوره كآلية ضد االستبداد ليست تلقائية، بل تتوقف على توفر شروط مؤسسية وسياسية زلددة، أعلها التعددية احلزبية الفعلية، وضماف حرية المنافسة السياسية، واستقالل وسائل الإعال، إضافة إىل وجود قواعد دستورية حتمي عمل المعارضة داخل المؤسسة التشريعية. فعندما تتوفر ىذه الشروط، يتحول الربدلاف من رلرد جهاز دتثيلي إىل فضاء فعلي للرقابة وادلساءلة، قادر على كبح تغول السلطة التنفيذية ومنع اضلرافها ضلو ّ اذليمنة. ويف ىذا الإطار، يؤكد الأدب الدقلقراطي أف فعالية المؤسسات التمثيلية يف احلد من االستبداد ترتبط بدرجة تعدد مراكز القوة داخل النظا السياسي، وليس مبجرد وجود الربدلاف شكليا (A.Dah، 0112، صفحة 000). ً عّد رللس العمو أحد أىم أدوات تقييد ُ ويظهر الدور المزدوج للربدلاف بوضوح يف التجربة الربدلانية الربيطانية، حيث ي السلطة التنفيذية داخل نظا يقو على التوازف بُت احلكومة وادلعارضة. فخالل عدة زلطات سياسية، أدت جلسات المساءلة وجلاف التحقيق الربدلانية إىل كشف جتاوزات حكومية وإجبار الوزراء على االستقالة أو تعديل سياساهتم، كما حدث يف قضاًي تتعلق إبدارة احلرب على العراق أو بعض ملفات الفساد الإداري. ىذا المثال يربز أف الربدلاف ال يكوف رلرد مؤسسة تشريعية، بل قلكن أف يتحول إىل آلية فعالة للرقابة واحملاسبة عندما تتوفر لو استقاللية حقيقية ومعارضة قوية قادرة على شلارسة الضغط السياسي داخل الإطار الدستوري. )58 p. ,2013 ,Norton( 282

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15
المطلب الثاني: الضماانت الدستورية واحلقوقية كحاجز للهيمنة

الأدوات القانونية والدستورية واحلقوقية اليت تكفل محاية النظا الدقلقراطي من االضلراؼ واالنفراد ابلسلطة. فاحلقوق واحلرًيت الأساسية، مثل حرية التعبَت والتنظيم والتظاىر، إىل جانب استقالل القضاء، تشكل خط الدفاع الأول ضد أي زلاوالت لًتكيز السلطة أو استغالل التفويض الشعيب بشكل تعسفي. كما يربز ىذا المطلب أعلية مؤسسات ُ رقابية مستقلة وفعالة، تضمن تطبيق ىذه احلقوق وحتافظ على إرادة الشعب احلقيقية، مبا ػل ول دوف حتول الدقلقراطية ّ الشكلية إىل أداة للهيمنة الفردية أو المؤسسية.

الفرع الأول: استقالل القضاء كحاجز أساسي

يشكل القضاء المستقل خط الدفاع الأول ضد االضلرافات الدقلقراطية، فهو قادر على مراقبة دستورية القوانُت والقرارات احلكومية ومحاية احلقوق الأساسية. االستقالل القضائي يضمن أف أي سلطة، حىت المنتخبة، ال قلكنها جتاوز حدودىا القانونية حتت غطاء التفويض الشعيب. القضاء ليس رلرد مؤسسة تقنية، بل قلثل عنصرا ثقافيا وسياسيا يعكس ً ً ً التزا الدولة مببادئ الدقلقراطية والعدالة (Tom، 0227، صفحة 002). حتقيق استقالل القضاء ػلتاج إىل ضوابط واضحة لتعيُت القضاة، مدة واليتهم، ومحايتهم من الضغوط السياسية . بدوف ىذه الضماانت، يتحول القضاء إىل أداة شكلية، ويصبح صعوبة الرقابة على االضلرافات الدقلقراطية شبو مستحيلة. وغلب أف تتم ىذه اآلليات ضمن إطار دستوري يضمن حيادية القضاء، حبيث قلكنو الرقابة على احلكومة ومحاية المواطنُت من جتاوزات السلطة، سواء كانت فردية أو مؤسسية (Tom، 0227، صفحة 002). وجود زلاكم دستورية وىيئات رقابية مستقلة يعزز من قدرة القضاء على منع أي سلطة من استغالل التفويض الشعيب للهيمنة .كما ؼللق ىذا االستقالل بيئة توازف بُت السلطات، ويضمن أف احلقوق واحلرًيت الأساسية ال تستغل ُ كأداة سياسية، بل تطبق بشكل ػلمي الدقلقراطية وقلنع أي سلطة من جتاوز احلدود القانونية والدستورية ,Ginsburg( ُ .2003, p. 64) استقاللية القضاء تعد حجر الزاوية يف محاية المؤسسات الدقلقراطية من االضلراؼ. إذ أف أي تسييس للقضاء أو تدخل السلطة التنفيذية يف تعيُت القضاة يفتح اجملال الستغالل القانوف لتحقيق أىداؼ السلطة بدالً من محاية احلقوق. القضاء المستقل يضمن مراقبة دستورية القوانُت والسياسات احلكومية، ويشكل وسيلة للحد من جتاوزات السلطة التنفيذية أو أي زلاولة إلعادة ىندسة النظا السياسي لصاحل جهة واحدة. هبذا يصبح القضاء أداة عملية حلفظ التوازف بُت السلطات وليس رلرد نص شكلي على الورق. 283

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16
الفرع الثاني: احلقوق واحلرايت كأدوات لضبط السلطة

تعد احلقوق واحلرًيت الأساسية، مثل حرية التعبَت والتنظيم والتظاىر، أدوات رقابية فعالة على السلطة التنفيذية. ّ فهي تتيح للمواطنُت مراقبة قرارات احلكومة وزلاسبتها، مبا ػلد من إمكانية استغالل التفويض الشعيب لتوسيع صالحيات جهة واحدة. ىذه احلقوق ليست رلرد امتيازات فردية، بل تشكل جزءا من نظا الرقابة اجملتمعية على السلطة، وتضمن ً استمرار التوازف الدقلقراطي (Diamond، Democracy Developing، 0111، صفحة 42). تفعيل ىذه احلقوق يتطلب وجود إطار قانوين ومؤسسات رقابية مستقلة قادرة على ضماف التطبيق الفعلي ذلذه احلرًيت، إىل جانب إعال حر وانشط، ىذا المزيج ؼللق بيئة شفافة، حيث تصبح احلكومة خاضعة للمساءلة المستمرة، ويصعب عليها فرض أي سيطرة أو ىيمنة على المؤسسات حتت شعار التفويض الشعيب. ابإلضافة إىل ذلك، تساىم محاية احلقوق واحلرًيت يف تعزيز ثقافة التعددية واحلوار السياسي، وتقلل من سلاطر االستقطاب واذليمنة الفردية على السياسة العامة، فادلواطنوف، عندما يكونوف قادرين على التعبَت وادلشاركة حبرية، يصبحوف شركاء يف مراقبة السلطة، شلا ػلافظ على الدقلقراطية وػلول دوف حتول التفويض االنتخايب إىل أداة لتوسيع السلطة أو فرض إرادة جهة واحدة على اجملتمع (Diamond، Democracy Developing، 0111، صفحة 47). تعد احلقوق واحلرًيت العامة، مبا يف ذلك حرية التعبَت والتنظيم والتظاىر، أحد أعمدة الرقابة اجملتمعية على ُ السلطة. فهي دتنح المواطنُت القدرة على التعبَت عن آرائهم والنقد وادلساءلة بشكل مباشر، ما ؼللق ضغطًا مستمرا على ً احلكومة لاللتزا ابلقوانُت وادلعايَت الدقلقراطية. غياب ىذه احلقوق يؤدي إىل إضعاؼ الرقابة الشعبية ويزيد من فرص استغالل التفويض االنتخايب، يف حُت أف محايتها تعزز مشاركة اجملتمع المدين يف منع تركيز السلطة وإعادة توزيع النفوذ بُت سلتلف الأطراؼ السياسية. 284

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

اخلامتة يتضح من خالل التحليل الدستوري الذي اعتمده ىذا المقال أف الدقلقراطية ، رغم كوهنا أفضل النماذج السياسية المعاصرة من حيث المشروعية و المشاركة ، ليست مبنأى عن االضلراؼ . فقد اظهرت الدراسة أف القواعد الدقلقراطية المستمدة من مبدأ سيادة الشعب قلكن ، يف ظل غياب الضوابط الدستورية و الثقافة السياسية المناسبة ، أف تتحول إىل مدخل لظهور ظلط جديد من االستبداد ، ىو تركيز السلطة أو االستبداد المنتخب . لقد بُت المقال أف ىذا النمط ال يقو على إلغاء الدقلقراطية صراحة ،بل على توظيفها و استغالل آلياهتا ، خاصة االنتخاابت و الدستور ، إلعادة ىندسة النظا السياسي مبا يسمح بًتكيز السلطة و تفويض مبدأ الفصل بُت السلطات . كما تبُت أف اخطر مظاىر ىذا االستبداد تكمن يف هتميش الربدلاف ،و تطويع القضاء ، و احلد من احلقوق و احلرًيت ابسم الشرعية الشعبية . فًتكيز السلطة ال ػلدث عادة عرب االنقالابت أو تعليق الدستور، بل يتم بشكل تدرغلي وداخل الإطار القانوين نفسو، من خالل أدوات تبدو مشروعة مثل تعديل الدستور، أو التحكم يف القوانُت االنتخابية، أو توسيع صالحيات احلكومة. وىذا ما غلعل ىذه الظاىرة أكثر خطورة ألهنا تتخفى داخل الشرعية الدستورية. وعليو قلكن القول إف الدقلقراطية ال ختتزل يف رلرد سيادة عددية أو تفويض انتخايب ، بل تقو أساسا على منظومة دستورية متكاملة توازف بُت إرادة الشعب و محاية احلقوق ،وبُت الشرعية السياسية و القيود القانونية . وأي إخالل هبذا التوازف يفتح الباب أما استبداد يتخذ من الدقلقراطية غطاء و مصدرا للمشروعية ، وىو ما يفرض إعادة التفكَت يف آليات حتصُت الدقلقراطية دستورًي و مؤسساتيا . تعتمد فعالية أي نظا دقلقراطي على ثقافة سياسية مؤسسية قوية تدعم تطبيق النصوص القانونية بشكل عملي. فوجود دساتَت مكتوبة وحدىا ال يكفي لضماف عد اضلراؼ السلطة، بل غلب أف تصاحبها شلارسات يومية حتًت الفصل بُت السلطات وتراقب السلطة التنفيذية. التوازف الدقلقراطي ػلتاج إىل وعي دائم من قبل مجيع المؤسسات، مبا يشمل الأجهزة احلكومية، الربدلاف، القضاء، وادلواطنُت، حبيث يصبح كل طرؼ مسؤوًال عن احلفاظ على إرادة الشعب ومنع أي جهة من اذليمنة على النظا السياسي. يف النهاية، قلكن القول إف صوف التوازف الدقلقراطي ومنع تركيز السلطة ليس مهمة واحدة أو آلية وحيدة، بل ىو نظا متكامل من الضوابط المؤسسية، احلقوقية، والثقافية .ىذه اآلليات تعمل معا لضماف أف التفويض الشعيب يظل أداة ً دلمارسة الدقلقراطية وليس ذريعة للهيمنة الفردية أو المؤسسية. تعزيز المؤسسات المستقلة، محاية احلقوق واحلرًيت، وضماف ثقافة سياسية مسؤولة، كلها عناصر ضرورية لتثبيت الدقلقراطية الفعلية، حبيث تظل إرادة الشعب زلمية، ويصبح النظا قادرا على مواجهة أي زلاوالت لالضلراؼ أو السيطرة على السلطة بشكل أحادي. ً 285

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

قائمة المصادر وادلراجع أولا ابللغة العربية المفوضية الأوروبية. (0200). تقرير سيادة القانوف . بروكسل، . جاف جاؾ روسو. (0202). العقد الإجتماعي، ترمجة عربية. بَتوت: دار الطليعة. جوف لوؾ. (0222). رسالتاف يف احلكم المدين ، ترمجة عربية. القاىرة: دار الكتاب العريب. رقية سكيل. (02 جواف، 0200). العمل عن بعد كأسلوب حديث لتنظيم العمل-المفهو واخلصوصية.- الدراسات القانونية المقارنة، الصفحات -0270 .0247 سليماف الطماوي. (0222). السلطات العامة يف الدساتَت العربية. القاىرة: دار النهضة. عبد الرزاق السنهوري. (0111). فقو الدستوري. القاىرة: دار النهضة العربية. عمار بوضياؼ. (0200). النظا الدستوري اجلزائري. اجلزائر: دار جسور للنشر والتوزيع. دمحم فاضل بنيعيش. (0110). القانوف الدستوري و النظم السياسة. القاىرة: دار النهضة. ىيومن رايتس ووتش. (0207). التقرير العادلي. نيويورؾ. اثنيا ابللغة الأجنبية A.Dah, R. (1998). On Democracy. New Haven: Yale University Press. Ackerman, B. (1991). We The People,Harvard University Press. Cambridge: Harvard University Press. Applebaum, A. (2020). Twilight of Democracy. New York: Doubleday. Bugaric, B. (2019). Populism and Democratic Erosion. Annual Review of Law and Social Science, 15, p. 27. Burdeau, G. (1956). La démocratie. Paris: Seuil. Burdeau, G. (1963). Traité de sciences politique. paris: LGDJ. Caracassonne, G. (2002). La Constitution . Paris: Seuil. Dahl, R. (2001). De la démocratie. Paris: Flammarion. Daly, T. (2018). Democratic Decay. Oxford: Oxford University Press. Diamond, L. (1999). Developing Democracy. Baltimore: Johns Hopkings University Press. Diamond, L. (1999). Developing Democracy. Johns Hopkins University Press. Duguit, L. (1921). traité de droit constitutionnelle. paris: Edition de Boccard. Ginsburg, T. (2003). Judicial Review in New Democracies. Cambridge University Press. Huq, G. &. (2018). How to Save a Constitutional Democracy. Chicago: University of Chicago Press. Kelsen, H. (1929). La démocratie. paris: Dalloz. Louis Favoreu, L. c. (1999). Les cours cinstitutionnelles. Paris: PUF. Montesquieu. ( 1989). The Spirit of the Laws. Cambridge: Cambridge University Press. Mouffe, C. (2000). The Democratic Paradox. London: Verso. Norton, P. (2013). Parliaments in Contemporary Western Europe. London: Routledge. P.Huntington, S. (1991). The Third Wave. Norman : University of Oklahoma Press. Pactet, P. (2005). Instirutions politiques et droit constitutionne. paris: Dalloz. Rawls, J. (1971). A Theory of Justice,Havard University Presse. Cambridge: ,Havard University Press. 286

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

Schedler, A. (2002). The Menu of Manipulation. Journal of Democracy, 13(2), p. 37. Schmitt, C. (1932). la notion de politique. paris: Flammarion. Schmitt, C. (1988). Théorie de la constitution. paris: Gallimard. Tom, G. (2003). Judicial Review in New Democracies. Cambridge: Cambridge University Press. Troper, M. (2015). La théorie du droit constitutionnel. paris: LGDJ. Way, S. L. (2010). Competitive Authoritarianism. Cambridge: Cambridge University Press. 287