آثار توسيع دور النيابة العامة على فعالية العدالة الجنائية على ضوء القانون رقم 41-52 (1) كهينة بطوش ، (7) أستاذة محاضرة قسم "ب"، جامعة مولود معمري تيزي وزو، الج ازئر. البريد الإلكتروني: [email protected] الملخص: يعد القانون رقم 41-52 من بين النصوص التشريعية الحديثة التي كرست توجها واضحا نحو إعادة هيكلة منظومة ُ ّ ّ ً ً العدالة الجنائية، من خالل توسيع دور النيابة العامة وتعزيز موقعها ضمن م ارحل الدعوى العمومية، فلقد كرس المشرع، بموجب هذا القانون، االنتقال بالنيابة العامة من دور تقليدي قائم أساسا على تحريك الدعوى العمومية، إلى ّ ً دور أكثر ديناميكية يقوم على الإش ارف والتوجيه والرقابة، وال سيما في مرحلة البحث والتحري، وتمكينها من اعتماد بدائل المتابعة الج ازئية. وقد انعكس ذلك إيجابا على سرعة الفصل في القضايا، وترشيد اللجوء إلى الدعوى العمومية، ً والحد من تكدس الملفات أمام الجهات القضائية. رغم ما يحققه توسيع صالحيات النيابة العامة من نجاعة إج ارئية، فإنه يثير إشكاالت قانونية تتعلق بضرورة احت ارم الضمانات الإج ارئية وحقوق الدفاع وقرينة الب ارءة، وتبقى فعالية العدالة الجنائية في ظل هذا القانون رهينة بتحقيق توازن بين السرعة والفعالية من جهة وضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية من جهة أخرى. الكلمات المفتاحية: وكيل الجمهورية، النيابة العامة، دعوى، إج ارءات، ج ازئية، صالحيات، الوساطة، المثول الفوري . تاريخ إرسال المقال: 1512/50/21، تاريخ قبول المقال: 1512/52/52، تاريخ نشر المقال: 1512/52/30 المؤلف المارسل: كهينة بطوش، [email protected] المجلد 71، العدد 0102-17
أثار توسيع دور النيابة العامة على فعالية العدالة الجنائية على ضوء القانون رقم 25-14
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
يُعدّ القانون رقم 25-14 من بين النصوص التشريعية الحديثة التي كرّست توجهًا واضحًا نحو إعادة هيكلة منظومة العدالة الجنائية، من خلال توسيع دور النيابة العامة وتعزيز موقعها ضمن مراحل الدعوى العمومية، فلقد كرس المشرّع، بموجب هذا القانون، الانتقال بالنيابة العامة من دور تقليدي قائم أساسًا على تحريك الدعوى العمومية، إلى دور أكثر ديناميكية يقوم على الإشراف والتوجيه والرقابة، ولا سيما في مرحلة البحث والتحري، وتمكينها من اعتماد بدائل المتابعة الجزائية. وقد انعكس ذلك إيجابًا على سرعة الفصل في القضايا، وترشيد اللجوء إلى الدعوى العمومية، والحد من تكدس الملفات أمام الجهات القضائية. رغم ما يحققه توسيع صلاحيات النيابة العامة من نجاعة إجرائية، فانه يثير إشكالات قانونية تتعلق بضرورة احترام الضمانات الإجرائية وحقوق الدفاع وقرينة البراءة، وتبقى فعالية العدالة الجنائية في ظل هذا القانون رهينة بتحقيق توازن بين السرعة والفعالية من جهة وضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية من جهة أخرى. Law No. 25-14 is considered one of the modern legislative texts that reflects a clear orientation toward restructuring the criminal justice system by expanding the role of the Public Prosecution and strengthening its position throughout the stages of criminal proceedings. Through this law, the legislator transformed the Public Prosecution from its traditional role, mainly limited to initiating public action, into a more dynamic institution entrusted with supervision, guidance, and oversight, particularly during the investigation and inquiry phase, while empowering it to adopt alternatives to criminal prosecution. This development has positively contributed to accelerating case resolution, rationalizing the use of public prosecution, and reducing case congestion before criminal courts. Nevertheless, despite the procedural efficiency achieved through the expansion of prosecutorial powers, this reform raises legal concerns related to procedural safeguards, defense rights, and the presumption of innocence, making criminal justice effectiveness dependent on balancing efficiency with fair trial guarantees and fundamental rights protection. La Loi n° 25-14 constitue l’un des textes législatifs modernes visant la restructuration du système de justice pénale par le renforcement du rôle du ministère public à toutes les étapes de l’action publique. Elle fait évoluer ce dernier d’une fonction traditionnelle de mise en mouvement de l’action publique vers un rôle plus dynamique fondé sur la supervision, l’orientation et le contrôle, notamment durant l’enquête, tout en lui permettant de recourir à des alternatives aux poursuites pénales et d’améliorer l’efficacité judiciaire. Cependant, malgré l’efficacité procédurale résultant de cet élargissement des pouvoirs, cette réforme soulève des questions juridiques relatives au respect des garanties procédurales, des droits de la défense et de la présomption d’innocence. Ainsi, l’efficacité de la justice pénale dépend de la recherche d’un équilibre entre célérité et efficacité d’une part, et garanties du procès équitable ainsi que protection des droits et libertés fondamentales d’autre part.
بطوش, كهينة، "أثار توسيع دور النيابة العامة على فعالية العدالة الجنائية على ضوء القانون رقم 25-14"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 137-156.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
20 صفحات مرقمةThe Impact of Expanding the Role of the Public Prosecution on the Effectiveness of Criminal Justice in Light of Law No. 25-14 Abstract : Law No. 25-14 is one of the recent legislative enactments reflecting a clear orientation towards restructuring the criminal justice system through the expansion of the role of the Public Prosecution and the strengthening of its position throughout the various stages of criminal proceedings. By virtue of this law, the legislator has transformed the Public Prosecution from its traditional role, essentially limited to the initiation of public proceedings, into a more dynamic institution entrusted with functions of supervision, direction and oversight, particularly during the stages of investigation and inquiry, while empowering it to resort to alternatives to criminal prosecution. This development has contributed positively to expediting the settlement of cases, rationalising recourse to public proceedings, and reducing case congestion before judicial authorities. Notwithstanding the procedural efficiency resulting from the expansion of prosecutorial powers, this reform raises legal concerns relating to the observance of procedural safeguards, the rights of the defence, and the presumption of innocence. Consequently, the effectiveness of criminal justice under this law remains contingent upon achieving a balance between procedural efficiency and promptness, on the one hand, and the guarantees of a fair trial and the protection of fundamental rights and freedoms, on the other. Keywords: Public Prosecutor, Public Prosecution, Public Proceedings, Criminal Procedure, Prosecutorial Powers, Mediation, Immediate Appearance. L’impact de l’élargissement du rôle du ministère public sur l’efficacité de la justice pénale à la lumière de la Loi n° 25-14 Résumé : La Loi n° 25-14 constitue l’un des textes législatifs modernes visant la restructuration du système de justice pénale par le renforcement du rôle du ministère public à toutes les étapes de l’action publique. Elle fait évoluer ce dernier d’une fonction traditionnelle de mise en mouvement de l’action publique vers un rôle plus dynamique fondé sur la supervision, l’orientation et le contrôle, notamment durant المجلد 71، العدد 0102-17
l’enquête, tout en lui permettant de recourir à des alternatives aux poursuites pénales et d’améliorer l’efficacité judiciaire. Cependant, malgré l’efficacité procédurale résultant de cet élargissement des pouvoirs, cette réforme soulève des questions juridiques relatives au respect des garanties procédurales, des droits de la défense et de la présomption d’innocence. Ainsi, l’efficacité de la justice pénale dépend de la recherche d’un équilibre entre célérité et efficacité d’une part, et garanties du procès équitable ainsi que protection des droits et libertés fondamentales d’autre part. Mots clés: Procureur de la république, ministère public, action en justice, procédures, pénales, prérogatives, médiation, comparution immédiate .
تعد النيابة العامة أحد الأعمدة الأساسية في النظام القضائي الج ازئ ري، وذلك نظ ار لدورها المحوري واألساسي في تحريك الدعوى العمومية ومباشرتها، باسم المجتمع، فهي تمثل المصلحة العامة وتسهر على حماية النظام العام واحت ارم القانون، إذ تعتبر همزة وصل أساسية بين أجهزة الضبطية القضائية والجهات القضائية المختصة. عرف قانون الإج ارءات الج ازئية في السنوات الأخيرة عدة تعديالت، فرضتها التحوالت االقتصادية واالجتماعية وظهور أنماط جديدة من الج ارئم كالجريمة المنظمة والج ارئم االقتصادية والمالية، الأمر الذي دفع بالمشرع إلى إعادة النظر في مكانة النيابة العامة داخل المنظومة الجنائية باعتبا رها الفاعل الرئيسي والمح وري ّ في تحريك الدعوى العمومية واإلش ارف على مسارها. ولقد جاء القانون رقم 41-52المتعلق باإلج ارءات الج ازئية ليكرس هذا االتجاه من خالل توسيع دور النيابة العامة وتعزيز صالحياتها في م ارحل التحقيق االبتدائي والقضائي وكذلك في عالقتها مع جهات الحكم والتنفيذ. يهدف هذا الموضوع إلى معالجة مدى مساهمة توسيع صالحيات النيابة العامة في تحقيق فعالية العدالة الج ازئية والكشف عن انعكاساته العملية على مسار الدعوى العمومية مع الوقوف على حدود هذا التوسيع في ضوء الضمانات القانونية المقررة لحماية حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. تظهر أهمية الموضوع في كونه يالمس صميم الإصالحات الجنائية الحديثة، ويساهم في تقييم السياسة الجنائية المعتمدة، كما يكتسي بعدا عمليا بالنظر إلى أثره المباشر على حقوق الأف ارد وحسن سير العدالة. وعليه تتمحور إشكالية هذا المقال في التساؤل إلى أي مدى يعكس توسيع دور النيابة العامة بموجب القانون رقم 41-52 توازنا بين سرعة الإج ارءات الج ازئية وحماية الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة؟ المجلد 71، العدد 0102-17
لإلجابة على الإشكالية المطروحة تم االعتماد على المنهج الوصفي التحليلي في معالجة هذا الموضوع وذلك من خالل تحليل النصوص القانونية ذات الصلة وبيان مظاهر توسيع دور النيابة العامة وأثر ذلك على المنظومة القضائية الج ازئرية، ولقد تم تقسيم هذه الد ارسة إلى مبحثين، حيث تم التطرق إلى توسيع دور النيابة العامة بموجب القانون رقم 41-52 (المبحث الأول)، وثم الوقوف على تحديد آثار توسيع مهام النيابة العامة على حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة أو على فعالية العدالة الجنائية (المبحث الثاني).
ي عد الوقوف عند توسيع دور النيابة العامة مدخال أساسيا لفهم التحوالت التي عرفتها المنظومة الجنائية في ُ ّ ظل القانون رقم 52 - 141 ، لما لهذا التوسيع من أثر مباشر في تعزيز فعالية العدالة الجنائية وتطوير آليات المتابعة والتحقيق. وقد سعى المشرع من خالل هذا القانون إلى تدعيم مكانة النيابة العامة ومنحها صالحيات ّ أوسع بما ينسجم مع متطلبات السياسة الجنائية الحديثة وحسن سير العدالة. ومن ثم، يقتضي الأمر بدايًة تحديد ّ الأساس القانوني الذي استند إليه هذا التوسيع وبيان مرتك ازته التشريعية (المطلب الأول)، ثم إب ارز أهم مظاهر توسيع صالحيات النيابة العامة في مختلف م ارحل الدعوى العمومية وما ترتب عنها من آثار إج ارئية وعملية (المطلب الثاني).
يعد توسيع دور النيابة العامة من أبرز الإصالحات التي عرفتها المنظومة القضائية الج ازئرية، باعتبارها ُ ّ جها از أساسيا في حماية النظام العام وضمان احت ارم القانون. وقد جاء القانون رقم 41-52 ليكرس هذا التوجه ً ً ّ من خالل تعزيز صالحيات النيابة العامة وتوسيع نطاق تدخلها بما يحقق فعالية العدالة وحسن سير القضاء. وعليه، تقتضي د ارسة الإطار القانوني لهذا التوسيع بيان مكانة النيابة العامة داخل التنظيم القضائي الج ازئ ري ودورها في تحقيق التوازن بين سلطة االتهام وضمانات المحاكمة العادلة (الفرع الأول)، ثم التطرق إلى الأسس التشريعية والمستجدات التي أقرها القانون رقم 41-52 (الفرع الثاني). 1 قانون رقم 41-52 مؤرخ في 30 غشت 5352، يتضمن قانون الإج ارءات الج ازئرية، جريدة الرسمية العدد 21، الصادر في40 غشت .5352 المجلد 71، العدد 0102-17
تحتل النيابة العامة مكانة محورية وأساسية في المنظومة القضائية الج ازئرية، ألنها تمثل المجتمع والدولة في حماية الشرعية وسيادة القانون، فهي جهاز قضائي ال إداري، وتعد جزءا من السلطة القضائية، وتدخلها في ّ الخصومة ليس لمصلحة جهة معينة بل تحقيقا للعدالة واحت ارم القانون . أعاد المشرع بموجب القانون رقم 52 - 41 المتضمن قانون الإج ارءات الج ازئية رسم مكانة النيابة العامة داخل المنظومة القضائية من خالل توسيع نطاق تدخلها في مختلف م ارحل الدعوى العمومية، ومنحها دوار مح وريا في تحريكها وإدارتها واإلش ارف على إج ارءات البحث والتحري، فضال عن تفعيل البدائل الج ازئية الحديثة. بناء على ذلك تعد النيابة العامة طرفا أصليا في الخصومة الج ازئية، وكما تشارك أيضا في بعض القضايا ّ المدنية وقضايا شؤون الأسرة متى تعلق الأمر بالنظام العام. تستخلص هذه المكانة التي منحها المش رع الج ازئري للنيابة العامة من مجمل الأحكام المنظمة لصالحياتها ّ الواردة والمستحدثة بموجب قانون الإج ارءات الج ازئية الجديد، وعالقتها بكل من الضبطية القضائية وقضاة الحكم، مما يجعل منها فاعال أساسيا في تنفيذ السياسة الجنائية للدولة، ولكن هذه المكانة الممنوحة للنيابة ال تمنع من إخضاع تصرفاتها لرقابة القضاء ضمانا لمبادئ الشرعية وحقوق الدفاع. وعليه فالنيابة العامة ليست مجرد جهة اتهام، بل مؤسسة قضائية فاعلة تساهم في تحقيق التوازن بين حق الدولة في توقيع العقاب وحقوق الأف ارد، مما يجعلها ركيزة أساسية في بناء العدالة وسيادة القان ون .
يقوم الأساس التشريعي لتوسيع دور النيابة العامة في القانون الج ازئري أساسا على أحكام قانون الإج ارءات الج ازئية، الذي منحها صالحيات واسعة جعلتها الطرف الرئيسي في الدعوى العمومية، حيث تختص بتحريكها ومباشرتها، الإش ارف على أعمال الضبطية القضائية، والتصرف فيها عن طريق الحفظ أو المتابعة، إلى جانب دورها الفعال في مرحلتي التحقيق والحكم من خالل تقديم الطلبات والطعون في الأحكام والق ارارت القضائية 2 . يكون المشرع الج ازئري بذلك قد كرس في القانون رقم 41-52 مجموعة من المقتضيات التي وسعت وعززت من صالحيات النيابة العامة، سواء من حيث توسيع اختصاصاتها أو تدعيم سلطتها الإش ارفية، مما يضمن حضورها الفعلي في مختلف م ارحل الدعوى العمومية. لقد حدد المشرع بموجب مجموعة من المواد القانونية في القانون السالف الذكر، مهام وصالحيات النيابة على ّ ّ نحو أوسع مما كان عليه الحال سابقاً، وذلك باعتبارها ممّثلة للمجتمع ومؤتمنًة على الدعوى العمومية، إذ خولها ّ ّ المشرع، بمقتضى هذا القانون، حق تحريك الدعوى العمومية تلقائيا كّلما تعّلق الأمر بالنظام العام أو بحقوق ّ
الأف ارد، على أساس كونها صاحبة االختصاص الأصيل في تحريكها ومباشرتها، ومن ثم، فإنها تنوب عن ّ ّ المجتمع في المطالبة بتطبيق القانون، وتتولى متابعة كل من يرتكب فعالً إج ارميا أمام الجهة القضائية المختصة ً 3 لتوقيع الج ازء المناسب عليه .
أفرز القانون رقم 41-52 المتعلق بقانون الإج ارءات الج ازئية الجديد، تحوال تشريعيا عميقا في تنظيم الدع وى العمومية، واعتماده على تصور إج ارئي جديد يقوم على توسيع صالحيات النيابة العامة وتعزيز دورها العملي داخل المنظومة الج ازئية، وتتجسد مظاهر هذا التوسيع الذي جاء به المش رع بمقتضى هذا القانون بوضوح، سواء ّ في توسيع الدور الوظيفي للنيابة العامة وسلطتها التقديرية في تسيير الدعوى العمومية (الفرع الأول)، توسيع صالحيات وكيل الجمهورية في التوقيف والمتابعة واإلحالة (الفرع الثاني)، أو تعزيز سلطاتها في مواجهة الج ارئم الخطيرة (الفرع الثالث).
من أبرز مظاهر توسيع صالحيات النيابة العامة بموجب القانون رقم 41-52 انتقالها من دورها التقليدي كطرف أصلي في تحريك الدعوى العمومية ومباشرتها، إلى فاعل إج ارئي محوري يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تسييرها وإنهائها بوسائل متعددة. فقد استحدث المشرع آليات جديدة كبدائل للمتابعة الج ازئية، من بينها الوساطة الج ازئية، إج ارء الصلح، ّ واالتفاقات الج ازئية، التي تخول لوكيل الجمهورية اقت ارح تسويات ج ازئية على المتهمين تقوم على االعت ارف مقابل ّ تخفيف العقوبة، وهو ما يعكس اعتماد مقاربة حديثة قائمة على العدالة التصالحية والنجاعة الإج ارئية.
منح المشرع للنيابة العامة ممثلة من ِ قبل وكيل الجمهورية قبل تحريك الدعوى العمومية، صالحية إج ارء 5 4 الوساطة الج ازئية في أكثر من عشرين جنحة ، كإج ارء بديل للمتابعة الج ازئية من أجل إيجاد حل ودي للن ازع، 3 دالسي يونس، نقيش لخضر، "آليات تحريك الدعوى العمومية في ظل القانون 52-41"، مجلة ضياء للد ارسات القانونية، المجلد 34، العدد 34، 5352، ص .41 4 منح المشرع بموجب أحكام المادة 4/23 من القانون رقم 41-52، لوكيل الجمهورية صالحية اتخاذ قارر اللجوء إلى الوساطة ّ قبل الشروع في أي متابعة ج ازئية، سواء بمبادرة منه أو استجابة لطلب الضحية أو المشتكى منه، بشرط أن يكون من شأن الوساطة وضع حد آلثار الجريمة وجبر الضرر الناتج عنها. 5 حدد المشرع في المادة 14 من القانون رقم 41-52، سالف الذكر، الجنح التي تطبق عليها الوساطة، ونذكر منها، جارئم السب ّ والقذف، خيانة الأمانة، الوشاية الكاذبة، إصدار شيك بدون رصيد، عدم تسليم طفل...الخ. المجلد 71، العدد 0102-17
يكون المشرع الج ازئري بذلك قد زود جهاز النيابة العامة بأداة فعالة تخفف العبء على القضاء وتضمن تحقيق 6 العدالة التصالحية في آن واحد . كما أقر المشرع سلطة المالءمة للنيابة العامة، حيث أن استخدام " يجوز" في نص القانون يمنح ل وكيل ّ الجمهورية سلطة تقديرية واسعة في إمكانية إج ارء الوساطة من عدمه في مواد الجنح التي أوردها المشرع على ّ 7 سبيل الحصر ال المثال . كما أجاز القانون لوكيل الجمهورية أن يكلف أحد الوسطاء بإج ارء الوساطة فعليا مع الإبقاء على سلطة 8 االعتماد والتأشير على المحضر المنجز له ، مما يضمن بقاء الوساطة تحت الرقابة العليا للنيابة العامة. يعتبر إج ارء الوساطة وسيلة من وسائل تسوية الن ازعات التي تنقضي بها الدعوى العمومية، حيث تم النص في المادة 90 من القانون 41-52 على انقضاء الدعوى العمومية بتنفيذ اتفاق الوساطة. كما خول القانون لوكيل الجمهورية االكتفاء بتوجيه تنبيه في المخالفات والجنح البسيطة إلى م رتكب هذه ّ الأفعال، سواء مباشرة أو عن طريق ضابط الشرطة القضائية، كوسيلة وقائية تهدف إلى وضع حد للجريمة دون اللجوء إلى المتابعة القضائية بشرط أن ال تتعدي عقوبة الجنحة أو المخالفة 90 سنوات حبس 9 .
رع لوكيل الجمهورية سلطًة تقديرية في اقت ارح الصلح الج ازئي أو قبوله في بعض الجنح والمخالفات، ّ ول المش ّ خ باعتباره إحدى اآلليات البديلة للمتابعة الج ازئية. ويقوم الصلح الج ازئي على تسوية الن ازع بصورة ودية بين أط ارفه، ّ دون المرور بمرحلة المحاكمة أو تنفيذ العقوبة 10 ، بما يساهم في تحقيق السرعة في الفصل في القضايا وتخفيف العبء عن الجهات القضائية. وقد ن ّظم المشرع إج ارءات الصلح الج ازئي بموجب المواد من 229 إلى 260 من ّ القانون رقم 41-52، سالف الذكر. 6 بساس محمد، عبد السالم نور الدين، "تشريع الوساطة على ضوء مستجدات قانون الإج ارءات الج ازئية 52-41"، مجلة طبنة للدارسات العلمية الأكاديمية، المجلد 34، العدد 35، 5352، ص .121 7 حسين عالم، "الوساطة في المادة الج ازئية وتأثيرها على سير الدعوى العمومية على ضوء القانون رقم 41-52"، مجلة معارف، المجلد 53، العدد 35، ديسمبر 5352، ص 30 و.31 8 انظر إلى المادة /23 0 من القانون 41-52، مرجع سابق. 9 بلول فهيمة، "المستجدات الإج ارئية في المادة الجازئية (د ارسة على ضوء القانون رقم 41-52 الذي يتضمن قانون الإج ارءات الج ازئية")، مجلة العلوم القانونية واالجتماعية، المجلد 43، العدد 1، ديسمبر 5352، ص .243 10 امال بن سعدي، عليان بوزبان، "الصلح كآلية بديلة في الدعوى الج ازئية في القانون الج ازئري "، مجلة البحوث في الحقوق والعلوم السياسية، المجلد 44، العدد 35، 5352، ص .001 المجلد 71، العدد 0102-17
ت عد صالحية النيابة العامة في إب ارم اتفاقية إرجاء المتابعة الج ازئية من أبرز المظاهر الحديثة لتطور دورها ُ في إطار السياسة الجنائية المعاصرة، السيما في مجال الج ارئم االقتصادية والمالية، إذ يجوز لوكيل الجمهورية قبل تحريك الدعوى العمومية وفقا لنص المادة 492، أن يقرر إرجاء متابعة الشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص، سواء تعّلق الأمر بجريمة واحدة أو بعدة ج ارئم، وذلك بالنسبة لألفعال المنص وص عليها في المادة 496، من خالل إب ارم اتفاقية إرجاء المتابعة، التي قد تشمل على وجه الخصوص دفع الغ ارمة المالية، أو مصادرة الأموال والممتلكات والعائدات الناتجة عن الجريمة أو المستعملة في ارتكابها، سواء كانت داخل الت ارب الوطني أو خارجه. ويشترط إلعمال هذه الصالحية أن تتعلق الوقائع بالج ارئم المحددة قانونا، وأن يؤدي تنفيذ االتفاقية 11 إلى وضع حد آلثار الجريمة وجبر الضرر الالحق بالضحية أو بالخزينة العمومية . يترتب على تنفيذ االلت ازمات الواردة في االتفاقية انقضاء الدعوى العمومية وفقا للمادة 5/449، في حين يؤدي الإخالل بها إلى استئناف إج ارءات المتابعة الج ازئية وفقا للقانون طبقا لنص المادة .440
جسد القانون رقم 41-52 مظاهر بارزة لتوسيع صالحيات وكيل الجمهورية، ال سيما من خالل سلطة إصدار ّ أوامر الإيداع في حاالت التلبس، كما وسع المشرع من صالحيات الإحالة، من خالل تمكين وكيل الجمهورية ّ ّ من اللجوء إلى إج ارءات الأمر الج ازئي، وكذا إج ارءات المثول بناء على االعت ارف المسبق بالذنب، إضافة إلى ً إج ارءات المثول الفوري في الجنح المهيأة للفصل فيها، وهو ما يعكس توجها نحو تبسيط وتسريع الإج ارءات ًّ الج ازئية.
تعد صالحية إصدار الأمر باإليداع في حاالت التلبس من أبرز السلطات المخولة لوكيل الجمهورية في إطار ممارسته لوظيفته في تحريك ومباشرة الدعوى العمومية وفقا لمقتضيات المادة 186، وذلك في حدود ما يقرره ّ قانون الإج ارءات الج ازئية، ويقصد بأمر الإيداع ذلك الإج ارء الذي تأمر بموجبه الجهة المختصة بإيداع المتهم 12 رهن الحبس المؤقت بالمؤسسة العقابية، متى توفرت مبرارته القانونية ، يمارس وكيل الجمهورية هذه الصالحية 11 تناول المشرع الج ازئري صالحية إب ارم اتفاقية إرجاء المتابعة في المواد 432، 431، 434، 434، 433 من القانون رقم -52 41، مرجع سابق. 12 عرفت المادة 434 من القانون رقم 41-52، الأمر باإليداع على أنه ذلك الأمر الذي يصدره القاضي المختص إلى مدير ّ المؤسسة العقابية باستالم وحبس المتهم، ويرخص هذا الأمر أيضا للقوة العمومية بالبحث عن المتهم ونقله إلى المؤسسة العقابية إذا كان قد بلغ به من قبل. المجلد 71، العدد 0102-17
في الحاالت التي يجيزها القانون 13 ، السيما عند تقديم المشتبه فيه أمام الجهات القضائية المختصة، حيث يمكنها طلب أو إصدار أمر باإليداع وفقا لإلج ارءات والشروط المحددة قانونا، غير أن هذه السلطة غير مطلقة، إذ يلتزم وكيل الجمهورية بإحالة المتهم فوار على المحكمة المختصة للفصل في قضيته خالل أجل أقصاه خمسة (92) ً 14 أيام ، مما يعني خضوعها لرقابة القضاء وضمانات حماية الحرية الفردية، الأمر الذي يحقق توازنا بين مقتضيات المتابعة الج ازئية وحقوق الدفاع.
خول المشرع لوكيل الجمهورية، بموجب أحكام المادة 200 من قانون الإج ارءات الج ازئية 15 ، صالحية إصدار ّ الأمر الج ازئي، الذي هو عبارة عن أمر قضائي يتم بواسطته الفصل في الدعوى العمومية وذلك بناء على إحالة الملف من قبل وكيل الجمهورية ويتم الفصل فيه من قبل القاضي المختص دون أي م ارفعة مسبقة، وهو جوازي وليس وجوبي وذلك بالنسبة للمخالفات والجنح التي ال تتعدى مدة عقوبتها سنتين، وأن تكون ه وية الفاعل معلومة ّ 16 والوقائع المنسوبة إليه ال تثير أي مناقشات وجاهية .
يعد إج ارء المثول بناء على االعت ارف المسبق بالذنب من اآلليات الإج ارئية التي يمارسها وكيل الجمهورية في ً إطار سلطته في المتابعة والتصرف في الدعوى العمومية، حيث نصت المادة 200 من القانون رقم 41-52 سالف الذكر على أنه: "يمكن وكيل الجمهورية، في مواد الجنح، أن يلجأ تلقائيا أو بناء على طلب الشخص أو محاميه، 13 طبقا لنص المادة 0/434 يجوز لوكيل الجمهورية إصدار أمر بإيداع المتهم، ولكن ضمن الشروط المحددة في المادة 141 من القانون رقم .41-52 14 تنص المادة 141 من القانون رقم 41-52، سالف الذكر على أنه: "إذ لم يقدم مرتكب الجنحة المتلبس بها ضمانات كافية للحضور أمام القضاء، وكانت الجنحة معاقبا عليها بعقوبة الحبس حدها الأدنى يساوي أو يفوق ستة (1) أشهر ولم يكن قاضي التحقيق قد أخطر بها يصدر وكيل الجمهو رية، استثناء، أم ار بإيداع المتهم الحبس بعد استجوابه عن هويته وعن الأفعال والتهم المنسوبة إليه، ثم يحيله فوار على المحكمة، على أن تحدد جلسة النظر في القضية في أجل أقصاه خمسة أيام ابتداء من يوم صدور الأمر باإليداع". 15 تنص المادة 200 من القانون رقم 41-52، سالف الذكر، على أنه: "إذا قرر وكيل الجمهورية اتباع إج ارءات الأمر الجازئي، يحيل ملف المتابعة مرفقا بطلباته، حسب الحالة، إلى محكمة الجنح أو المخالفات. يفصل القاضي دون مارفعة مسبقة بأمر الجازئي يقضي بالب ارءة أو بعقوبة الغ ارمة. وإذا أرى القاضي أن الشروط المنصوص عليها قانونا لألمر الج ازئي غير متوفرة، فإنه يعيد ملف المتابعة للنيابة العامة التخاذ ما ت اره مناسبا وفقا للقانون". 16 دالسي يونس، نقيش لخضر، مرجع سابق، ص .42 المجلد 71، العدد 0102-17
إلى إج ارءات المثول بناء على االعت ارف المسبق بالذنب إذا اعترف المعني بالوقائع المنسوبة إليه، اعت ارفا صريحا ال لبس فيه". يعد المثول على أساس االعت ارف المسبق بالذنب إج ارء يتيح للنيابة العامة اقت ارح عقوبة أو عدة عقوبات على ً المتهم الذي يقر ص ارحة بالوقائع المنسوبة إليه، وتنص المادة 214 من نفس القانون على أنه يجوز لوكيل ّ الجمهورية أن يقترح على المتهم، سواء كان حاض ار أو ماثال أمامه، تنفيذ عقوبة واحدة أو أكثر، أصلية أو تكميلية، بشرط أال تتجاوز مدة الحبس أو مقدار الغ ارمة نصف الحد الأقصى المقرر قان وناً للجريمة، إذا كانت العقوبة المقترحة هي الحبس أو الحبس مرفقاً بالغ ارمة، أما إذا كانت العقوبة المقترحة تقتصر على الغ ارمة، وكانت الجريمة معاقب عليها أيضا بالحبس، فيجب أال يقل مقدارها على ثلثي(0/5) الحد الأقصى للغ ارمة المقررة . 17 قانونا تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه يمكن للمتهم أو محاميه طلب مهلة ال تتجاوز92 أيام للرد على اقت ارح العقوبة، خالل هذه الفترة يقرر وكيل الجمهورية إما إبقاء المتهم ح ار أو عرضه على الجهة القضائية المختصة، مع ضمان حقه في االتصال بمحاميه. وفي حالة قبول المتهم للعقوبة المقترحة، يحرر محضر يثبت هذا القبول ويوقعه الأط ارف المعنيون ثم يحال المتهم مباشرة إلى المحكمة للمصادقة عليه 18 ، مع تبليغ الضحية بتاريخ الجلسة وذلك وفقا لما هو وارد في المادة 211 من القانون رقم 41-52، سالف الذكر. اربعا: إجارء الإخطار الفوري يقصد بإج ارء الإخطار الفوري المنصوص عليه في القانون رقم 41-52، إج ارءات المثول الفوري وإج ارءات الجنح المتلبس بها وذلك وفق نص المادة 144 من هذا القانون ، أي أنه إج ارء يجمع بين هذين الإج ارءين، اللذين يمكن اتباعهما إلحالة الدعوى العمومية على المحكمة. 17 سعيود محمد الطاهر، "المثول بناء على االعتارف المسبق بالذنب في القانون 41-52"، المجلة الأكاديمية للبحث القانوني، المجلد 41، العدد 35، 5352، ص .553 18 يتضمن المحضر تحت طائلة عدم القبول، بيانات دقيقة حول هوية المتهم، ووصفا مفصال للوقائع المنسوبة إليه من حيث زمانها ومكانها وظروف ارتكابها، إلى جانب اعت ارفاته الصريحة، والتكييف القانوني لألفعال، فضال عن تحديد العقوبة أو العقوبات المقترحة من طرف وكيل الجمهورية، وتصريح المتهم بقبولها واستعداده لتنفيذها فوار. المجلد 71، العدد 0102-17
إن تقرير إج ارء المثول الفوري يعود للسلطة التقديرية لوكيل الجمهورية، وذلك استنادا إلى محاضر الضبطية القضائية، فله صالحية إحالة الملف وفق إج ارء المثول الفوري أو سلوك أي إج ارء آخر ي اره مناسبا تبعا لظروف . 19 القضية يمّكن وكيل الجمهورية من إحالة المتهم مباشرة على المحكمة وذلك عندما تكون الوقائع ُ وعليه، فهذا الإج ارء واضحة واألدلة كافية ال تستدعي تحقيقا قضائيا وذلك طبقا لنص المادة 144 من القانون 41-52 سالف الذكر. 20 غير أن ممارسة وكيل الجمهورية لهذه الصالحية يبقى مقيدا بجملة من الشروط والضوابط القانونية ، ومن أهمها: - أن تكون القضية من قضايا الجنح المهيأة للفصل فيها، والتي ال تتطلب إج ارء تحقيق قضائي فيها. - أال يقدم المتهم ضمانات كافية للمثول أمام المحكمة. - احت ارم حقوق الدفاع، خاصة حق المتهم في االستعانة بمحام.
يتم اللجوء إليه استثناء في الجريمة المتلبس بها، وذلك عندما ال يقدم المتهم ضمانات كافية للمثول أمام المحكمة، وما يميز هذا الإج ارء، أن لوكيل الجمهورية صالحية إيداع المتهم في الحبس بشرط أن تكون الجريمة متلبسا بها، وأن تكون عقوبتها ال تقل عن 96 أشهر، كما أن صالحية إيداع المتهم من طرف وكيل الجمهورية قيدها المشرع ب 92 أيام، وعليه ينبغي محاكمة المتهم خالل 92 أيام من تاريخ إيداعه الحبس من طرف وكيل ّ الجمهورية وفق مقتضيات المادة 186 من القانون رقم .41-52
وسع المشرع بموجب القانون رقم 41-52 صالحيات النيابة العامة في مجال الإعالم عن الج ارئم، رغم أن ّ ّ الأصل في إج ارءات التحقيق والتحري هو سريتها، باعتبارها ضمانة للمتهم الذي يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته بالجرم المنسوب إليه، غير أن المشرع، واستثناء عن هذا المبدأ، نص في المادة 1/40 على منح ممثل النيابة ّ ً ّ العامة صالحية نشر صور وهوية المشتبه فيهم في الج ارئم المتلبس بها أو الخطيرة، متى اقتضت ذلك مقتضيات 19 بوعناد فاطمة زهرة، "الإخطار الفوري أمام المحكمة على ضوء قانون الإج ارءات الج ازئية الجديد"، مجلة صوت القانون، المجلد 45، العدد 34، 5352، ص .444 20 تناول المشرع الشروط المقيدة لسلطة وكيل الجمهورية في ممارسة إج ارء المثول الفوري في المواد 144 و143 من القانون رقم
المجلد 71، العدد 0102-17
حماية الأمن والنظام العامين أو تسريع توقيف المشتبه فيهم، وهو ما يستعمل خاصة في قضايا المخد ارت ُ 21 وترويجها وتهريبها والج ارئم المرتكبة في الفضاء الرقمي . كما وسع المشرع من سلطات النيابة العامة في مجال تتبع الأموال الإج ارمية، من خالل تمكينها من التحقيق ّ ّ في مصادر الأموال المنقولة والعقارية للمتهم أو المشتبه فيه، سواء داخل الإقليم الوطني أو خارجه، وإصدار 22 ق ارارت المنع من السفر ، واألمر بتجميد أو الحجز التحفظي لألموال والعائدات غير المشروعة الناتجة عن الج ارئم المحددة في نص المادة 29 من القانون رقم 41-52 إلى غاية استكمال التحقيق أو الفصل النهائي في 23 الدعوى ، على أن ترفع هذه التدابير تلقائيا في حال صدور أمر أو حكم نهائي بأال وجه للمتابعة أو الحكم ُ ً بالب ارءة. يعد منح النيابة العامة صالحيات أوسع عبر مختلف م ارحل الدعوى العمومية، من تحريكها إلى غاية ُ ّ المحاكمة، سالحا ذا حدين؛ فمن جهة، من شأنه أن يساهم في تعزيز فعالية العدالة الجنائية وترسيخ مبادئ ً ّ العدالة التصالحية، لما يحققه من آثار إيجابية على المنظومة القضائية، السيما من خالل التقليل من القضايا البسيطة وتخفيف العبء الواقع على الجهات القضائية، بما يسمح لها بالتفرغ للقضايا الأكثر تعقيدا وخطورة. ّ ً ومن جهة أخرى، قد يثير هذا التوسع في الصالحيات بعض التخوفات واإلشكاالت القانونية المرتبطة بإمكانية ّ ّ المساس بحقوق الدفاع والحريات الأساسية، الأمر الذي يقتضي إخضاع ممارسات النيابة العامة لرقابة قضائية فعالة، ضمانا لتحقيق المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية، باعتبارها من المبادئ الدستورية ّ ً الجوهرية ومن أبرز الأهداف التي سعى المشرع الج ازئري إلى تكريسها من خالل هذا التعديل الأخير لقانون ّ الإج ارءات الج ازئية.
يعد توسيع صالحيات النيابة العامة من أبرز الإصالحات التي عرفها التشريع الج ازئري في إطار تطوير ُ ّ منظومة العدالة الجنائية، لما لذلك من أثر في تعزيز فعالية المتابعة الج ازئية وتحسين سير الدعوى العمومية. وقد سعى المشرع من خالل هذا التوسع إلى تدعيم دور النيابة العامة في تنفيذ السياسة الجنائية، بما يحقق ّ ّ السرعة في الإج ارءات وحسن تطبيق القانون. غير أن توسيع هذه الصالحيات يثير في المقابل جملة من الإشكاالت المرتبطة بمدى احت ارم ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وعليه، يقتضي الأمر بيان تجليات 21 بلول فهيمة، مرجع سابق، ص .245 22 يمكن لوكيل الجمهورية وفق نص المادة 13 من القانون 41-52 سالف الذكر أن يصدر أم ار بمنع مغادرة الت ارب الوطني لكل شخص يشتبه فيه. 23 انظر المادة 23 و24 من القانون رقم 41-52، مرجع سابق. المجلد 71، العدد 0102-17
فعالية العدالة الجنائية في ظل توسيع دور النيابة العامة (المطلب الأول)، ثم التطرق إلى حدود هذا التوسع ّ واإلشكاالت القانونية المترتبة عنه (المطلب الثاني).
أدى توسيع دور النيابة العامة في التشريع الج ازئري إلى إحداث تحول ملحوظ في تسيير الدعوى العمومية، ّ ّ بما انعكس على فعالية العدالة الجنائية من حيث السرعة وحسن التنظيم وجودة الأداء القضائي. فلم يعد دورها مقتص ار على تحريك الدعوى العمومية، بل أصبح يمتد إلى الإسهام في ضبط سير المتابعة الجنائية وتوجيه ً مسارها بما يحقق النجاعة وحسن تطبيق القانون . وقد تجّلت آثار هذا التوسع في عدة مظاهر، أبرزها تسريع إج ارءات المتابعة الج ازئية (الفرع الأول)، وتقليص ّ آجال الفصل في القضايا والحد من البطء الإج ارئي (الفرع الثاني)، إلى جانب عقلنة ق ارارت المتابعة والحد من ّ ّ الإحاالت القضائية غير المجدية (الفرع الثالث)، فضًال عن تعزيز االنسجام في الممارسة القضائية وتحسين مردودية الأحكام والق ارارت القضائية (الفرع ال اربع).
إن توسيع المشرع الج ازئري من صالحيات وكيل الجمهورية في المرحلة الأولية من الدعوى العمومية كان ّ ّ بموجب القانون رقم 41-52 المتعلق بقانون الإج ارءات الج ازئية، ساهم في تسريع سير هذه الدعوى. من أبرز هذه الصالحيات إج ارء المثول الفوري أمام جهة الحكم فور إحضار المتهم 24 ، وهو إج ارء جديد أُدخل ليحل محل ّ 25 المتابعة التقليدية الطويلة ، وتكمن إيجابية هذا الإج ارء في اعتباره وسيلة لإلس ارع الفصل في القضايا البسيطة. ويكفل هذا الإج ارء احت ارم حقوق المتهم وضمان حق الدفاع، كونه يفرض تقديمه أمام الجهة القضائية مباشرة ُ دون تأخير. 24 تناول المشرع الج ازئري إج ارء المثول الفوري ضمن إجارء الإخطار الفوري المنصوص عليه في المادة 144 من القانون رقم ّ
25 قبل صدور قانون 41-52، كانت الدعوى العمومية تخضع أساسا إلج ارءات المتابعة التقليدية المنصوص عليها في قانون ً الإج ارءات الج ازئية، والتي تمر بم ارحل البحث والتحري من طرف الضبطية القضائية وفقا المواد 45إلى 54، ثم الدعوى العمومية من قبل وكيل الجمهورية وفق المادة 01، ويليها مرحلة التحقيق القضائي أمام قاضي التحقيق عند االقتضاء طبقا للمادة 11 وما بعدها وأخي ار الإحالة الى جهة الحكم والفصل في القضية مع إمكانية مما رسة طرق الطعن القانونية، وتتسم هذه الإج ارءات بطول وتعقيد المسار الإج ارئي، الأمر الذي دفع بالمشرع إلى تبني آليات بديلة وسريعة بموجب الإصالحات الحديثة الواردة في القانون ّ رقم 41-52، سالف الذكر. المجلد 71، العدد 0102-17
كما منح القانون رقم 52 - 41 الجديد وكالء الجمهورية صالحيات تقديرية واسعة في إدارة الدعوى العمومية، مما يتيح لهم اختيار التدابير الإج ارئية المناسبة بشكل أسرع، وهو ما يعد تطوار تشريعيا في سبيل سرعة الإج ارءات ُ ّ ً ً الجنائية، وهو ما يؤثر إيجابيا على مقتضيات الدعوى العمومية.
يعد تقليص آجال الفصل في الدعاوي العمومية من أبرز نتائج توسيع دور النيابة العامة، إذ ال تقتصر ُ ّ مهامها على التحريك الفوري للدعوى العمومية فحسب، بل تشمل أيضا تنظيم سير القضية لتخفيف الضغط على ً . 26 الجهات القضائية وقد سعى المشرع الج ازئري من خالل القانون الجديد إلى تحقيق ذلك عبر منح وكيل الجمهورية صالحيات أوسع في الإدارة التنظيمية للملف الجنائي، وبالتالي الحد من التأخي ارت التي كانت تنجم عن الإج ارءات التقليدية ّ المطولة، وبالتالي ضمان سرعة الفصل في القضايا، الأمر الذي يكرس محتوى المبدأ الدستوري والقانوني القائل ّ 27 بضرورة الفصل في الدعوى في مدة معقولة ، مما يؤدي إلى توفير الوقت والجهد والنفقات على أط ارف الدعوى ، فالوصول إلى حل خارج الإج ارءات القضائية يكون بشكل أسرع وأوفر 28 . كما أن تبني المشرع للعديد من الإج ارءات البديلة غير التقليدية على غ ارر الوساطة الج ازئية واألمر ّ الج ازئي، االعت ارف المسبق بالذنب، كطرق مختصرة لحسم القضايا البسيطة، انعكس إيجابيا في تقليص إج ارءات التقاضي الطويلة وإف ارغ المحاكم من القضايا التي يمكن حسمها خارج إطار الن ازع الكامل. د من الإحاالت القضائية غير المجدية ّ
من أبرز مظاهر عقلنة المتابعة الج ازئية التي عززها قانون الإج ارءات الج ازئية الج ازئري الجديد توسيع ّ سلطات النيابة العامة في تقدير موقفها بشأن تحريك الدعوى العمومية من عدم تحريكها، والموازنة بين المصلحة العمومية ومقتضيات حسن الإدارة القضائية، وهو ما يمكن اعتباره تجسيدا لمبدأ المالءمة المنصوص عليه في ً 26 جالب عبد القادر، "مصير الدعوى العمومية دون تحريكها"، المجلة الجازئرية للحقوق والعلوم السياسية، المجلد 10، العدد 2، 2025، ص .344 27 كرس المشرع مبدأ الفصل في الدعوى الج ازئية في أجل معقول ضمن المادة /4 1 من قان ون الإج ارءات الج ازئية، والتي تم ّ إد ارجها بموجب التعديل الأخير لتعزيز ضمانات المحاكمة، حيث نصت على وجوب إج ارء المتابعة واإلج ارءات الالحقة لها في آجال معقولة ودون تأخير غير مبرر، ومنحت الأولوية المطلقة للفصل في القضايا التي يكون فيها المتهم رهن الحبس المؤقت، ويستمد هذا المبدأ من المادة 14 من دستور 5353 التي تضمن لكل شخص محاكمة عادلة. ُ 28 خطاب كريمة، "تطبيقات العدالة البديلة في التشريع الجازئري "الوساطة الجازئية نموذجا""، مجلة المفكر القانوني والسياسي، المجلد 33، العدد 34، 5352، ص .144 المجلد 71، العدد 0102-17
المادة 4/14 من القانون 41-52 سالف الذكر. وترتب هذه السلطة التقديرية مسؤولية قانونية على وكيل ُ ّ الجمهورية، إذ يتعين عليه اتخاذ ق ارارت متوازنة وموضوعية.29 ّ كما يساهم هذا التوسع في الحد من الإحاالت غير المجدية، عبر تمكين النيابة العامة من اللجوء إلى بعض بدائل المتابعة الج ازئية، على غ ارر الوساطة الج ازئية، واألمر الج ازئي، اتفاقية إرجاء المتابعة، المثول على أساس االعت ارف المسبق بالذنب، بما يسمح بتفادي تحريك الدعوى العمومية أو تبسيط إج ارءات الفصل فيها بالنسبة لبعض القضايا البسيطة التي يمكن تسويتها بوسائل أكثر سرعة وفعالية، وتكون الغاية من اللجوء إلى مثل هذه البدائل هي تحقيق ما يعرف بالعدالة التصالحية، التي ترتكز أساسا على جبر الضرر وإصالحه أكثر ُ من توقيع العقاب.30 يعكس هذا التوجه انتقال المشرع الج ازئري نحو سياسة جنائية حديثة تقوم على عقلنة المتابعة وترشيد ّ استعمال الدعوى العمومية، بما يسمح بتخفيف العبء عن الجهات القضائية وتوجيه الجهد القضائي نحو الج ارئم الأكثر خطورة، مع تحقيق التوازن بين حماية النظام العام وضمان حسن سير العدالة. الفرع الاربع: تحسين جودة القارارت القضائية يعد تحسين جودة الق ارارت القضائية من أبرز النتائج المنتظرة لتوس ع صالحيات النيابة العامة، باعتبارها ُ ّ ّ فاعًال محوريا في مسار الدعوى العمومية، ومساهما أساسيا في تهيئة الملف الجنائي المعروض على القضاء، ً ً ً فكلما كانت مرحلة ما قبل الحكم أكثر دقة وتنظيما، انعكس ذلك إيجابا على سالمة الأحكام القضائية وجودتها. ً ً يرجع تحقيق هذه الجودة أساسا إلى الدور الذي تضطلع به النيابة العامة في توجيه البحث الجنائي ً واإلش ارف على أعمال الضابطة القضائية31، بما يضمن جمع وسائل الإثبات وفق الضوابط القانونية واحت ارم الإج ارءات الشكلية. فإحكام البحث وتفادي النواقص الإج ارئية يقّلالن من حاالت بطالن أو ضعف التعليل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على متانة الق ارر القضائي. إلى جانب ذلك يساهم توسع صالحيات النيابة العامة في تعزيز جودة ق ارارت المتابعة نفسها، عبر اعتماد ّ معايير موضوعية في تقدير خطورة الأفعال الإج ارمية، ومالءمة المتابعة، واختيار الوصف القانوني السليم. فق ارر 29 بوشليق كمال، "مبدأ المالءمة ودوره في ترشيد المتابعة الج ازئية"، مجلة الأبحاث القانونية والسياسية، المجلد 34، العدد 35، مارس 5353، ص .551 30 خطاب كريمة، مرجع سابق، ص .141
َّ د من التكيفات ّ يمّكن المحكمة من الإحاطة الدقيقة بوقائع القضية وحدود الن ازع، ويح ُ المتابعة المؤَّسس والمعلل القانونية الخاطئة أو المتسرعة. ّ ومن جهة أخرى، كما سبق القول فإن اعتماد النيابة العامة لإلج ارءات البديلة عن المتابعة التقليدية في القضايا البسيطة يتيح للقضاء التفرغ للملفات الأكثر تعقيدا وخطورة، مما ينعكس إيجابيا على جودة التعليل ً ً د من الأحكام النمطية الناتجة عن ضغط القضايا وكثافتها، ّ القضائي وعمق االجتهاد، ويح غير أن تحسين جودة الق ارارت القضائية يظل رهينا بضمان التوازن بين فعالية تدخل النيابة العامة واستقالل ً السلطة القضائية، إذ ال ينبغي أن يؤدي توسع الصالحيات إلى التأثير على القناعة الوجدانية للقاضي أو المساس ّ بحياده. كما يقتضي الأمر تعزيز آليات الرقابة القضائية وتكريس حق الدفاع، باعتبارهما عنصرين أساسيين في َّ .اميلس لاًيلعت للعمو لداع يئاضق ررا ق جاتنإ ً
رغم الفوائد التي يتيحها توسيع صالحيات النيابة العامة في تعزيز فعالية العدالة الجنائية، إال أن هذا التوسع يطرح مجموعة من الإشكاالت القانونية. فتحديد نطاق هذه الصالحيات ومدى انسجامها مع الضمانات القانونية المقررة لحماية الحقوق والحريات الفردية يظل مسألة مركزية لضمان شرعية المسطرة الجنائية (الفرع الأول). إن تحقيق التوازن بين متطلبات السرعة والنجاعة في الفصل في القضايا من جهة، وبين احت ارم حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة من جهة أخرى، يقتضي إحاطة صالحيات النيابة العامة بضوابط تشريعية واضحة وآليات رقابية فعالة. ومن هنا، يظهر الدور الحيوي لكل من النظام القانوني والرقابة القضائية في الحفاظ ّ على فعالية العدالة دون المساس بالحقوق الأساسية لألف ارد (الفرع الثاني).
يمّثل احت ارم حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة حجر الأساس في أي نظام قضائي حديث، وال يمكن إعمال فعالية العدالة الجنائية على حساب هذه الحقوق الأساسية، وقد أّكد القانون رقم 41-52 على هذا التوازن، إذ نص في المادة 43 منه على أن إج ارءات البحث والتحري والتحقيق تكون سرية، ما لم ينص القانون على ّ خالف ذلك، ودون الإض ارر بحقوق الدفاع، وقرينة الب ارءة مما يجعل احت ارم هذه الحقوق شرًطا تلقائيا في جميع ً م ارحل الدعوى العمومية.32 من بين أبرز ضمانات حقوق الدفاع: 32 تكون إج ارءات البحث والتحري والتحقيق سرية، ما لم ينص القانون على خالف ذلك، ودون الإضارر بحقوق الدفاع، وفق المادة 43 من القانون رقم 41-52، مرجع سابق. المجلد 71، العدد 0102-17
- حق االطالع على محاضر البحث والتحقيق واالطالع على جميع وسائل الإثبات، مما يضمن عدم استباق النيابة العامة للنتائج على حساب حق المتهم في الرد والتمسك بمواقفه. - الإش ارف القضائي على بعض الإج ارءات الحرجة مثل التدخل في الحقوق والحريات كالحبس المؤقت الذي يخضع لضوابط صارمة لحماية حرية وحقوق المتهم المحبوس مؤقتا، حيث أن أي إخالل لتلك الضوابط يؤدي إلى بطالن الحبس المؤقت العتباره إج ارء غير شرعي.33 إذ يثير توسيع صالحيات النيابة العامة، السيما فيما يتعلق باللجوء إلى الحبس المؤقت إشكاالت مرتبطة باحت ارم قرينة الب ارءة وحقوق الدفاع، فالحبس المؤقت، رغم كونه إج ارء مشروعا، إال أنه يظل استثناء يتعين ً ً إخضاعه لرقابة قضائية صارمة34، ضمانا لعدم المساس الغير المشروع بالحريات الفردية. كما أن االعتماد على بعض الإج ارءات السريعة مثل المثول الفوري، الوساطة أو إج ارء الأمر الج ازئي وإن كان يهدف إلى تسريع الفصل في القضايا، إال أنه قد يؤثر على فعالية ممارسة حق الدفاع إذا لم يرفق بضمانات كافية، وعلى أرسها تمكين المتهم من االستعانة بالمحامي ومنحه الوقت الالزم إلعداد دفاعه، وكل هذا من أجل ضمان عدم تحول السرعة الإج ارئية إلى اخالل بمبادئ المحاكمة العادلة. عندما يستخدم وكيل الجمهورية إج ارء المثول الفوري في قضايا الجنح طبقا للمواد 144 وما يليها من القانون رقم 41-52، فإنه يجب أن يتاح للمتهم حق االستعانة بمحاٍم قبل تقديم أي اعت ارف، حتى ال يتحول ّ الإج ارء إلى تنازل غير مستنير عن حقوقه الإج ارئية.35
وبالرغم من توسع القانون رقم 41-52 في صالحيات النيابة العامة لتشمل سلطة تقديرية أكبر في إدارة ّ الدعوى العمومية واتخاذ ق ارارت بطرق بديلة مثل الوساطة، المثول الفوري، االعت ارف المسبق، واألمر الج ازئي، فإن الرقابة القضائية تظل الضمانة الأساسية لمنع التجاوازت، وذلك عبر آليات قانونية عدة، بحيث ال تصبح ّ 33 عبد الحليم بن بادة، الحبس المؤقت- بين ضرورة مقتضيات التحقيق وضمان حقوق المتهم-، مجلة الباحث للد ارسات الأكاديمية، المجلد 31، العدد 35، ماي 5343، ص .431 34 تناول المشرع الج ازئري الحبس المؤقت الذي يعد إج ارء استثنائيا في قانون الإج ارءات الج ازئية وفق نص المادة 0/434 وما ّ ُ يليها، والذي يمارسه وكيل الجمهورية في إطار إج ارءات المثول الفوري وفي حاالت التلبس وفق المادة 144 وما يليها من نفس القانون. 35 المادة 143 من القانون رقم 41-52، مرجع سابق. المجلد 71، العدد 0102-17
بعض الإج ارءات البديلة نافذة إال بعد عرضها على القاضي للمصادقة عليها، كما هو الحال في إج ارء االعت ارف المسبق بالذنب واألمر الج ازئي، حيث يملك القاضي سلطة القبول أو الرفض.36 يالحظ أن القانون الجديد سمح لوكيل الجمهورية باتخاذ إج ارءات مثل اقت ارح اتفاقات ج ازئية أو إحالة القضايا حسب طرق مختصرة للنظر فيها هذا من جهة، لكن من جهة أخرى هذه الق ارارت تبقى قابلة للطعن أمام الجهات القضائية، مما يتيح لقاضي الحكم التدخل لسحب السلطة التقديرية حال وجود تجاوز أو انتفاء شرط ّ قانوني. كما يخضع تدخل النيابة العامة في بعض الإج ارءات، خاصة التي تمس بالحريات الأساسية أو بالحجز ّ يا ً ار رقاب ً االحتياطي، لرقابة قاضي التحقيق أو غرفة االتهام وفًقا ألحكام قانون الإج ارءات الج ازئية، ما يمنح عنص إضافيا لضمان عدم اختالل التوازن بين الفعالية والحقوق .37 ً وبناء على ذلك، فعندما يطلب وكيل الجمه ورية اتخاذ إج ارءات تحقيق معينة أو إصدار أمر بالحبس في حالة ً ّ التلبس، فإن هذا الطلب يظل خاضعا لرقابة قاضي التحقيق أو غرفة االتهام، اللذين يملكان سلطة رفضه أو ّ ّ ّ ً تعديله متى تبين لهما أنه يمس بضمانات الحريات الأساسية أو بمبادئ المحاكمة العادلة. ّ ّ ّ ما، رغم ما يتمتع به من سلطة ً د سلطة مطلقة أو مستقلة استقالًال تا ّ ع ُ ن سلطة وكيل الجمهورية ال ت ّ وعليه، فإ تقديرية ومالءمة في تحريك الدعوى العمومية ومباشرتها، وهي الصالحيات التي خولها له المشرع. غير أن هذا ّ ّ ّ الأخير، وفي مقابل توسيعه الختصاصات النيابة العامة، أحاط ممارستها بجملة من صور الرقابة القضائية على أعمالها، وذلك بهدف تحقيق غايات العدالة التصالحية التي سعى إليها من خالل التعديل الأخير لقانون الإج ارءات الج ازئية، من جهة، وتحقيق التوازن بين فعالية العدالة الج ازئية وضمان حقوق الدفاع والحريات الأساسية، من جهة أخرى . 36 تنا ول المشرع الرقابة القضائية على إج ارء الأمر الجازئي وإجارء االعت ارف المسبق بالذنب في المادتين 0/200 و212 من ّ القانون 41-52، مرجع سابق.
تبين من خالل هذه الد ارسة أن توجه المشرع الج ازئري نحو توسيع صالحيات النيابة العامة بموجب القانون ّ ّ ّ ّ رقم 41-52 يجسد توجها حديثًا في السياسة الجنائية، يهدف إلى تعزيز فعالية العدالة الج ازئية وتحقيق السرعة ُ ّ ًّ في الفصل في القضايا والن ازعات، وذلك من خالل منح النيابة العامة صالحيات أوسع واعتماد آليات إج ارئية بديلة ومختصرة، من شأنها المساهمة في تخفيف العبء عن الجهات القضائية وترشيد العمل القضائي. غير أن فعالية هذا التوسع في صالحيات النيابة العامة ال ينبغي أن تكون على حساب الضمانات الأساسية ّ ّ للمحاكمة العادلة، إذ يظل احت ارم حقوق الدفاع وقرينة الب ارءة وحماية الحرية الفردية من المقومات الجوهرية ّ واألساسية التي يقوم عليها النظام الإج ارئي الج ازئي. ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين فعالية العدالة الج ازئية ّ ّ وضمان الحقوق والحريات الأساسية يعد من أبرز التحديات التي يفرضها التطبيق العملي ألحكام القانون رقم ُ ّ .41-52 وباعتبار أن القانون رقم 41-52 يعد من النصوص التشريعية الحديثة نسبيا، فإن الوقوف على مدى فعاليته ّ ُ ّ ً ّ بصورة نهائية يظل رهينا بما سيفرزه التطبيق القضائي والعملي ألحكامه، الأمر الذي يبرر اعتماد مقاربة تحليلية ّ ً ّ تقوم على د ارسة الأهداف التي سعى المشرع إلى تحقيقها من خالل هذه التعديالت، دون الجزم بنتائجها بصورة ّ قطعية. وقد أفضى هذا التوجه إلى جملة من النتائج والتي يمكن إجمالها فيما يأتي: ّ - إن توسيع صالحيات النيابة العامة من شأنه أن يساهم في تحسين إدارة الدعوى العم ومية وحوكمة ّ إج ارءات المتابعة الج ازئية. - إن االعتماد على الإج ارءات البديلة والمختصرة، كالوساطة واألمر الج ازئي والمثول الفوري، سيساعد على تسريع الفصل في القضايا وتقليص الضغط على الجهات القضائية. - إن التعديالت الجديدة التي جاء بها المشرع الج ازئري بموجب القانون رقم 41-52 من شأنها أن تعزز ّ فعالية العدالة الجنائية من خالل تبسيط بعض الإج ارءات وتحقيق السرعة في معالجة القضايا البسيطة. - أظهر التحليل أن فعالية العدالة الجنائية تظل مرهونة بمدى احت ارم النيابة العامة أثناء القيام بممارساتها للضمانات القانونية للمحاكمة العادلة خاصة فيما يتعلق بحقوق الدفاع وحماية الحريات الأساسية. - ضرورة إخضاع بعض صالحيات النيابة العامة خاصة تلك الماسة بالحقوق والحريات الأساسية، لرقابة قضائية فعالية تكريساً لمبدأ المحاكمة العادلة. بناء على ما تقدم، وحرصا على جعل التوسع في صالحيات النيابة العامة، الذي أقره المشرع بموجب القانون ً ّ ّ ّ رقم 41-52، أكثر فعاليًة وانسجاما مع أهداف العدالة التصالحية التي يسعى إلى تكريسها من خالل التعديل ً المجلد 71، العدد 0102-17
الأخير لقانون الإج ارءات الج ازئية، وبما يضمن احت ارم مبادئ المحاكمة العادلة وصون الحقوق والحريات الأساسية، يمكن اقت ارح جملة من التوصيات، من أبرزها: - تعزيز التكوين المتخصص ألعضاء النيابة العامة في مجال حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، بما يسهم في ترسيخ الممارسة السليمة لإلج ارءات الج ازئية. - تفعيل الرقابة القضائية على ق ارارت النيابة العامة، السيما تلك المتصلة باإلج ارءات الماسة بالحرية الفردية، ّ تكريسا لمبدأ المشروعية وحمايًة للحقوق الأساسية. ً - ضمان الحضور الفعلي والفاعل للدفاع ضمن الإج ارءات المختصرة والبديلة، بما يكفل ممارسة حقيقية وفعالة لحقوق الدفاع. ّ - اعتماد آليات للتقييم الدوري لتطبيق أحكام القانون رقم 41-52، قصد رصد النقائص العملية واقت ارح التعديالت الالزمة، بما يحقق التوازن بين فعالية العدالة الجنائية ومتطلبات دولة القانون . المجلد 71، العدد 0102-17