قانون العقوبات والجرائم الاقتصاديةسنة 2026Revue Académique de la Recherche JuridiqueOpen Access · وصول حر

تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية - تحليل في ضوء استحداث المادة 1254 من القانون المدني الفرنسي سنة 2025

ب
بن خدة, حمزة
كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة طاهري محمد، بشار.صفحة 157-18616 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

تتقصى هذه القراءة المسار الذي قطعته نظرية المسؤولية المدنية الفرنسية منذ تقنينها، مركزة على وظيفتها الأصلية القائمة على الجبر وما يفرضه مبدأ التعويض الكامل من قطيعة مع فكرة العقاب. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة كشفت محدودية هذا التصور، لا سيما أمام الأخطاء المهنية ذات الطابع الربحي والمفضية إلى أضرار تسلسلية، الأمر الذي دفع المشرع الفرنسي إلى استحداث المادة 1254 في القانون المدني سنة 2025، مستلهما من أنظمة القانون المشترك بعدا ردعيا بمثابة رِدّة على أساسيات المسؤولية المدنية. من هذا المنطلق، تحلل الورقة دوافع هذا التوجه، مبينة شروط تطبيق الغرامة المدنية وفق المادة 1254 المستحدثة وضوابطها ومصير ريعها، مع استحضار نماذج تطبيقية من الواقع الرقمي والاقتصادي المعاصر. لتخلص إلى أن المسؤولية المدنية لم تعد اليوم مقتصرة على التعويض، بل غدت أداة لتحقيق توازن دقيق بين العدالة الجبرية والوقاية الجزرية من الانحرافات المهنية العمدية المربحة. وهو تحول يضع النظرية أمام تحد قانوني وفلسفي جديد جدير بالتأمل والتحليل. Abstract: This paper explores the evolution of the theory of civil liability in French law, traditionally grounded in the principle of full reparation, which excludes any deterrent purpose. Contemporary economic transformations, however, have exposed the limits of this model, particularly in cases of intentional and profit-driven professional misconduct capable of producing serial harm. In response, the French legislature introduced Article 1254 into the Civil Code in 2025, establishing a civil fine with a deterrent function inspired by certain Common Law experiences. The study examines the motivations behind this reform, its conditions of application, and its regulatory safeguards, drawing on examples from contemporary economic and digital practices. It concludes that civil liability is increasingly evolving toward a dual role that combines compensation with deterrent prevention of deliberately harmful professional conduct Résumé: Cette étude examine l’évolution de la théorie de la responsabilité civile en droit français, traditionnellement fondée sur le principe de la réparation intégrale, excluant toute finalité punitive. Toutefois, les mutations économiques contemporaines ont mis en évidence les limites de ce modèle, notamment face aux fautes professionnelles intentionnelles et lucratives pouvant entraîner des dommages sériels. Dans ce contexte, le législateur français a introduit en 2025 l’article 1254 du Code civil, instituant une amende civile à finalité dissuasive, inspirée de certaines expériences des systèmes de Common Law. L’étude analyse les motivations de cette innovation, ses conditions d’application et ses mécanismes d’encadrement, à la lumière d’exemples issus de la pratique économique et numérique contemporaine. Elle montre que la responsabilité civile tend désormais à articuler réparation et prévention dissuasive des comportements professionnels délibérément dommageables

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

بن خدة, حمزة، "تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية - تحليل في ضوء استحداث المادة 1254 من القانون المدني الفرنسي سنة 2025"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 157-186.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

30 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية تحليل في ضوء استحداث المادة 4521 من القانون المدني الفرنسي سنة 5252 (1) حمزة بن خدة ، )1( أستاذ محاضر قسم "ب"، كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة طاهري محمد، بشار. [email protected]. البريد االلكتروني: الملخص: تتقصى هذه الق ارءة المسار الذي قطعته نظرية المسؤولية المدنية الفرنسية منذ تقنينها، مركزة على وظيفتها الأصلية القائمة على الجبر وما يفرضه مبدأ التعويض الكامل من قطيعة مع فكرة العقاب. غير أن التحوالت االقتصادية واالجتماعية المعاصرة كشفت محدودية هذا التصور، ال سيما أمام الأخطاء المهنية ذات الطابع الربحي والمفضية إلى أض ارر تسلسلية، الأمر الذي دفع المشرع الفرنسي إلى استحداث المادة 4521 في القانون المدني سنة 5252 ، مستلهما من أنظمة القانون المشترك بعدا ردعيا بمثابة ِردة على أساسيات المسؤولية المدنية. ّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

The Encroachment of the Criminal Dimension upon the Theory of Civil Liability: An Analysis in Light of the Introduction of Article 1254 of the French Civil Code (2025) Abstract: This paper traces the trajectory of the theory of civil liability in French law since its codification, focusing on its original compensatory function grounded in reparation and the principle of full compensation, which entails a clear separation from punitive considerations. However, contemporary economic and social transformations have revealed the limits of this approach, particularly in the face of profit-driven professional misconduct leading to serial harm, prompting the French legislature to introduce Article 1254 into the Civil Code in 2025, drawing inspiration from Common Law systems by incorporating a deterrent dimension that marks a departure from the fundamental principles of civil liability. From this perspective, the paper analyzes the motivations behind this development, outlining the conditions for the application of the civil fine under the newly introduced Article 1254, its regulatory safeguards, and the allocation of its proceeds, while referring to practical examples drawn from contemporary digital and economic realities. It concludes that civil liability is no longer confined to compensation alone, but has evolved into a mechanism aimed at achieving a delicate balance between compensatory justice and preventive deterrence against intentional and profit-oriented professional misconduct. This evolution places the theory before a new legal and philosophical challenge worthy of further reflection and analysis. Keywords: Civil penalty, Professional misconduct, Intentional fault, Lucrative fault, Serial harm. L’infiltration de l’ombre pénale Dans la théorie de la responsabilité civile Analyse du nouvel article 1254 du Code civil français de 2025 Résumé: Cette étude examine l’évolution de la théorie de la responsabilité civile en droit français, traditionnellement fondée sur le principe de la réparation intégrale du préjudice, lequel exclut toute fonction répressive ou punitive. Toutefois, les mutations المجلد 71، العدد 0102-17 158 بن خدة حمزة، "تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية تحليل في ضوء استحداث المادة 7021 من القانون المدني الفرنسي سنة 0102"، ص ص .782-721

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

économiques contemporaines ont mis en lumière les limites de ce modèle, en particulier face aux fautes professionnelles intentionnelles commises dans un but lucratif et susceptibles de générer des dommages sériels de grande ampleur. Dans ce contexte, le législateur français a introduit en 2025 l’article 1254 du Code civil, instituant une amende civile à finalité dissuasive, inspirée de certains mécanismes développés dans les systèmes de Common Law. La présente étude analyse les fondements de cette innovation, ses conditions d’application ainsi que les garanties entourant sa mise en œuvre, à la lumière d’exemples issus de la pratique économique et numérique contemporaine. L’analyse met en évidence une évolution de la responsabilité civile vers un modèle intégrant, aux côtés de sa fonction réparatrice traditionnelle, une dimension préventive et dissuasive destinée à lutter contre les comportements professionnels délibérément dommageables et économiquement profitables à leurs auteurs. Mots-clés : Sanction civile, Faute, Professionnel, Intentionnalité, lucrative, Dommage sériel.

مقدمة

تمتد الجذور التاريخية لنظرية المسؤولية المدنية بعمق في بناء الفكر القانوني، حيث استقرت كواحدة من أشهر النظريات وأكثرها رسوخا في التعبير عن إنسانيتنا. وبينما يرى جمهور الباحثين أن التأصيل الحقيقي لمعالمها الحديثة تبلور بصدور تقنين نابليون لعام 4021 ، يرى البعض اآلخر أن مالمحها الأولى كانت قد تشكلت في كنف القانون الفرنسي القديم، وذلك بفضل الجهود الفقهية ال ارئدة التي بذلها الفقيهان بوتييه »POTHIER «

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

3 الإصالحات الجزئية المحدودة، فقد أصبح هذا النظام وفق وصف البعض ممزقا نتيجة المتغي ارت المحيطة بالنظرية، الأمر الذي أفضى إلى الحكم على النظرية بالشيخوخة وفق المعنى الذي أشار إليه الفقيه الفرنسي البارز »Tourneau Le Philippe «، حين قال: "إذا كان هناك فرع في القانون المدني قد أصابه التآكل بشكل ملحوظ 4 ويحتاج إلى م ارجعة شاملة شكال ومضمونا، فهو بال شك القسم المتعلق بالمسؤولية المدنية" . واعتبا ار لهذه المفارقات، مرت فكرة التعويض عن الضرر بوصفها غاية المسؤولية بمخاض طويل هي الأخرى، حيث بدأ من االنتقام الجسدي المحض، ثم انتقل إلى نظام التسوية المالية االختيارية من خالل ش ارء الحق في االنتقام، وصوال إلى التسوية الإل ازمية التي فرضها القانون كبديل للعنف. ومع تبلور الفكر القانوني الحديث، استقلت وظيفة التعويض عن مفهوم العقوبة، لتتحول إلى أداة لجبر الضرر القائم على معيارين جوهريين كرستهما المادة 5 4411 ق م ف ، وهما الخسارة الالحقة والكسب الفائت. وهو ما يعكس التحول الجذري من فكرة تأديب الفاعل، إلى إعادة التوازن المالي للمضرور. ليتضح من هذا التطور التاريخي كيف أن النظرية الفرنسية قد ميزت بين وظيفة التعويض ووظيفة العقاب، وهو ما يفسر سبب استم ارر التركيز على منطق التعويض إلى وقت ليس بعيد. هذا وقد حاولت المشاريع الإصالحية معالجة خلل النظرية على مستويات متعددة، تجسدت في محطات CATALA-VINEY 7 6 متوالية تجلى أهمها في مشروع كاتاال-فيني » « لسنة 5002 حينما ركز على توحيد أحكام المسؤولية المدنية وتعزيز حماية ضحايا الأض ارر الجسدية. وصوال للمشروع الحكومي إلصالح المسؤولية المدنية سنة 5042 8 ، باعتباره ثورة جذرية هدفت لتحديث النظرية وتقنين االجتهادات القضائية مع تحقيق توازن بين حماية الضحايا والحفاظ على التقاليد القانونية. دونما تجاوز العتماد المشرع الفرنسي تعديالت جزئية بين

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

9 5042 و5052 وصفها الفقه بالفتات ، تجسد أهمها في إد ارج أض ارر الجوار غير المألوفة سنة 5051 في المادة 4521 ق م ف، ثم التعويض عن الأض ارر المتسلسلة سنة 5052 في المادة 4521 من نفس القانون . من هذا المنطلق، تعتني هذه الورقة بالتوقف عند المادة 4521 المستحدثة في ق م ف سنة 5052 وأثرها على الوظيفة التعويضية الأساسية للقانون المدني، ذلك أن هذا الأخير بني تقليديا على مبدأ التعويض الكامل لألض ارر، دون المساس بوضعية المسؤول أو توقيع عقوبة إضافية عليه. غير أن هذا المبدأ لم يعد وحده كافيا لمواجهة تحديات الأض ارر الحديثة. وهو التحدي الذي استوجب تدخل المشرع الفرنسي من خالل المادة 4521 ق Common م لتأسيس أفق جديد للمسؤولية المدنية يقوم على وظيفة عقابية مقنعة مستمدة من منطق دول « Law » ، بحيث تتيح هذه الوظيفة فرض عقوبات مالية على المسؤول في حاالت الخطأ المهني الجسيم الهادف إلى تحقيق منفعة غير مشروعة، والمفضي إلى إلحاق الضرر بعدد من المتضررين في وضعية متماثلة. على هذا الأساس، ينصرف الإشكال الجوهري إلى بحث ما يمثله استحداث المادة 4521 ق م ف من تحول بنيوي في فلسفة المسؤولية المدنية، وذلك باالنتقال من نظام تقليدي يقوم أساسا على الوظيفة التعويضية التناسبية، إلى نظام يتضمن بعدا ردعيا ذا طبيعة عقابية مستمدة من منطق القانون الجنائي. وهو ما يثير التساؤل حول ما إذا كان هذا التطور يشكل ِرَّدة على أساسيات المسؤولية المدنية؟ أم أنه مجرد استجابة تشريعية ظرفية لمواجهة السلوكيات االقتصادية غير المشروعة واألض ارر الجماعية. لإلجابة عن هذا الإشكال، تنطلق الورقة من المنهج االستق ارئي القائم على االنتقال من الخاص إلى العام، من خالل التوقف عند مبدأ التعويض الكامل وتحديثاته التي أدت إلى ضرورة استيعاب العقوبة المدنية في المادة 4521 من القانون المدني سنة .5052 ومن ثم، يتم تحليل هذه المادة واستجالء شروط إعمالها وآثارها، وصوال ألهم تطبيقاتها بهدف الوقوف على ما ينطوي عليه هذا التطور من تحول في وظيفة المسؤولية المدنية. كما تعتمد الد ارسة المنهج المقارن، من خالل إب ارز جذور هذه اآللية في قوانين دول » Law Common « ، ثم بيان كيفية استيعابها في القانون الفرنسي، مع الإشارة عند االقتضاء إلى موقع التشريع الج ازئري ضمن هذه التحوالت. تبعا لذلك، يقتضي تحليل الموضوع تحديد الموقع الوظيفي للمسؤولية المدنية بين التعويض والعقوبة، عبر إب ارز مبدأ التعويض الكامل كأساس تقليدي لها وحدوده أمام الأض ارر المتسلسلة (أولا)، ثم تناول الخطأ المهني الربحي المولد ألض ارر متسلسلة وعق وبته المدنية، وذلك بالوقوف على النظام المستحدث للعقوبة المدنية كما كرسه المشرع الفرنسي في المادة 4521 ق م، فضال عن أهم مجاالته التطبيقية (ثانيا).

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6
أولا: الموقع الوظيفي للمسؤولية المدنية بين التعويض والعقوبة

يعتبر مبدأ التعويض الكامل الأساس التقليدي الذي قامت عليه المسؤولية المدنية بوصفه يهدف إلى جبر الضرر جب ار تاما دون أن يتجاوز الوظيفة التعويضية. غير أن تطور صور الأض ارر، السيما الربحية المتسلسلة، أثار نقاشا حول كفائية المبدأ. وعليه، يحتم الموضوع استهالله بتناول مبدأ التعويض الكامل كأساس تقليدي للمسؤولية المدنية (أ)، ثم بيان حدوده أمام الأض ارر المتسلسلة المستلزمة لتعويضات ذات طابع عقابي (ب). أ. مبدأ التعويض الكامل كأساس تقليدي للمسؤولية المدنية: يقتضي هذا العنصر تحديد نطاق مبدأ التعويض الكامل والوقوف عند حدوده (4)، ثم عرض تحديات تطبيقاته العملية، خاصة ما يتعلق منها بإثبات الضرر وضوابط تقديره (5).

4 نطاق مبدأ التعويض الكامل بين الإطالق والتقييد:

يعد مبدأ التعويض الكامل الركيزة الأساسية لنظام المسؤولية المدنية مستمدا سنده من النص الشهير للمادة 4510 ق م ف، وهو المبدأ ذاته الذي اعتمده المشرع الج ازئري في المادة 451 ق م، إذ يقوم على تحميل المسؤول عن الفعل الضار كافة اآلثار المترتبة عليه وإل ازمه بجبر الضرر قيمة فعلية دون زيادة أو نقصان، حيث ال تحتسب في التعويض الم ازيا التي قد يحصل عليها المضرور الحقا من مصادر أخرى، كالعقوبات الخاصة أو التأمين، بينما يظل حصوله على تعويض يقل عن قيمة الضرر استثناء محصوار في حاالت التحديد القانوني للمسؤولية، 10 ما يعكس مر ونة المبدأ في تحقيق العدالة وفق الظروف العملية . وقد أكدت االجتهادات القضائية هذا المعنى من خالل صيغة كثي ار ما يستشهد بها في ق ارارت محكمة النقض الفرنسية حينما تنص على: "إن جوهر المسؤولية المدنية هو إعادة التوازن الذي أخل به الضرر بأدق ما يمكن، 11 وإعادة المضرور على نفقة المسؤول إلى الحالة التي كان سيوجد فيها لو لم يقع الفعل الضار" . ويدل ذلك على

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

أن التعويض يجب أن يحقق جبر الضرر دون أن يعود على المضرور بخسارة 12 أو يحقق له ربحا 13 ، بل يجب أن يتسم بأقصى قدر من التناسب والعدالة الممكنة. زيادة لذلك، أكدت مشاريع الإصالح على مبدأ التعويض الكامل وفق ما يظهر جليا في كل من CATALA-VINEY مشروع » « في مادته 4120، ومشروع الإصالح لعام 5042 في المادة 4522 منه، إذ ينص المبدأ في هذين المشروعين على أن الهدف من التعويض هو إعادة المضرور، قدر الإمكان، إلى الوضع الذي كان سيكون عليه لو لم يقع الفعل الضار، دون أن يترتب على ذلك ربح أو خسارة 14 . Philippe LE TOURNEAU في هذا السياق، يرى الفقيه » « أن استخدام تعبيري "التعويض المناسب" أو "التعويض العادل" سيكون أكثر إحكاما من مصطلح "التعويض الكامل"، إذ تهدف الأض ارر والتعويضات إلى تغطية الضرر وتعويضه فقط، ال إلى إعادة بناء كل ما ُفقد، خاصة وأن مفهوم التعويض الكامل سيفقد دقته عند 15 معالجة الضرر المعنوي . هذا، وحين الحديث عن تمتع المضرور بالحق في الحصول على تعويض كامل، يظل المبدأ قائما حتى في 16 الحاالت التي يصعب فيها تقدير الضرر بدقة . ومن ذلك أن يتسبب شخص ما في ضرر لعقار، وأدى تدخل السلطة الإدارية إلى إل ازم صاحب العقار بإج ارء التعديالت أو التصحيحات الالزمة لجعل العقار متوافقا مع القوانين 17 والمعايير المعمول بها، فإن المتسبب بالضرر يتحمل كافة التكاليف الناتجة استيفاء الشروط القانونية والتنظيمية . 18 كما تتصل هذه الصعوبة بقضايا تفويت الفرصة ، حيث يتمتع قاضي الموضوع بسلطة تقديرية واسعة في تكييف الوقائع واستخالص الضرر. ويستند في تقديره إلى معيارين أساسيين، يتمثل الأول في مدى حتمية ارتباط الضرر بالوضع ال ارهن كأثر مباشر له. والثاني في إمكانية تقييم هذا الضرر ماليا بشكل فوري. ليبرز هنا دور محكمة النقض في ممارسة رقابتها على الأحكام للتأكد من أن التعويض يستند إلى يقينية الضرر، إذ لها الحق

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

في نقض الأحكام التي تقضي بتعويضات عن أض ارر اعترفت هي نفسها في حيثياتها بأنها غير محققة أو تفتقر 19 إلى عنصر التأكد . عالوة عليه، توجد استثناءات لمبدأ التعويض الكامل تنشأ عن قيود قانونية أو تعاقدية. فمن جهة، تحدد القوانين بعض الحدود للتعويض مثل تشريعات حوادث العمل واألم ارض المهنية التي تعتبر جزءا من النظام العام وال يحق للمتضرر رفض وضعه كمؤمن اجتماعي من خالل الخصم مسبقا. ومن جهة أخرى، قد تحدد االتفاقيات 20 التعاقدية أو الدولية سقفا للتعويض كما هو الحال في اتفاقيات النقل الدولية أو االتفاقيات الخاصة بين الأط ارف . وفي غير هذه االستثناءات المقررة نصا أو اتفاقا، يظل مبدأ التعويض قائما على إعادة المضرور إلى الوضع الذي كان عليه قبل وقوع الضرر، ماديا كان أو معنويا. ويقدر التعويض وفق الظروف الواقعية لكل حالة بحيث يعكس حجم الضرر الفعلي فقط، دون أن يتجاوزه أو يقل عنه، مع م ارعاة أن المضرور يتحمل التعويض عن الجزء الذي يقع على مسؤوليته الجزئية فقط. كما أن مساهمة المضرور في إحداث أو تفاقم الضرر ال تؤخذ بعين االعتبار لتخفيف مسؤولية المدعى عليه إال إذا ارتقت إلى مستوى الخطأ، إذ إن مجرد سلوك أو ق ارر صادر عنه، 21 ال يرقى إلى وصف الخطأ قضائيا، وال يبرر تقاسم المسؤولية . تعزي از لهذا المعنى، أرست محكمة النقض الفرنسية في ق ارر شهير مبدأ جوهريا يقضي بأن إعفاء المسؤول (الطبيب) جزئيا من التعويض ال يتحقق بمجرد صدور فعل مادي من المضرور(المريض) ساهم في تفاقم الضرر كق ارره السفر للعالج في مكان آخر، بل يجب أن يثبت أن هذا التصرف يشكل خطأ قانونيا في جانبه. وبذلك، فإن مجرد مساهمة المضرور المادية في إحداث الضرر أو زيادته ال تكفي لتقاسم المسؤولية ما لم يثبت انح ارف سلوكه عن الحيطة والحذر، وهو ما يعزز التفسير الضيق لحاالت الإعفاء من المسؤولية صيانة لحق المضرور في 22 التعويض الكامل .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

كما أكدت محكمة النقض بشكل متكرر أن المضرور غير مل زم بالحد من ضرره لمصلحة المسؤول، مع 23 توقع اتخاذه خطوات معقولة لتخفيف الأثر السلبي، بينما يعد رفض عالج خطير أو مؤلم حقا مشروعا للمضرور . وبذلك، رفضت محكمة النقض تطبيق مبدأ » damage of Mitigation « 24 المعتمد في القانون الإنجليزي . « La minimisation des موا ازة مع هذا المسار، يثير مبدأ الحد من الضرر في المنظومة الفرنسية dommages » اليوم إشكالية فلسفية وقانونية معقدة، إذ يعكس ص ارعا بين العقيدة التقليدية لإلصالح الكامل التي تعفي المضرور من أي عبء إضافي، والتوجهات النفعية الحديثة التي تنادي بفرض مسؤولية إيجابية على المتضرر. في هذا الإطار، يتبنى القانون الفرنسي حاليا ازدواجية تتسم بالحذر، فبينما يرفض المبدأ تماما في مجال الأض ارر الجسدية تكريسا لسيادة الجسد وحرمته، يبدي مرونة مت ازيدة في الأض ارر المادية والتعاقدية تماشيا 25 مع روح التعديالت التشريعية المرتقبة . ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ واجب الحد من الضرر كأداة لتحقيق العدالة التوزيعية والكفاءة االقتصادية، شريطة أن تظل التدابير المطلوبة من المضرور في نطاق االعتدال واألمان، دون أن تتحول إلى عبء مفرط يفرغ حق التعويض من محتوا ه. 26 23 ومن ذلك نقض محكمة النقض لحكم خفض تعويض متضرر من حادث سير بسبب رفضه الخضوع لعالج نفسي وتقويمي، مؤكدة أن المضرور غير ملزم طبيا أو قانونيا بالحد من ضرره لمصلحة المسؤول، وأن حريته في رفض العالج ال تعد خطأً ينقص ُ حقه في التعويض الكامل، ينظر فيه، Cass. 2e civ., n° 19 juin 2003, 01-13.289, Bull. 2003 II n° 203, p. 171 لتفصيل فلسفة هذا المبدأ في القانون الإنجليزي وارتباطه بركن السببية، ينظر، 24 DYSON Andrew, Mitigation in the Law of Damages, Thèse de doctorat, Université d'Oxford, Corpus Christi College, Trinity Term, 2016. 25 في هذا الصدد، يقترح مشروع "CATALA-VINEY " لسنة 5002 اعتماد حل معتدل يتمثل في إدماج مبدأ تخفيف الضرر ضمن القانون المدني، مع استثناء الحاالت التي قد تمس التدابير بالسالمة الجسدية للمضرور كما جاء في مادته .4121 وهو نهج

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

27 على صعيد متصل، ورغم إمكانية تفسير ق ارر قضائي حديث على أنه تمهيد إلدخال تعديل على هذا المبدأ 28 وبداية نحو القول بالت ازم المضرور بالحد من الضرر ، يظل موقف االجتهاد القضائي ال ارسخ ثابتا، مؤكدا أن التعويض الكامل يهدف إلى إعادة المضرور إلى وضعه السابق دون أي تخفيض أو تقييد 29 . بالمقارنة، وبحثا عما يمكن اعتباره موا ازة لهذا الموقف في القانون المدني الج ازئري بخصوص مبدأ التعويض 30 الكامل، يالحظ أن المشرع الج ازئري يكرس المبدأ كركيزة جوهرية في نظام المسؤولية المدنية حينما يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في تحديد طبيعة التعويض ومدى استحقاقه وفقا للمادتين 425 و425 مكرر ق م. وال تقتصر فلسفة المشرع على جبر الضرر فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة المضرور إلى الحالة التي كان عليها قبل وقوع الخطأ من خالل إل ازم المسؤول بتعويض كامل الضرر الالحق به -سواء كان جسديا أو ماليا أو معن ويا- شريطة أن يكون نتيجة طبيعية ومباشرة لإلخالل بااللت ازم. ويتجسد هذا المبدأ في شمولية التعويض لعنصرين أساسيين هما ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب مؤكد مما يعكس حرص المشرع على تحقيق التناسب الكامل بين جسامة الضرر وقيمة التعويض. ومن خالل تركيزه على ضرورة أن يكون الضرر محققا، يمنح المشرع قضاة الم وضوع مرونة لتفريد التعويض وفق الظروف الخاصة بكل حالة، بما في ذلك درجة خطأ المدين أو غشه، لضمان مطابقة التعويض للضرر الفعلي.

5 التحديات العملية لمبدأ التعويض الكامل:

قبل الخوض في التحديثات المتعلقة بمبدأ التعويض الكامل ومواكبته لتطوارت المسؤولية المدنية، جدير بالتوقف بداية إلى الإشكاالت العملية المتعلقة بتحديد معيار التعويض، مثل التساؤل عما إذا كان يحق للمتضرر التعويض وفق الكلفة الفعلية إلعادة الشيء أو استبداله دون م ارعاة االهت ارء أو القيمة السوقية، أم يتسع لم ارعاة للقيمة االقتصادية الحقيقية للمال المتضرر؟ وتتفاقم هذه الإشكالية على نحو أوضح عند التمييز بين حالة الهالك الكلي للشيء وحالة تضرره الجزئي، بما يثير تساؤال جوهريا حول عدالة معيار قياس التعويض الكامل حينها؟

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

31 وبمعزل عن الخالف الفقهي حول هذه المسألة، يتضح من االجتهاد القضائي أن الممارسة العملية تميل 32 إلى تغليب إعادة الوضع السابق للمضرور على االقتصار على القيمة السوقية. ففي حالة هالك الشيء ، يجيز القضاء تجاوز قيمته السوقية لتعويض كلفة الإصالح أو االستبدال متى كان ذلك ضروريا إلعادة المضرور إلى حالته الأصلية قبل وقوع الضرر، مع رفض تطبيق معامل االهت ارء، إذ أن إعادة الشيء غالبا ما تستلزم إنجازه بشكل جديد، وال يجوز تحميل المضرور فرق الكلفة بين القديم والجديد. أما في حالة تضرر الشيء القابل لإلصالح دون هالكه 33 ، فيحدد التعويض عادة بقيمة االستبدال إذا تجاوزت كلفة الإصالح هذه القيمة. ومع ذلك، إذا تعذر الإصالح أو االستبدال، يقتصر التعويض على القيمة السوقية للشيء، ما يعكس أن المعيار المعتمد يهدف إلى تعويض الضرر تعويضا عادال دون إفقار المضرور أو إث ارئه، مع م ارعاة إمكانية إعادة الحال إلى ما كانت عليه وظروف كل حالة على حدة. بهذا الخصوص، يبرز مشر وع تعديل المسؤولية المدنية لسنة 5042 بما تضمنه من أحكام دقيقة توثق ما استقرت عليه االجتهادات القضائية، حيث نصت المادة 4522 منه على أنه في حالة المساس بالممتلكات المادية، يحدد التعويض باألقل بين تكلفة إعادة الشيء إلى حالته الأصلية أو تكلفة استبداله، دون م ارعاة قدمه أو أي زيادة ُ محتملة نتيجة الإصالح. وإذا تعذر الإصالح أو االستبدال، يحتسب التعويض على أساس القيمة السوقية للشيء قبل الضرر في يوم صدور الحكم، مع خصم قيمة الشيء المتضرر إذا قرر المضرور االحتفاظ به بدال من إعادته 34 للمسؤول . 35 وعالوة على هذه التحديات، يثير تطبيق مبدأ التعويض الكامل مجموعة من الصعوبات العملية ، ال سيما عند تداخل المعايير السوقية مع القيمة العاطفية أو المعنوية للشيء. وفي هذا الإطار، يصبح التعويض عن طريق

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

الإصالح أو إعادة الشيء إلى حالته الأصلية إل ازميا حينما يفتقر السوق إلى بديل مطابق كما هو الحال مع السيا ارت الكالسيكية أو المقتنيات ذات القيمة الرمزية الخاصة. وعادة ما يمتد نطاق التعويض ليشمل فارق القيمة 36 الناتج عن الضرر، باإلضافة إلى جبر الأض ارر الناجمة عن الحرمان من االنتفاع أو تعطيل المصالح ، بما يضمن إعادة المضرور إلى وضعه السابق دون إفقار أو إث ارء. ب: مدى كفاية التعويض الكامل أمام الأض ارر الربحية المتسلسلة المستلزمة لتعويضات عقابية حيث نحاول التوقف عند قصور مبدأ التعويض الكامل في مواجهة الأخطاء الربحية المتعمدة (4)، ثم ننتقل إلى مسألة التعويض العقابي في القانون المدني من رفضه التقليدي إلى التقنين المشروط (5).

4 قصور مبدأ التعويض الكامل أمام الأخطاء الربحية المتعمدة:

رغم الأساس المتين لمبدأ التعويض الكامل والتكريس القضائي الواسع له، يظل هذا المبدأ أداة إصالحية تقليدية، ليس فقط بسبب الصعوبات العملية في تطبيقه كما توضح أعاله، بل أيضا لعدم قدرته على استيعاب خصوصية الأخطاء المهنية العمدية والربحية التي تولد أض ارار جماعية ومتسلسلة. ومع ذلك، وقبل التطرق إلى الإطار القانوني الجديد لهذا النوع من الأض ارر وفق التعديل الأخير على المسؤولية المدنية في ق م ف لعام 5052، تجدر الإشارة إلى أن تطبيق مبدأ التعويض الكامل يستبعد تلقائيا أي حديث عن التعويضات العقابية، فقد برزت هذه الأخيرة بشكل أوسع في نظم القانون المشترك Common « » Law المبنية على السوابق القضائية، حيث تمنح مبالغ مالية إضافية للمدعي فوق قيمة التعويض الجابر 37 للضرر، بهدف معاقبة المدعى عليه وردع الممارسات المماثلة في المستقبل . وعلى الرغم من التجذر العميق للتعويضات العقابية في تلك الدول، إال أنها ال تشكل نظاما متجانسا بأي حال من الأحوال. ويظهر التباين بينها عند مقارنة 38 النموذج الأمريكي بالبريطاني، فبينما يتسم القانون الأمريكي LE TOURNEAU Philippe, op.cit., p. 1205 ; OPHÈLE Claude, Dommages-intérêts et indemnité d’immobilisation, La notion de dommages-intérêts, ss la dir., Nicolas CAYROL, Thèmes & commentaires, Études, Dalloz, 2016, pp. 51 et ss. (Immobilisation d'un véhicule) 36 من القارارت الشهيرة في هذا المجال، التأكيد على أن التعويض عن شل حركة المركبة يجب أن يشمل القيمة االستعمالية لها، بصرف النظر عما إذا كان المالك قد استأجر بديال أم ال، Cass. 2e civ., 8 juill 1987, n° 85-14.052, Bull. 1987, II, nº 152 p. 87.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

بنطاق شامل يمتد ليغطي كافة مجاالت المسؤولية التقصيرية، نجد أن القضاء الإنجليزي قد انتهج مسلكا مغاي ار عبر تحديد وحصر الحاالت التي يحق فيها للمضرور المطالبة بهذه التعويضات 39 . كما يغرق النظام الأمريكي في عديد التعقيدات نتيجة االختالفات بين الواليات في معايير الإثبات، ووجود حدود قصوى للمبالغ الممنوحة، فضال عن تعدد آليات توزيع التعويض بين المضرور والخزينة العامة. Liebeck v. McDonald's Restaurants » ومن بين القضايا الشهيرة في هذا المجال، تبرز قضية «، المعروفة إعالميا بقضية " قهوة ماكدونالدز"، حيث تعرضت سيدة مسنة لحروق جسيمة استدعت تدخال ج ارحيا إثر انسكاب قهوة ساخنة عليها أثناء وجودها في سيارة متوقفة. وقد منحت هيئة المحلفين المدعية تعويضات عقابية بلغت 5.2 مليون دوالر، استنادا إلى ثبوت علم الشركة المسبق بمئات الحوادث المماثلة وتقديمها القهوة بدرجات ح اررة مرتفعة تنطوي على خطورة. غير أن القاضي تدخل الحقا وخفض المبلغ إلى نحو 120 ألف دوالر العتباره مفرطا. وانتهت الدعوى بتسوية ودية قدرت بنحو 20 ألف دوالر تقريبا. وقد تحولت هذه القضية إلى نموذج بارز في الجدل الدائر حول التعويضات العقابية بعدما ساد انطباع عام بأنها دعوى تافهة، في حين أظهرت 40 وقائعها وجود إصابات خطيرة وسياسات تسويقية مثيرة للنقاش أعقبها تعديل في ممارسات الشركة . ثم بخالف التوسع الأمريكي، تبنى القانون الإنجليزي التعويض العقابي من منظور "استثنائي" ذي صبغة شبه ج ازئية، إذ يمتد لتشمل الردع والعقاب في حاالت نوعية يصيغها القضاء بص ارمة. ويرجع هذا التوجه إلى الدور المحوري للسوابق القضائية التي تمنح التعويض العقابي لمواجهة الأفعال الجسيمة أو تلك التي تحقق ربحا للمسؤول يتجاوز قيمة التعويض التعويضي، وذلك إيمانا بأن قصر المسؤولية على التعويض المحض قد يفرغها من قيمتها الردعية. ومن ثم، يظل القضاء الإنجليزي هو المصدر الإنشائي لهذا النظام بعيدا عن القوالب التشريعية السائدة في الأنظمة الالتينية. ليتضح الفارق الجوهري بين النظامين في "التطبيق والنطاق"، فالنظام الإنجليزي نظام مقيد وحصري في حاالته، بينما يتسم النظام الأمريكي بالمرونة والشمولية. 488-491; Jack M BEERMANN, Punitive Damages in the United States, Boston University School of Law, 2007, 140–144 39 برزت مؤخ ار د ارسة تجريبية تعتبر الأولى من نوعها في إنجلتار حول التعويضات العقابية، حيث حللت 412 دعوى قضائية صدرت في محاكم الدرجة الأولى في جميع أنحاء المملكة المتحدة (باستثناء اسكتلندا) خالل السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. وكشفت النتائج أن التعويضات العقابية تمنح بنسبة معقولة نسبيا عندما يطلب منحها، لكنها كانت أكثر انتشا ار في الدعاوى ذات الطابع التجاري - أي الدعاوى التي تهدف لتحقيق الربح من الأعمال - مقارنة ببقية المجاالت، وهو ما يشير إلى أن الأعمال التجارية قد تتعرض للتعويضات العقابية بشكل أكثر تك ارار، ينظر فيها، GOUDKAMP James, and KATSAMPOUKA Eleni, “An Empirical Study of Punitive Damages”, Oxford Journal of Legal Studies, vol. 38, No1, Oxford University Press, 2018, pp. 90–122.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14
0 التعويض العقابي في القانون المدني من الرفض إلى التقنين المشروط:

لعل أول ما يلفت االنتباه في مواقف الدول التي تقر التعويضات العقابية هو موقف القانون المدني الحالي لكيبيك 41 باعتباره نموذجا مدنيا محدثا مستلهما من تقاليد القانون الفرنسي، ونهج توفيقي جمع بين التطور التشريعي واالجتهاد القضائي واستيعاب بعض تأثي ارت نظام ال »Law Common « في تنظيم متوازن للتعويضات العقابية. فقد نصت المادة 4254 منه 42 على أن هذه التعويضات، متى قررها القانون، يجب أال تتجاوز القدر الكافي لتحقيق وظيفتها الوقائية، مع تقديرها في ضوء ظروف القضية، وال سيما جسامة الخطأ، والوضع المالي للمدين، ومقدار التعويض الأصلي، وإمكانية تحمل طرف ثالث لهذا العبء كليا أو جزئيا. ويكرس هذا التنظيم حال وسطا، إذ ال يجعل التعويض العقابي مبدأ عاما، بل يقصره على الحاالت التي ينص عليها المشرع ص ارحة، كمنع تك ارر 43 السلوكيات الضارة أو مواجهة الأخطاء ذات الطابع الربحي، مع الإبقاء على سلطة تقديرية مرنة في تحديد مبلغه. 44 كما تعد الأرجنتين من التجارب الجديرة باالهتمام في مجال التعويضات العقابية، ذلك أنه في الوقت الذي لم يدرج هذا النظام في قانونها المدني انسجاما مع فلسفة التقليد المدني القائمة على جبر الضرر ال معاقبة المسؤول، وترك الوظيفة الردعية للج ازءات الجنائية أو الإدارية. استحدث المشرع استثناء محدودا في قانون حماية المستهلك من خالل مادته 25 مكرر 45 ، م ارعاة لخصوصية عالقات االستهالك التي تتسم باختالل التوازن بين المورد والمستهلك، والحاجة إلى ردع الممارسات الربحية الضارة والمتكررة في السوق. وعليه، حصر تطبيق الغ ارمة 41 تنفرد مقاطعة كيبيك الكندية بنظام قانوني مغاير لألنظمة السائدة في بقية المقاطعات، فبينما تستند الأخيرة إلى نظام Common( ) Law ذي الجذور الإنجليزية، تتبنى كيبيك نظام القانون المدني ) Law Civil ( المستوحى من التقاليد القانونية الفرنسية. ويتجلى هذا التباين بوضوح في أحكام العقود، والملكية، واألسرة، وااللت ازمات، بما يجسد الخصوصية الثقافية واللغوية لهذا الإقليم الناطق بالفرنسية، ولتفصيل ذلك من موقع وازرة العدل الكندية تعريفا بجذور النظام القانوني الهجين في كندا ينظر، https://www.justice.gc.ca/eng/csj-sjc/just/03.html. 42 ينظر في نصها الأصلي، https://www.quebec.ca/

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

المدنية في نطاق االستهالك كآلية وقائية وردعية خاصة، دون تعميمها في إطار المسؤولية المدنية العامة حفاظا على مبدأ التعويض الجبري الكامل. لتجسد التجربة الأرجنتينية نموذجا حذ ار بحصرها التعويض العقابي في نطاق قانون حماية المستهلك صونا لفلسفة جبر الضرر التقليدية في القانون المدني. رغم ما قد يثي ره هذا الحصر من تساؤالت حول مدى كفايته، ذلك أنه قد ال يكفل مواجهة الأخطاء الربحية خارج دائرة االستهالك كما في انتهاكات الحقوق اللصيقة بالشخصية عبر الفضاء الرقمي، حيث قد تفوق الأرباح المتحققة بكثير قيمة التعويض الجبري التقليدي. ومجا ارة للتوجه العقابي، خطت محكمة النقض الفرنسية سنة 5040 خطوة أولى نحو استيعاب فكرة التعويضات العقابية، حين أقرت إمكانية االعت ارف في فرنسا بحكم أجنبي قضى بها، معتبرة أنها ال تتعارض مع النظام العام الفرنسي إال إذا كانت غير متناسبة مع الضرر. وقد أعاد هذا الموقف إحياء الإشكال المتصل بعالقة التعويضات العقابية بالقانون الدولي الخاص 46 ، وال سيما مدى سلطة القاضي الوطني في استبعاد تطبيقها متى كانت مقررة بموجب قانون أجنبي استنادا إلى تصوره لمفهوم النظام العام في دولته وحدود الرقابة التي يمارسها في هذا الإطار. Catamaran» وتعود وقائع الن ازع إلى إقدام زوجين أمريكيين على ش ارء قارب من نوع « من تصنيع Fountaine Pajot» شركة « الفرنسية، قبل أن يستصد ار حكما عن المحكمة العليا بكاليفورنيا يقضي بإل ازم الشركة بدفع مبلغ إجمالي قدره 155215211 دوال ار، شمل تعويض تكاليف إصالح الأض ارر وأتعاب المحاماة، إضافة إلى مبلغ 451205000 دوالر كتعويضات عقابية تأسيسا على ثبوت إخفاء عيوب في القارب. وعند السعي إلى تنفيذ الحكم في فرنسا، رفضت محكمة االستئناف منحه الصيغة التنفيذية بدعوى مخالفته للنظام العام، مما دفع الزوجين إلى الطعن بالنقض محتجين بأن التعويضات العقابية ال تتعارض في ذاتها مع المبادئ الأساسية للقانون الفرنسي. 47 وقد حسمت محكمة النقض الفرنسية الن ازع بق اررها الصادر في 4 ديسمبر 5040 ، حيث أرست مبدأ قانونيا مزدوجا، فمن جهة، أقرت بأن الحكم بتعويضات عقابية ال يشكل في حد ذاته وبشكل مبدئي مخالفة للنظام العام الفرنسي، ولكنها من جهة أخرى اشترطت لقبول تنفيذ مثل هذه الأحكام أال يكون المبلغ المحكوم به غير متناسب Manifestement disproportionné» بشكل صارخ « مع الضرر الفعلي المترتب على الإخالل بااللت ازمات التعاقدية. ولما تبين للمحكمة أن التعويضات الممنوحة في الحكم الأمريكي تتجاوز بكثير سعر ش ارء القارب وقيمة الأض ارر الحقيقية، بما يؤدي إلى إث ارء الطرف المتضرر بال سبب قانوني، فقد قررت المحكمة رفض الطعن وتأييد الحكم الذي منع تنفيذ الق ارر الأجنبي في فرنسا، وذلك لمخالفته لمبدأ التناسب الذي يعد ركيزة من ركائز النظام

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

الفرنسي، وفي ذلك جاء ما نصه من نفس الق ارر: "إذا كان مبدأ الحكم بتعويضات عقابية ال يعد، في ذاته، مخالفا للنظام العام، فإن الأمر يختلف عندما يكون المبلغ المحكوم به غير متناسب مع الضرر الالحق ومع الإخالل 48 بااللت ازمات التعاقدية الواقعة على عاتق المدين" . «CATALA-VINEY» وعلى هذا المسار، سارت مشاريع الإصالح، حيث تبني مشروع تنظيم التعويضات العقابية بوضوح في نص مادته 4124 حينما أجازت الحكم على مرتكب خطأ متعمد، وال سيما الخطأ الربحي، باإلضافة إلى التعويضات الجبرية، بتعويضات عقابية يمكن للقاضي أن يخصص جزءا منها لفائدة الخزينة العامة. مع تأكيد مشروع الإصالح لسنة 5042 على نفس المبدأ في تفصيل أكثر من خالل مادته 4-4522 التي انطلقت من أنه في نطاق المسؤولية التقصيرية، إذا ارتكب المسؤول عن الضرر خطأ متعمدا بهدف تحقيق ربح أو توفير اقتصادي، يمكن للقاضي، بناء على طلب المضرور أو النيابة العامة وق ارر مسبب، إل ازمه بدفع غ ارمة مدنية متناسبة مع جسامة الخطأ، وقد ارته المالية، واألرباح المكتسبة، على أال تتجاوز عشرة أضعاف الربح المحقق، وللشخص المعنوي يجوز رفعها إلى 2% من أعلى رقم معامالت خال من الض ارئب خالل السنوات المالية السابقة. وتخصص الغ ارمة لتمويل صندوق تعويض مرتبط بطبيعة الضرر، أو الخزينة العمومية 49 عند عدم وجوده، وهي غير قابلة للتأمين . هذا، وبمعزل عن التطور القضائي وما تناولته مشاريع الإصالح، بقي الفقه الفرنسي منقسما بشأن تبني التعويضات العقابية في القانون المدني. ففي الوقت الذي رفضها فيه المذهب الغالب بوصفها "شذوذا" يخلط بين 50 الوظائف المدنية والجنائية، لم يمانع تيار آخر تبنيها شريطة تأطيرها التشريعي بدقة وحصرها في مجاالت محددة . ويختلف النقاش هنا عما دار في الواليات المتحدة وإنجلت ار حينما ركز على إصالح التعويضات العقابية أو وضع ضوابط لتقييدها، بينما انصب االهتمام في دول القانون المدني على مشروعية تبنيها أصال، نظ ار لتعارضها مع المبدأ ال ارسخ المتمثل في التعويض الكامل للضرر، وما يستتبعه من ضرورة الفصل الصارم بين القانون المدني ذي الوظيفة التعويضية والقانون الجنائي ذي الوظيفة العقابية. ومع ذلك، فقد سارت إ اردة المشرع الفرنسي وفق ما نادت به مشاريع الإصالح، إذ أقر التعويض العقابي في خطوة مفاجئة منتصف عام 5052، وهو ما يستدعي التحليل في الشق الثاني من هذه الورقة. 48 « Mais attendu que si le principe d'une condamnation à des dommages-intérêts punitifs, n'est pas, en soi, contraire à l'ordre public, il en est autrement lorsque le montant alloué est disproportionné au regard du préjudice subi et des manquements aux obligations contractuelles du débiteur ». 49 ينظر فيها من خالل فق ارتها الستة بالنص الأصلي الفرنسي، في مقابل ترجمته إلى العربي، بن خدة حمزة، المرجع السابق، ص. 524، .525

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17
ثانيا: الخطأ الربحي المهني المولد ألض ارر متسلسلة والوظيفة الردعية العقابية

انتهاء بما شهده القانون المقارن من ص ارع مفاهيمي بين فلسفتين، فلسفة الأنظمة الأنجلوسكسونية التي تتبنى التعويضات الردعية كأداة لزجر السلوك الجسيم، وفلسفة النظام الالتيني التي تقدس مبدأ التعويض الكامل القائم على جبر الضرر دون زيادة أو نقصان. اتضح أن هذا التصادم بدأ يشهد انف ارجا تدريجيا إثر ق ارر محكمة النقض الفرنسية الشهير عام 5040 الذي مثل نقطة تحول جوهرية بقبوله المبدئي للتعويضات العقابية، مما فجر نقاشات فقهية معمقة نادت بضرورة إد ارج العقوبة المدنية لمواجهة الأض ارر المتسلسلة الناتجة عن أخطاء مربحة عمدية. وهو المخاض الفقهي والقضائي، الذي تبلور عبر مشاريع إصالحية متعاقبة، وتوج في نهاية المطاف بتبني تشريعي غير تقليدي، حيث أصبحت سنة 5052 العام الرسمي الذي اعتمد فيه نظام التعويض العقابي صلب قانون المسؤولية المدنية الفرنسي، معلنا بذلك تحوال عميقا من الوظيفة التعويضية الصرفة إلى تدعيمها بوظيفة ردعية تواكب مقتضيات العدالة الحديثة. من هذا المنطلق، وتحت عنوان أحكام متنوعة لتكييف القانون مع تشريعات االتحاد الأوروبي في مجاالت االقتصاد والمالية والبيئة والطاقة والنقل والصحة وحركة الأشخاص، صدر في فرنسا القانون رقم 114-5052 بتاريخ 10 أبريل 5052 51 ، متضمنا في مجال القانون المدني إضافة مادة واحدة وجديدة هي المادة 4521، حيث نصت على: "متى ثبتت مسؤولية شخص عن إخالل بااللت ازمات القانونية أو التعاقدية المتعلقة بنشاطه المهني، جاز للقاضي، بناء على طلب من النيابة العامة أمام جهات القضاء العادي، أو بطلب الحكومة أمام جهات القضاء الإداري، وبموجب ق ارر مسبب تسبيبا خاصا، أن يحكم عليه بدفع عقوبة مدنية، يخصص ريعها لصالح صندوق مكرس لتمويل الدعاوى الجماعية. ال يجوز الحكم بالعقوبة المدنية إال إذا توافرت الشروط اآلتية: .4 أن يكون مرتكب الضرر قد ارتكب خطأ عمديا بغية تحقيق ربح أو توفير غير مشروع. .5 أن يكون الإخالل الثابت قد ألحق ضرار واحدا أو أض ارار متعددة بعدة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين يتواجدون في وضعية مماثلة. يحدد مبلغ العقوبة بما يتناسب مع جسامة الخطأ المرتكب والربح الذي حققه مرتكبه. فإذا كان الفاعل شخصا طبيعيا، فال يجوز أن يتجاوز هذا المبلغ ضعف الربح المحقق. أما إذا كان الفاعل شخصا اعتباريا، فال يجوز أن يتجاوز المبلغ خمسة أضعاف الربح المحقق.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

وفي حال جواز الجمع بين العقوبة المدنية وغ ارمة إدارية أو جنائية مفروضة على مرتكب الإخالل عن ذات الوقائع، فإن المبلغ الإجمالي للغ ارمات المقضي بها ال يجوز أن يتجاوز الحد الأقصى القانوني الأعلى قرار وال 52 يجوز التأمين ضد مخاطر الحكم بالعقوبة المدنية" . وعليه، نحاول التعرض بشيء من االختصار إلى هذا النظام المستجد في المادة 4521 ق م ف من خالل نقطتين رئيسيتين، نظام العقوبة المدنية لألخطاء المهنية العمدية ذات الأض ارر المتسلسلة (أ)، ثم أهم مظاهرها . التطبيقية(ب) أ: نظام العقوبة المدنية عن الأخطاء المهنية العمدية ذات الأض ارر المتسلسلة حيث نتوقف عنده من خالل شروط تطبيق المادة الجديدة (4)، ثم نطاق العقوبة ومآل ريعها (5).

4 شروط تطبيق المادة :4521

من خالل نص المادة 4521 ق م ف أعاله، يتضح أن المشرع الفرنسي اشترط لتطبيق هذه المادة توفر شروط موضوعية وإج ارئية صارمة، أبرزها من الناحية الموضوعية إثبات ارتكاب المسؤول خطأ عمديا في سياق نشاطه المهني بهدف تحقيق ربح أو منفعة غير مشروعة، على أن يكون هذا الإخالل قد ألحق أض ارار متعددة بأشخاص في وضعية مماثلة. أما من الناحية الإج ارئية، فقد حصر المشرع حق طلب توقيع هذه العقوبة بيد النيابة العامة أمام القضاء العادي أو الحكومة أمام القضاء الإداري، مع إل ازم القاضي بتقديم تسبيب مفصل لق ارره. كما وضع القانون سقفا ماليا محددا بضعف الربح لألف ارد وخمسة أضعافه للشركات، على أن يخصص ريع هذه العقوبة في النهاية إلى صندوق تمويل الدعاوى الجماعية، تعزي از لمنظومة العدالة الوقائية. على ضوء ذلك، ونظ ار للحداثة التي يكتسيها هذا الموضوع في الشق التشريعي مدنيا، سنقتصر على استع ارض الشروط الموضوعية دون التطرق إلى الجانب الإج ارئي، وذلك من خالل تسليط الضوء على أربعة شروط منصوص عليها في المادة 4521 ق م ف هي: اتصال الخطأ بالنشاط المهني، وتوافر عنصر القصد (العمدية)، وكون الخطأ مد ار للربح، وإفضاؤه إلى ضرر متسلسل يصيب عدة متضررين.

4.4 الصفة المهنية للمسؤول :

في هذا السياق، يتجلى التوجه الواضح للمشرع الفرنسي نحو توسيع نطاق المسؤولية مقارنة بما كان مطروحا في مشروع إصالح المسؤولية المدنية لعام 5042 (المادة 4-4522) كما توضح سابقا، حيث كان المشروع 52 لنصها الأصلي بالفرنسية يعاد إلى، https://www.legifrance.gouv.fr/codes/article_lc/LEGIARTI000051541660. المجلد 71، العدد 0102-17 174 بن خدة حمزة، "تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية تحليل في ضوء استحداث المادة 7021 من القانون المدني الفرنسي سنة 0102"، ص ص .782-721

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

يقتصر على تطبيق الج ازء ضمن نطاق المسؤولية التقصيرية فقط، في حين شملت المادة 4521 الجديدة الإخالل . بااللت ازمات القانونية أو التعاقدية المرتبطة بالنشاط المهني 53 ومؤدى الشرط ، أن القيد الأول لتطبيق العقوبة المدنية يتمثل في ضرورة اتصال الخطأ بالنشاط المهني للمسؤول، إذ حصر المشرع هذا الج ازء الردعي في إطار الممارسة االحت ارفية دون العالقات المدنية العادية بين الأف ارد. وتتجلى الحكمة من هذا التقييد في رغبة المشرع في ضبط سلوك الفاعلين االقتصاديين والمهنيين الذين قد تغريهم مواقعهم المهنية أو إمكانياتهم التقنية لتجاوز القانون سعيا وارء الربح. وبذلك، يخرج عن نطاق المادة أي خطأ عمدي يرتكبه الشخص في حياته الشخصية بعيدا عن نشاطه المهني، مما يضفي على العقوبة طابعا مهنيا تقويميا يهدف إلى تنقية بيئة الأعمال والممارسات االحت ارفية من االنح ارفات العمدية. في سياق ذي صلة، يتضح أن نطاق تطبيق المادة ال يقتصر على العالقات االستهالكية بين المستهلك والمهني، بل يمتد ليشمل الروابط القانونية بين المهنيين أنفسهم، بما يمس قطاعات أخرى مثل المنافسة. وبناء عليه، فإن أي شخص تثبت مسؤوليته عن إخالل مرتبط بنشاطه المهني قد يكون عرضة لتطبيق هذه العقوبة إذا أدى فعله إلى أض ارر متسلسلة. كما يالحظ أن المشرع، رغم إد ارجه هذه المادة المستحدثة ضمن أحكام المسؤولية التقصيرية. إال أنها تثير 54 إشكالية فقهية تتعلق بتالشي التمييز التقليدي بين نظامي المسؤولية العقدية والتقصيرية. ذلك أن صياغة النص جاءت واضحة، إذ نصت ص ارحة على قابلية إنفاذ العقوبة المدنية في حاالت الإخالل بااللت ازمات القانونية أو التعاقدية المرتبطة بالنشاط المهني، مما يؤكد انضواء المسؤوليتين معا تحت مظلة النطاق المستحدث لهذه العقوبة. وبالبحث عن الأسس التحليلية لهذا الشرط، يمكن القول إن تعلق الخطأ المربح بالمهني، وفق معنى المادة 4521، يجد تأصيله العميق في مبادئ التحليل االقتصادي 55 للقانون . فالمفهوم يتجاوز النظرة التقليدية للمسؤولية نحو تبني الفاعلية النفعية بهدف تكريس الكفاءة الردعية. ووفق هذا المنظور، ال تكون القاعدة القانونية فعالة إال إذا منعت المهنيين من تحويل المخالفة إلى است ارتيجية ربحية تجعل التعويض مجرد تكلفة تشغيلية ضئيلة. لذا تتدخل العقوبة المدنية لتحميل عبء الضرر على من هو في أفضل وضع لمنعه بأقل كلفة، مما يحفز الفاعلين على تقليل الأفعال الضارة بفعالية. ورغم أن هذا التوجه يتيح معالجة بعض أزمات المسؤولية عبر أدوات اقتصادية

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

مبتكرة، مثل معيار الحصص السوقية، إال أنه يفرض على الفقه تحديا يتمثل في استثمار هذه الكفاءة دون االنزالق نحو تبعية القانون لالقتصاد، ليظل الهدف من العقوبة المدنية تقويم االنح ارف المهني وحماية ن ازهة السوق ، ال مجرد حسابات مادية تخلو من البعد الأخالقي.

5.4 ثبوت الخطأ العمدي:

ال يكفي أن يكون الخطأ ناتجا عن الإهمال، بل يشترط أن يكون مرتكبه قد تعمد الخطأ بهدف تحقيق ربح أو منفعة غير مشروعة. وبذلك، يتمحور شرط العمدية حول الإ اردة الواعية للمهني في تخطي حدود النظام العام، ليصبح ركنا معنويا يستوجب تطبيق العقوبة المدنية، ال سيما فيما يتعلق بقواعد السوق اآلمرة التي تضبط حرية المنافسة والتعاقد. ويتجسد هذا الشرط في النهج الواعي والمتعمد للفاعل، إذ ال يقع الإخالل نتيجة تقصير فني، بل نتيجة ق ارر إ اردي بتجاهل االلت ازمات القانونية أو التعاقدية. ومن ثم، تحول العمدية الخطأ من مجرد زلة مهنية إلى انح ارف إ اردي يهدف إلى كسر هيبة القاعدة القانونية بسبق إص ارر، مما يمنح القاضي مبرار لتطبيق عقوبة 56 تتجاوز منطق التعويض التقليدي .

1.4 تحقق الربح أو المنفعة:

وبذلك، تربط المادة العقوبة بوجود ربح محقق أو تقليل النفقات بطريقة غير قانونية حينما يتم احتساب مبلغ العقوبة بناء على هذا الربح. ويمكن تشبيه وصف الخطأ العمدي بالربحية بالركن المادي الذي يستوجب عقوبة مادية وفق معاني المادة 4521 أعاله. ويتمثل هذا الركن في النتيجة االقتصادية الملموسة التي تنقل الخطأ من الإطار المعنوي إلى حيز االستغالل المادي، إذ يتجسد الربح في نفع مادي أو توفير ملموس في النفقات ناتج مباشرة عن الفعل الضار. ويتحقق هذا الركن عندما ينتج عن الخطأ كسب يتجاوز سقف التعويضات التقليدية، مما يمكن إثباته ماديا عبر حسابات التكلفة والفائدة التي أج ارها المهني. فبينما تحاكم العمدية نوايا الفاعل، تنازع 57 الربحية العائد المادي الفعلي أو المفترض الذي جعل من الخطأ عملية استثمارية غير مشروعة . هذا وقد يتقاطع الشرطان، العمد والربحية، ليشكال معا شرطا متصال من شقين، إذ إن الخطأ المربح يتجاوز المنطق التقليدي للتعويض الذي يركز على نتيجة الفعل فحسب، ليعيد االعتبار إلى درجة خطورة السلوك، ذلك أن هذا الخطأ يمثل أقصى درجات العمدية المصحوبة بمخالفة قواعد القانون، ويتجلى التداخل بين العمد والربحية في ارتكاب الفعل الضار بعلم مسبق بنتيجته المتوقعة، بحيث تتوجه إ اردة الفاعل نحو تحقيق مصلحة ذاتية على حساب المضرور في الوقت ذاته. وهذا االقت ارن بين القصد والمنفعة يخرج الفاعل من دائرة الإهمال إلى رحاب

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

الخطأ الخاص المرتكب عن بينة وفق فلسفة تتقاطع بوضوح مع مفاهيم التجريم في القانون الجنائي، حيث ال يكون الربح مجرد نتيجة، بل المحرك إل اردة انتهاك القانون 58 .

1.4 تسلسل الضرر:

ويمكن التعبير عن هذا الشرط عبر وحدة المصدر وتعدد المتضررين، إذ يجب أن يكون الإخالل قد ألحق ضرار بشخصين أو أكثر، سواء طبيعيين أو اعتباريين، يتواجدون في وضعية مماثل. وبذلك يفرض النص استيفاء شرط ت اركمي يتمثل في تعدد الأض ارر وتجانسها، إذ يقتصر تطبيق الج ازء على الإخالل الذي يلحق أض ارار بعدة مضرورين يجمعهم وضع مماثل، مما يمكن وصفه بالضرر الجماعي الناجم عن خطأ مربح. ويهدف هذا القيد إلى حصر العقوبة في االنتهاكات ذات الطابع المنهجي والمتكرر، كما هو الحال في قضايا المنافسة غير المشروعة، والتدليس التعاقدي، أو الإخالل بمبدأ الحيطة. ويطرح هذا الشرط تحديا مستقبليا أمام القضاء في ضبط 59 معيار "الوضعية المماثلة" وتحديد نطاق ارتباطه بمفهوم الأض ارر المتسلسلة لضمان تماسك التطبيق القانوني .

5 نطاق العقوبة ومآل عائداتها:

قبل التوقف عند نطاق الج ازء ومآل ريعه اتصاال بالمادة المادة 4521 ق م، يجدر التنويه إلى أن تناول فكرة العقوبة المدنية، ابتداء من »Law Common« وصوال إلى استحداثها في القانون المدني الفرنسي سنة 5052، «BORIS Starck» ال ينبغي أن يتجاوز الأثر الفكري العميق الذي تركته أطروحات الفقيه بوريس ستارك ، 60 والتي يمكن عدها من الإرهاصات الأولى لهذا التوجه، ذلك أن ستارك، عندما صاغ نظرية الضمان ، أقامها على التمييز بين وظيفتين أساسيتين للمسؤولية المدنية، هما وظيفة الضمان ووظيفة العقوبة الخاصة. وذهب حينها إلى أن بعض الأض ارر، وال سيما تلك التي تمس المصالح االقتصادية أو المعنوية، ال يكفي في مواجهتها مجرد التعويض القائم على أساس الضمان، بل ينبغي أن تقترن بإثبات الخطأ، بما يفسح المجال لظهور بعد عقابي داخل نظام المسؤولية المدنية.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن تصور ستارك للعقوبة الخاصة يشكل أحد المرتك ازت الفكرية التي مهدت لتقبل فكرة العقوبة المدنية في الفقه الحديث، إذ يكشف عن أن المسؤولية المدنية ال تنحصر دائما في مجرد جبر الضرر، بل قد تتجاو زه لتؤدي وظيفة ردعية ترمي إلى الحد من السلوك الضار وتحقيق قدر من التوازن بين حرية النشاط االقتصادي وضرورة حماية حقوق الغير، خاصة في الحالة التي يرتكب فيها المدين خطأ جسيما بقصد تحقيق منفعة على حساب الغير. وبخصوص العقوبة المدنية، تعرف من منظور كونها عقوبة خاصة على أنها: "الخسارة المفروضة كعق وبة تأديبية، في الحاالت المحددة قانونا، على مرتكب الأفعال االحتيالية عموما، والتي تقع على حساب متعاقد أو شريك ... ويعود نفعها للمتضرر من هذه الأفعال، حيث يحصل الأخير على فائدة تفوق في النهاية الضرر الذي 61 كان قد لحق به" . من هذا المنطلق، ومتى استوفت الواقعة شروطها الأربعة المذكورة أعاله، يتأكد ثبوت الإدانة، غير أن تقدير الج ازء يظل محكوما بضوابط تقييدية صارمة. إذ يوجب المشرع وفق المادة 4521 أعاله، م ارعاة التناسب المزدوج بين جسامة الخطأ المرتكب ومقدار النفع االقتصادي المتحقق. كما حدد النص سقفا مانعا للج ازء، يتمثل في ضعف الربح المحقق إذا كان المسؤول شخصا طبيعيا، وخمسة أضعافه إذا كان شخصا اعتباريا. وفي حالة تعدد الج ازءات، أي اقت ارن العقوبة المدنية بغ ارمات إدارية أو جنائية، حظر المشرع تجاوز المجموع الإجمالي للحد الأعلى المقرر قانونا، تفاديا لما يعرف باالزدواج العقابي المفرط. ولتكريس الفاعلية الردعية والوقائية لهذا النظام المستحدث، أسبغ المشرع على هذه الأحكام صفة القاعدة الأمرة بالنص ص ارحة على عدم قابلية الج ازء المدني للتأمين، وهو ما يقطع الطريق أمام أي محاولة إلف ارغ العقوبة من محتواها الزجري وجعلها مجرد رهان عملي يمكن 62 تغطيته بالتأمين . وحين الحديث عن اقت ارن العقوبة المدنية بالغ ارمات الإدارية أو الجنائية، ال يجب الخلط بينها وبين الغ ارمة 63 التهديدية ذلك أن الغ ارمة المدنية تفرض كج ازء عقابي يهدف إلى الردع والمعاقبة، وقد تمنح للمتضرر أو تسدد للخزينة العامة، بينما تحسب الغ ارمة التهديدية عادة عن كل يوم تأخير وتفرض لضمان تنفيذ حكم قضائي محدد، 61 « La perte infligée à titre de sanction punitive, dans les cas spécifiés par la loi, à l’auteur d’agissement frauduleux en général, accomplis au détriment d’un cocontractant ou d’un cohéritier dont le profit va à la victime de ces agissements, laquelle reçoit un avantage finalement supérieur au préjudice qu’elle avait subi », Les limites de la réparation du préjudice, op.cit., p. 430.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

مما يجعلها مجرد وسيلة إك ارهية وليست عقوبة بالمعنى الردعي أو الزجري. وبذلك، تختلف الغ ارمة التهديدية عن الغ ارمة المدنية في طبيعتها ووظيفتها القانونية، رغم اشت اركهما في كونهما مبلغا ماليا. 64 وبخصوص تحديد المستفيد وتسقيف المبلغ في التعويضات العقابية كخروج عن القواعد العامة، يالحظ أنه بينما ال يطرح مبدأ التعويض الكامل أي إشكال باعتباره حقا خالصا للمضرور يملك حرية التصرف فيه دون رقابة قضائية على وجهة إنفاقه، فإن إق ارر التعويض العقابي قد يفتح الباب أمام الإث ارء غير المشروع للمضرور بما يتجاوز ضررها الفعلي. ولمواجهة هذا الخطر، اقترحت مشاريع الإصالح كما اتضح سابقا تحويل جزء من هذه المبالغ إلى صندوق خاص أو الخزينة العامة. وفي السياق ذاته، يبرز نهج التوزيع المتوازن الذي يمنح القاضي سلطة تقسيم المبلغ بين الخزينة العمومية وصناديق التعويض المتخصصة، لضمان تحقيق الردع دون منح المضرور مكاسب استثنائية تفوق مبدأ التعويض الكامل، خاصة وأن المادة 4521 جعلت عائد العقوبة المدنية حص ار لدعم الدعاوى الجماعية. أما فيما يتعلق بآلية تقدير المبلغ، فقد تباينت المناهج بين التقييد والمرونة. ففي االتجاه المقيد، تبنت المادة 4521 ق م ف سقفا ماليا صريحا، بما يجعل التعويض العقابي ج ازء تكميليا ال يلجأ إليه إال عند توافر شروطه وعجز التعويض العادي عن تحقيق الردع الكافي. وفي مقابل هذا التوجه، أحجمت مشاريع الإصالح عن وضع سقف مالي محدد، تفاديا إلضفاء قدر من الجمود قد يدفع القاضي إلى اعتماد الحد الأقصى معيا ار آليا ثابتا. بما يفهم منه أن هذه المشاريع تركت السلطة التقديرية للقاضي ليوائم بين العقوبة وجسامة الخطأ وفق ظروف كل قضية. وهو ما يحقق التناسب ويصون الطابع الردعي دون إف ارط. ضمن الإطار ذاته، ورغم التحفظات التي تثار بشأن منح القاضي سلطة تقديرية واسعة في تقدير التعويضات العقابية، فإن ق ارءة المتطلبات القانونية تكشف عن قيود تحد من وطأة هذا التخوف. فمن جهة أولى، يظل النطاق الموضوعي لهذه الج ازءات محددا بدقة، إذ تستبعد كليا في نطاق المسؤولية الموضوعية (أي المسؤولية من دون 65 خطأ) ، وال يتصور تطبيقها إال عند ثبوت خطأ عمدي موصوف بكونه مربحا. ومن جهة ثانية، أظهرت النماذج التشريعية المقارنة أعاله إمكانية تحقيق توازن معقول في إنفاذ هذه العقوبات. ففي القانون الأمريكي على سبيل

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

المثال، ال يعد الحكم بالتعويضات العقابية شائعا بالقدر الذي قد يتصَّور، بل إن اجتهادات المحكمة العليا اتجهت ُ إلى تقييدها عبر إرساء معايير تناسبية تجعلها في الغالب مضاعفا للتعويضات الجبرية الأصلية. وبهذا، يتم احتواء خطر االنح ارف واإلف ارط القضائي، مع الحفاظ على استق ارر الم اركز القانونية وضمان الطابع الردعي دون تجاوز 66 . 67 بالمحصلة، تتجلى مبرارت إد ارج العقوبة المدنية في مواجهة هذا النوع من الأخطاء في تفعيل الوظيفة الردعية للمسؤولية، عبر تجريد المهني من أرباحه غير المشروعة المتجاوزة للتعويض التقليدي، منعا لتحول الخطأ ً العمدي إلى است ارتيجية استثمارية تخل بتوازن السوق ون ازهة المنافسة. غير أن هذه المفارقة ال تخلو من اعت ارضات جدية أخرى فضال عن التخوف من منح القاضي سلطة تقديرية مفرطة قد تمس االستق ارر العقدي. وتتمثل في التحفظات الفقهية المرتبطة بإمكان انزالق القانون نحو نوع من التبعية المادية لالعتبا ارت االقتصادية، بما قد يفضي إلى تغليب المنطق النفعي على المبادئ التقليدية للمسؤولية المدنية. ومن ثم، فإن مشروعية هذا الج ازء تظل رهينة بإحاطته بمعايير تناسبية دقيقة تحول دون االزدواج العقابي، وتحافظ على الحدود الفاصلة بين جبر الضرر -بوصفه جوهر دعاوى المسؤولية المدنية القائم على مبدأ التعويض الكامل- وبين الإف ارط في تفعيل ج ازء زجري يظل في بنيته الفلسفية عنص ار غير مألوف داخل النسق التقليدي للمسؤولية المدنية. ليبقى تقرير مبلغ العقوبة ومآله بعد التحصيل، حيث نصت المادة 4521 ق م ف على تحديد مبلغ العقوبة بما يتناسب مع جسامة الخطأ المرتكب والربح المحقق من قبله، على أال يتجاوز هذا المبلغ ضعف الربح المحقق إذا كان المسؤول شخصا طبيعيا، وخمسة أضعاف الربح إذا كان المسؤول شخصا معنويا. أما العائدات الناتجة ً عن هذه العقوبات، فتخصص وفق نفس المادة لصالح صندوق مخصص لتمويل الدعاوى الجماعية. وضمن نطاق الدعوى الجماعية، تضمن القانون رقم 114-5052 الصادر في 10 أبريل 5052 إصالحا مهما لنظام الدعاوى الجماعية، مستندا إلى المادة 4521 ق م ف التي أقرت إمكانية الحكم بعقوبة مدنية حال توفر الشروط أعاله. ويهدف هذا الإصالح إلى توحيد الدعوى الجماعية أمام القضاء العادي واإلداري، وتوسيع نطاقها الإج ارئي، مع إنشاء سجل عام تديره وازرة العدل الفرنسية لنشر المعلومات وكشف الممارسات المخالفة للقانون. كما مكن القاضي من رفض الدعوى إذا كانت بال أساس للحد من الدعاوى التعسفية، وألغى شرط الإعذار المسبق لتسهيل اللجوء إليها. أما على المستوى الموضوعي، فمكن الدعوى من وقف السلوك المخالف أو تعويض الأض ارر لمجموعة من الأشخاص في وضعية مماثلة، مع تنظيم مسؤولية المدعى عليه وآلية انضمام المتضررين

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

بنظام االختيار. انتهاء بتنظيمه لم ارحل تصفية الأض ارر وتعويض الضحايا، بما في ذلك الوساطة للتسوية الودية، 68 لتعزيز فعالية الدعوى وحماية مصالح المتضررين وضمان سير العدالة . ب: أهم النماذج العملية لألخطاء المهنية المربحة المولدة ألض ارر تسلسلية تتعدد مظاهر هذا النوع من الأض ارر، وتبرز بوضوح في القطاعات الإنتاجية والخدمية التقليدية، ففي مجال البناء والمنتجات االستهالكية مثال، يتجسد هذا الخطأ في استعمال مواد رديئة أو ملوثة بقصد خفض التكلفة، بما يفضي إلى أض ارر جماعية تطال المالك والمستهلكين. كما يظهر في القطاع الطبي من خالل تبني أنماط عالجية 69 أو تس ويقية تغلب االعتبا ارت الربحية على مقتضيات السالمة، السيما في قضايا الأدوية والمنتجات الطبية حيث قد يضحى بمعايير الأمان حفاظا على تقليل النفقات أو تثبيت الحصص السوقية. وتمتد هذه الممارسات كذلك إلى قطاعات النقل والخدمات عبر التهاون العمدي في معايير السالمة، وغيرها من المجاالت التي يشترك فيها عنصر تعدد الضحايا في وضعيات مماثلة، بما يبرر تفعيل الج ازء المدني المستحدث لتجاوز منطق التعويض الفردي نحو ردع مالي شامل يستهدف السلوك المنهجي ال الأثر الفردي فحسب. وانطالقا من تنوع هذه الصور وتعدد مجاالتها، سنقتصر على إب ارز نموذجين بالغي الحساسية التصالهما الوثيق بجوهر هذا النوع من الأض ارر، أولهما حماية المعطيات الشخصية باعتبارها التحدي الرقمي الأبرز في العصر ال ارهن، وثانيهما مجال المنافسة بوصفه ركيزة التوازن االقتصادي وضابط ن ازهة السوق .

4 الضرر المهني المتسلسل المتصل بحماية المعطيات الشخصية:

نظ ار لألرباح الهائلة التي تدرها أنشطة معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، باتت توصف ب "الذهب الأسود" للقرن الحادي والعشرين، مما يجعل هذا القطاع مجاال نموذجيا لتفعيل أحكام المادة 4521 ق م ف، فلم تعد البيانات مجرد معطيات مجردة، بل تحولت إلى أصول مالية است ارتيجية تغذي نماذج الأعمال الرقمية وتع زز

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26

القوة السوقية للشركات الكبرى . ويتجلى الخطأ الربحي المهني بوضوح في نموذج عمل شركات الإعالنات الموجهة، كما في قضية شركة Criteo سنة 5051 70 ، حيث تعمدت معالجة بيانات ماليين الأشخاص دون استيفاء الموافقة الصريحة، مفضلة خرق الت ازماتها المهنية لتعزيز قدرتها التنافسية. وقد انبنت هذه الممارسة على منطق حسابي قوامه أن العوائد المتأتية من استغالل البيانات تفوق بكثير قيمة الغ ارمات الإدارية المحتملة، بما يحول المخالفة إلى خيار استثماري محسوب. ففي مثل هذه الحاالت، يبرز دور الج ازء المدني المستحدث في مصادرة الأرباح غير المشروعة وتجريد الخطأ من جدواه االقتصادية، فال يتحول انتهاك قواعد حماية البيانات إلى است ارتيجية ربحية تقوض الثقة الرقمية وتخل بتوازن السوق 71 . في هذا السياق، تثير الأض ارر المتسلسلة تساؤالت جوهرية حول نجاعة الردع في مواجهة االنتهاكات الجماعية إذا ما ظل نطاق المسؤولية محصوار في التعويض وفقا للمنطق التقليدي. وتكمن خطورة هذه الأخطاء المهنية في طبيعتها التعددية، إذ تصيب آالف الأشخاص في وضع قانوني متماثل، كما هو الشأن في وقائع اخت ارق قواعد البيانات واسعة النطاق أو المعالجة غير المشروعة للمعطيات الشخصية، حيث يقوم هذا النمط من الخطأ المربح Fragmentation du La faute lucrative » « على است ارتيجية يمكن وصفها بتفتيت الضرر « dommage » ، ذلك أن تعويض كل متضرر بمبلغ زهيد - باعتبار الضرر فرديا ومحدود القيمة- ال يحدث أث ار ردعيا يعتد به، في حين يظل العائد الإجمالي المتأتي من االنتهاك مرتفعا ومغريا. ومن ثم، فإن االقتصار على معيار الضرر الفردي يفضي عمليا إلى اختالل المعادلة االقتصادية للمسؤولية، بحيث يتحول الإخالل العمدي 72 إلى خيار عقالني من منظور الكلفة والمنفعة . لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تفعيل منطق المادة 4521 التي تحيل في تقدير الج ازء إلى الربح المحقق ال إلى الضرر المتفرق، بما يسمح بتجريد المخطئ من ثمرة سلوكه غير المشروع، وإعادة التوازن بين الكلفة القانونية والعائد االقتصادي. ويزداد هذا الطرح عدالة في الحاالت التي تصر فيها الشركات على االحتفاظ ببيانات كان يتعين حذفها بقصد تغذية خوارزمياتها وتعزيز موقعها التنافسي، إذ يغدو الج ازء المدني بوصفه دينا غير قابل للتأمين الأداة الأنجع لمنع تحويل المخالفة المهنية إلى آلية منهجية لإلث ارء غير المشروع، وضمان حماية فعالة ّ لحقوق الجمهور في البيئة الرقمية.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27
5 الخطأ المربح المنتج لضرر متسلسل في مجال قانون المنافسة:

73 يشخص الخطأ المربح في الفكر القانوني الحديث باعتباره "طفيليا اقتصاديا" ينمو في بيئة القواعد القانونية، حيث يمثل سلوكا است ارتيجيا مقصودا يقوم به الفاعل االقتصادي بناء على حسابات دقيقة للمنفعة والتكلفة. ويعرف هذا الخطأ في هذا السياق بأنه تصرف متعمد وغير أخالقي، يقوم به الفاعل بعد إد ارك كامل بأن العوائد المالية الناجمة عن انتهاك قواعد المنافسة تفوق بكثير التكاليف المحتملة للج ازء القانوني. ويتغذى هذا الطفيلي على قصور النظام التقليدي للمسؤولية المدنية القائم على مبدأ التعويض الكامل للضرر، الذي يقتصر على جبر خسارة المضرور دون النظر إلى حجم الإث ارء غير المشروع الذي يحققه الفاعل كما ذكر سابقا، الأمر الذي يحول العقوبة ّ في هذه الحالة إلى مجرد تكلفة تشغيلية بسيطة يمكن تحملها مقابل تحقيق أرباح احتكارية ضخمة. وقد أصبحت هذه الظاهرة اآلن حاضرة في العديد من المنازعات، وال سيما في مجال قانون الأعمال، حيث من طبيعتها أن تعكر صفو أداء السوق. ومنها على سبيل المثال قضايا التقليد، أو قرصنة البرمجيات، أو انتهاكات قانون المنافسة، وبشكل خاص المنافسة غير المشروعة أو الممارسات التقييدية للمنافسة، ففي جميع هذه الحاالت، يكون السعي المفرط نحو التربح هو المحرك الأساس للسلوك. مما جعل الفقه يتوجه فيما يتعلق بالتعويضات غير 74 التعويضية إلى ضرورة منحها تحت غطاء وجود خطأ مربح . كما تتفاقم خطورة هذا السلوك بشكل خاص في قضايا االتفاقات االحتكارية، نتيجة صعوبة إثبات الأض ارر االقتصادية البحتة وفقدان السيطرة على االبتكار، فضال عن انخفاض احتماالت الكشف القضائي. وهو ما يحول القاعدة القانونية من اردع زجري إلى أداة حسابية يستغلها الفاعلون الأذكياء لتحقيق مصالحهم. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى دمج التحليل االقتصادي للقانون في هذا المجال من الأض ارر بهدف ابتكار ج ازءات تتجاوز منطق التعويض التقليدي نحو منطق الردع االست ارتيجي. ويمكن تحقيق ذلك عبر تبني التعويضات العقابية أو الغ ارمات المدنية المصادرة لألرباح -وفق معنى المادة 4521 ق م ف أعاله-، ما يحرم المخطئ من جدوى حساباته المسبقة ويضمن ردع السلوك غير القانوني. كما يظل التأطير التشريعي الدقيق لهذه الأدوات أم ار حاسما، لضمان التوازن بين الفعالية الردعية والعدالة القانونية، ومنع أي انزالق نحو التعسف القضائي الذي قد يهدد 75 االستق ارر االقتصادي .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28
خاتمة

إجماال، يمكن القول إن مبدأ التعويض الكامل يشكل أساس المسؤولية المدنية، ويهدف إلى إعادة المضرور إلى حالته قبل الضرر دون أن يتحول إلى وسيلة لإلث ارء أو العقاب. إال أن تطبيقه العملي ليس مطلقا، بل يخضع الستثناءات قانونية وواقعية لضمان تحقيق العدالة التعويضية عبر موازنة حماية المضرور وضبط مسؤولية مرتكب الفعل. كما يواجه تقدير التعويض صعوبات تتعلق بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، حيث اعتمد االجتهاد القضائي واإلصالحات الحديثة حلوال مرنة، تعيد الوضع السابق متى أمكن، أو تقدر التعويض وفق القيمة االقتصادية الفعلية عند تعذر ذلك، ما يجعل التعويض الكامل معيا ار عمليا للعدالة التعويضية المتوازنة وليس مبدأ جامدا. ورغم المكانة المركزية لهذا المبدأ في نظرية المسؤولية المدنية، يظل قاص ار عن مواجهة بعض أنماط الإض ارر الحديثة، والسيما الأخطاء المهنية الربحية المتعمدة التي تنتج أض ارار متسلسلة. ففي مثل هذه الحاالت، قد يتحول التعويض المحض إلى مجرد تكلفة يتحملها الفاعل مقابل الأرباح التي يحققها مما يفرغ المسؤولية المدنية من بعدها الردعي. وهو ما يفسر االتجاه المت ازيد نحو التفكير في آليات ذات طابع عقابي، كما هو الحال في نظم »Law Common« ، بهدف تحقيق توازن بين وظيفة الجبر التقليدية ومتطلبات الردع في مواجهة السلوكيات االقتصادية غير المشروعة. ومن خالل التطور المقارن والتجربة القضائية الفرنسية، برز أن الرفض التقليدي للتعويضات العقابية في أنظمة القانون المدني لم يعد موقفا مطلقا، بل أخذ يتجه تدريجيا نحو القبول المشروط كلما تعلق الأمر باألخطاء الربحية المتعمدة التي تتجاوز آثارها منطق الجبر التعويضي البحت. وقد كشفت التجارب المقارنة، والسيما في كيبيك واألرجنتين، إلى جانب اجتهاد محكمة النقض الفرنسية ومشاريع الإصالح المتعاقبة، عن مسار تحولي يمهد إلدماج وظيفة عقابية محدودة داخل المسؤولية المدنية دون الإخالل بتوازنها العام. اتساقا مع هذا النهج، كشف إد ارج المادة 4521 ق م ف عن تحول نوعي في فلسفة المسؤولية المدنية، إذ لم يعد التعويض مقتص ار على جبر الضرر، بل أصبح يمتد – في حاالت محددة – إلى أداء وظيفة ردعية وعقابية لمواجهة الأخطاء المهنية العمدية ذات الطابع الربحي التي تولد أض ارار متسلسلة. وبذلك سعى المشرع إلى سد قصور التعويض التقليدي حين يتحول الخطأ إلى است ارتيجية ربحية، فربط توقيع العقوبة المدنية بجملة من الشروط الصارمة التي توازن بين فعالية الردع وحماية مبادئ المسؤولية المدنية، بما يؤسس لنموذج جديد يجمع بين العدالة التعويضية ومتطلبات الوقاية من االنح ارفات االقتصادية الجسيمة. غير أن هذا التحول أحاطه المشرع بضوابط دقيقة تتعلق بتناسب العقوبة مع الربح المتحقق وتسقيفها، مع تخصيص عائداتها لدعم الدعاوى الجماعية، بما يحقق التوازن بين فعالية الردع والحفاظ على استق ارر المبادئ التقليدية للمس ؤولية المدنية. المجلد 71، العدد 0102-17 184 بن خدة حمزة، "تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية تحليل في ضوء استحداث المادة 7021 من القانون المدني الفرنسي سنة 0102"، ص ص .782-721

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 29#ص-29

وعند المقارنة بين التعويض الكامل والعقوبة المدنية، ظهر التمايز الواضح في الغاية والمستفيد والطبيعة لكل منها، حيث يهدف التعويض الكامل إلى جبر الضرر الفعلي، ويعود نفعه مباشرة إلى المضرور بطابع إصالحي بحت. أما الغ ارمة المدنية فذات طابع زجري، ويؤول ريعها للدولة، وتظهر في بعض التشريعات الخاصة كالمنافسة واالستهالك. كما أن المفهوم الأقرب للمادة 4521 ق م ف يجرد المسؤول من الربح غير المشروع ويضاف إلى التعويض، مما يمنع تك ارر السلوك الضار، ويعود نفعه إلى صناديق مخصصة لدعم الدعاوى الجماعية، محققا وظيفة وقائية دون أن يتحول إلى عقوبة جنائية مقنعة، وبذلك يجمع بين الفعالية الردعية والطابع المدني.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 30#ص-30

ومن ثم، تبرز العقوبة المدنية بوصفها آلية ضرورية إلعادة التوازن بين الكلفة القانونية والربح المتحقق، عبر تجريد الفاعل االقتصادي من المكاسب الناتجة عن الخطأ، بما يحول دون تحول انتهاك القواعد القانونية إلى أداة منهجية لتحقيق التفوق االقتصادي على حساب حق وق الأف ارد ون ازهة السوق . مع ترك التساؤل مفتوحا أمام تقييم جاد للفائدة العملية المتوخاة من إد ارجها ضمن القواعد العامة للقانون المدني، بدل تكريسها في القوانين الخاصة التي تمتلك بطبيعتها مرونة أوسع الستيعاب عقوبات مالية تتناسب مع حجم االنتهاك وطبيعته؟. ويبدو هذا التوجه أكثر مالءمة في مجاالت تتصدرها حماية البيانات ذات الطابع الشخصي، أو قواعد المنافسة واالستهالك، حيث تتيح نصوصها تطوير آليات أكثر عدال وفاعلية، ت ارعي المتطلبات المتغيرة وخصوصية القوانين االقتصادية. المجلد 71، العدد 0102-17 186 بن خدة حمزة، "تسلل الظل الجنائي إلى نظرية المسؤولية المدنية تحليل في ضوء استحداث المادة 7021 من القانون المدني الفرنسي سنة 0102"، ص ص .782-721