الذكاء االصطناعي في العقد التوثيقي: تطور أم تهديد؟ سليم عليوي (1)، (1) طالب دكتواره، مخبر البحث حول فعلية القاعدة القانونية، جامعة عبد الرحمان ميرة، بجاية. البريد الإلكترونيuniv-bejaia.dz:@salim.alioui الملخص: يشهد عالمنا اليوم تطوار تكنولوجيا رهيبا أدى إلى ظهور ما يسمى بالذكاء االصطناعي، ذكاء يضاهي الذكاء البشري بل أصبح يتفوق عليه في عديد المجاالت التي تستدعي السرعة والدقة في التنفيذ وفي حل أعقد العمليات والمشكالت بطريقة تقنية تنفذها اآلالت الذكية المبرمجة وفي أغلب الأحيان دون تدخل الإنسان، حتى أصبحت تستعمل في كل قطاعات الدولة والمؤسسات وفي كل مجاالت الحياة اليومية لألف ارد، بداية من أبسط االستعماالت المنزلية إلى مجال المعامالت والعقود االلكترونية. فإذا كانت العقود االلكترونية خاصة في المعامالت التجارية قد نالت نصيبها من الذكاء االصطناعي بظهور ما يسمى بالعقود الذكية، التي أصبحت واقعا معاشا في مجال التعاقد عبر االنترنت رغم كل ما تحمله من مخاوف عدم التحكم في التقنية واالستعمال غير المشروع لها في التعدي على الحقوق واحتمال القرصنة االلكترونية، فإن استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية باعتبارها تحقق الرسمية التي بدورها تعزز استق ارر المعامالت وحماية حقوق الأط ارف، ال ي ازل يشكل موضوعا خصبا يثير اهتمام الباحثين ورجال القانون بل ويشكل جدال كبي ار في أوساطهم، من حيث التطور التقني وأتمتة وتلقائية إب ارم هذا النوع من العقود أمام المخاوف والتهديدات التي قد تلحق بمهنة الموثق، هذا ما يظهر أهمية الموضوع. يثير هذا البحث مشكلة ضرورة مواكبة الموثق للتطور التكنولوجي واستخدام الذكاء االصطناعي من جهة ومواجهة تحديات وتهديدات هذا االستخدام من جهة أخرى . الكلمات المفتاحية: الذكاء االصطناعي، اآلالت الذكية، المعامالت االلكترونية، العقود الذكية، العقود التوثيقية، التعاقد عبر االنترنت، القرصنة االلكترونية، الرسمية، استق ارر المعامالت. تاريخ إرسال المقال: 0502/50/50، تاريخ قبول المقال: 0502/52/50، تاريخ نشر المقال: 0502/52/30 المؤلف المارسل: عليوي سليم، [email protected] المجلد 71، العدد 0102-17 187
الذكـــاء الاصطنـــاعي في العقد التوثيـقي: تطور أم تهديد؟
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
يشهد عالمنا اليوم تطورا تكنولوجيا رهيبا أدى إلى ظهور ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، ذكاء يضاهي الذكاء البشري بل أصبح يتفوق عليه في عديد المجالات التي تستدعي السرعة والدقة في التنفيذ وفي حل أعقد العمليات والمشكلات بطريقة تقنية تنفذها الآلات الذكية المبرمجة وفي أغلب الأحيان دون تدخل الإنسان، حتى أصبحت تستعمل في كل قطاعات الدولة والمؤسسات وفي كل مجالات الحياة اليومية للأفراد، بداية من أبسط الاستعمالات المنزلية إلى مجال المعاملات والعقود الالكترونية. فإذا كانت العقود الالكترونية خاصة في المعاملات التجارية قد نالت نصيبها من الذكاء الاصطناعي بظهور ما يسمى بالعقود الذكية، التي أصبحت واقعا معاشا في مجال التعاقد عبر الانترنت رغم كل ما تحمله من مخاوف عدم التحكم في التقنية والاستعمال غير المشروع لها في التعدي على الحقوق واحتمال القرصنة الالكترونية، فإن استعمال الذكاء الاصطناعي في العقود التوثيقية باعتبارها تحقق الرسمية التي بدورها تعزز استقرار المعاملات وحماية حقوق الأطراف، لا يزال يشكل موضوعا خصبا يثير اهتمام الباحثين ورجال القانون بل ويشكل جدلا كبيرا في أوساطهم، من حيث التطور التقني وأتمتة و تلقائية إبرام هذا النوع من العقود أمام المخاوف والتهديدات التي قد تلحق بمهنة الموثق، هذا ما يظهر أهمية الموضوع. يثير هذا البحث مشكلة ضرورة مواكبة الموثق للتطور التكنولوجي واستخدام الذكاء الاصطناعي من جهة ومواجهة تحديات وتهديدات هذا الاستخدام من جهة أخرى.
عليوي, سليم، "الذكـــاء الاصطنـــاعي في العقد التوثيـقي: تطور أم تهديد؟"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 187-213.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
27 صفحات مرقمةArtificial Intelligence in Notarial Contracts: Development or Threat? Abstract: The contemporary world is witnessing unprecedented technological developments that have led to the emergence of what is commonly referred to as artificial intelligence (AI). This technology, which increasingly rivals and in some respects surpasses human intelligence, is capable of performing complex tasks and solving sophisticated problems with remarkable speed and accuracy through intelligent systems operating, in many cases, with minimal human intervention. As a result, AI has become widely used across public institutions, private organisations, and various aspects of everyday life, ranging from simple domestic applications to electronic transactions and online contracting. While electronic contracts, particularly in commercial transactions, have significantly benefited from artificial intelligence through the emergence of smart contracts, which have become a practical reality in online commerce, concerns remain regarding the lack of control over such technologies, their potential misuse, and the risks of cyberattacks and unlawful infringements of rights. In contrast, the use of artificial intelligence in notarial contracts, which are intended to ensure formality, legal certainty, and the protection of the parties’ rights, remains a subject of considerable legal debate. It raises important questions concerning technological development, automation, and the possibility of the automated execution of notarial acts, as well as the potential challenges and threats that such developments may pose to the notarial profession. This research examines the need for notaries to adapt to technological progress and to make use of artificial intelligence, while at the same time addressing the challenges and risks associated with its implementation. Keywords: Artificial Intelligence; Intelligent Systems; Electronic Transactions; Smart Contracts; Notarial Contracts; Online Contracting; Cybercrime; Formality; Legal Certainty. L’intelligence artificielle dans le contrat notarié : Évolution ou menace? Résumé : Notre monde connaît aujourd’hui un développement technologique sans précédent, qui a conduit à l’émergence de ce que l’on appelle l’intelligence artificielle. Cette dernière rivalise avec l’intelligence humaine et l’a même surpassée dans de nombreux domaines exigeant rapidité, précision d’exécution et capacité à résoudre les opérations et les problèmes les plus complexes. Elle repose sur des procédés techniques mis en œuvre par des systèmes intelligents programmés, souvent sans intervention humaine directe, au point d’être désormais utilisée dans l’ensemble des secteurs de l’État, des institutions ainsi que dans les différents aspects de la vie المجلد 71، العدد 0102-17 188
quotidienne des particuliers, allant des usages domestiques les plus simples aux transactions et contrats électroniques. Les contrats électroniques, notamment dans le domaine des transactions commerciales, ont largement bénéficié des avancées de l’intelligence artificielle avec l’apparition de ce que l’on désigne sous le terme de « contrats intelligents ». Ces derniers sont devenus une réalité tangible dans le cadre de la contractualisation en ligne, malgré les préoccupations qu’ils suscitent quant à la maîtrise de la technologie, à son utilisation illicite susceptible d’entraîner des atteintes aux droits, ainsi qu’aux risques de piratage informatique. Dans ce contexte, le recours à l’intelligence artificielle dans les actes notariés, lesquels constituent l’expression de l’authenticité et un instrument essentiel de sécurisation des transactions et de protection des droits des parties, demeure une question particulièrement féconde qui retient l’attention des chercheurs et des juristes. Cette question alimente également d’importants débats et controverses relatifs aux perspectives de développement technologique, à l’automatisation des opérations notariales et à la conclusion automatisée de certains actes, au regard notamment des menaces susceptibles d’affecter la profession notariale. Ces considérations mettent en évidence l’importance et l’actualité de ce sujet. Dès lors, la présente recherche soulève la problématique de l’adaptation nécessaire du notaire aux évolutions technologiques et à l’intégration de l’intelligence artificielle dans l’exercice de ses fonctions, tout en examinant les défis et les risques susceptibles de résulter de son utilisation. Mots-clés : Intelligence artificielle, Machines intelligentes, Transactions électroniques, Contrats intelligents, Contrats notariés, Contractualisation en ligne, Piratage électronique, Formalisme, Stabilité des transactions
يسعى الإنسان منذ الأزل إلى تحقيق حاجاته اليومية التي تمكنه من العيش في ارحة وأمان، مصارعا ومتحديا في ذلك كل المصاعب والعقبات التي يواجهها في بيئته الطبيعية، ومع مرور الزمن تطورت حياته وأصبحت تتعقد يوما بعد يوم مع تعقد وتضاعف متطلباته وحاجاته، وقد أصبح يخوض في مجال االكتشافات المختلفة والمتنوعة لعالمه الخارجي، مستغال ملكاته وقد ارته العقلية الخارقة التي أودعها فيه الخالق، ليعمل على توظيف تلك االكتشافات في خدمة حاجاته ومعالجة كل المشاكل والعقبات والمعضالت التي تصادفه في حياته اليومية، فأخذ يحاكي الطبيعة بمكوناتها وظواهرها المختلفة. ابتكر واخترع آالت مكنته من اختصار الزمن والمسافات وتوفير الجهد والمال، وتقوم بدال عنه بأعمال ومهمات كانت أصعب من أن يقوم بها إنسان عادي في الماضي، بل كانت منها ما تعتبر من المستحيالت أو المجلد 71، العدد 0102-17 189
حتى ضربا من ضروب الخيال، فتحولت بذلك المجتمعات من مجتمعات زارعية بحتة إلى مجتمعات صناعية أدت إلى ظهور الثو رة الصناعية الأولى في نهاية القرن السابع عشر 1 إلى الثورة الصناعية ال اربعة في مطلع هذا القرن . تطورت حياة الإنسان وازدهرت معيشته بتطور العلوم والتكنولوجيا الحديثة، التي حققت نتائج مبهرة في كل المجاالت، وأصبحت اآللة رم از من رموز الرفاهة والتقدم حيث غزت كل مناحي الحياة اليومية، بداية من االستعماالت العسكرية واألمنية والطبية إلى أبسط االستعماالت المنزلية، خاصة بعد ظهور الحاسب اآللي والعالم الرقمي وتكنولوجيات الإعالم واالتصال، هذه الأخيرة التي اختزلت العالم في فضاء الإنترنت أو ما يسمى بالفضاء االلكتروني. وفي عالم رقمي متطور كان نتاج ذكاء بشري خارق ومبدع أصبح التفكير في محاكاة هذا الذكاء أم ار علميا في منتهى التحدي لما سيحقق من نتائج أكثر دقة وإبهار وهو ما يسمى بالذكاء االصطناعي. أصبح الذكاء االصطناعي يستعمل في كثير المجاالت، ولما كان استعماله في مجاالت الطب والتعليم والتجارة االلكترونية والعمليات الأمنية والعسكرية وغيرها، قد أصبح واقعا عمليا بل نمطا معيشيا في البلدان المتقدمة، ولما كانت هذه االستعماالت باءت تحقق نتائج مبهرة، فإن الوجهة أصبحت ضرورية وال مناص منها بالنسبة للمهن القانونية بصفة عامة وبالنسبة لمهنة الموثق بصفة خاصة، على اعتبار أن هذه الأخيرة تساهم بشكل كبير في استق ارر المعامالت والحفاظ على الحقوق وإرساء الأمن القانوني داخل المجتمع. تعمل مهنة الموثق في الج ازئر على مواكبة التحول الرقمي الكبير الذي يشهده العالم اليوم، وما فتئت ترسي قواعده واالنتقال من الشكل التقليدي الورقي إلى الشكل الرقمي للمعلومات، حتى ظهر ما يسمى بالذكاء االصطناعي الذي لم يعد يكتفي باالستعمال االلكتروني والرقمي للبيانات والمعلومات فحسب، بل أضحى يحاكي الذكاء البشري في تنفيذ مختلف العمليات حتى الأكثر تعقيدا. فإذا كان الموثق الذي يتولى تحرير العقود مطالبا بمواكبة كل هذه التطوارت السريعة، كان ل ازما عليه أن يطور من أدائه ويستعمل هذا المولود الجديد في المجال التكنولوجي وهو الذكاء االصطناعي. وعلى ضوء ما سبق تطرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى يمكن للعقد التوثيقي أن يستوعب تطوارت الذكاء االصطناعي؟ لإلجابة على هذه الإشكالية، قسمنا هذه الد ارسة إلى مبحثين: الأول تناولنا فيه استعمال الذكاء االصطناعي في العقد التوثيقي يحقق تطوار لمهنة الموثق، الذي قسم بدوره إلى مطلبين، نتطرق في الأول إلى الذكاء االصطناعي المالئم للعقد التوثيقي وفي الثاني نعرض العقد التوثيقي بين اعتبا ارت مواكبة التطور وهواجس التحكم في التقنية، أما في المبحث الثاني نتطرق فيه إلى حقيقة تهديدات استعمال الذكاء االصطناعي في العقد 1 حسين مصيلحي، التحول الرقمي – الإطار المستقبلي لنظم وتكنولوجيا المعلومات، دار الكتب والوثائق القومية، الجيزة، 0202، ص.5 المجلد 71، العدد 0102-17 190
التوثيقي، متضمنا مطلبين: نتناول في الأول القواعد القانونية الكفيلة بتحقيق التطور دون مخاطر ونعرج في الثاني على تحضير بيئة مالئمة الستعمال الذكاء االصطناعي.
2 إذا كان الذكاء االصطناعي، هذا المصطلح الخفي الذي بدأ ينتشر في كل قطاعات الحياة لما له من
يستعمل ويحقق نتائج مبهرة في عديد المجاالت إلى حد أننا نحس أنه يحيط بنا من كل جانب، بداية من استخدامات محركات البحث في الأنترنت، إلى استعمال بطاقات الدفع واالئتمان الإلكترونية، فإن استعماله في المهن القانونية ال ي ازل محتشما، عدا ما قد يستعمل من تطبيقات محدودة، فلم تتمكن هذه المهن من الإرساء الكلي لقواعد الرقمنة حتى حل عليها هذا المولود الجديد بكل ما ينتظر منه في تحقيق تطور لمهنة الموثق، لكن يبقى هاجس الخوف من التحكم في هذه التقنية الجديدة سريعة التطور ينتاب الموثق ويطارده في هذه المرحلة من التحول الرقمي نظ ار لجهل معالمه ولتضارب تعريفاته واستخداماته، خاصة وأنه يهدف في نهاية المطاف إلى حلوله محل الذكاء البشري في تنفيذ العمليات الدقيقة المتشعبة، مما قد يهدد وجود المهنة في حد ذاتها، الأمر الذي يستدعي البحث في تحديد الذكاء االصطناعي المالئم للعقد التوثيقي باعتبار هذا الأخير مناط مهنة الموثق.
أسندت عملية تحرير العقود التوثيقية إلى ضابط عمومي مفوض من قبل السلطة العمومية وهو الموثق، وذلك وفقا لنص المادة 3 من القانون رقم 20-20، المؤرخ في 02 فب ارير 0220، المتضمن تنظيم مهنة 3 التوثيق . وقد أصبح الموثق باعتباره الضابط العمومي المكلف بتحرير العقود التوثيقية مطالبا - كجهة توثيق تقدم خدمات عمومية - بمسايرة ومواكبة التطور التكنولوجي الكبير في مجال الإعالم واالتصال، والعمل على االنخ ارط في توجه الدولة إلى التحول الرقمي الشامل لكل قطاعاتها، الذي سيمكن من االستفادة من م ازيا تقنيات الرقمنة، خاصة فيما يتعلق بتوفير الوقت والتكلفة وتحقيق الدقة في تنفيذ الأعمال واستخدام الذكاء االصطناعي، هذا الأخير الذي يرتبط بحسن استعمال تقنية الرقمنة. ولما كان استعمال الرقمنة لم يجد مكانه بعد في مجال التوثيق كون المشرع الج ازئري لم يضع بعد الضوابط التقنية والفنية الالزمة إلنشاء العقود التوثيقية الإلكترونية وحفظها بصورة منفصلة عن العقود التوثيقية 2 دونا إب ارهيم حالل، الذكاء االصطناعي، "تحد جديد للقانون الجازئي"، دار بالل للطباعة والنشر، 0200، ص.02 3 قانون رقم 20-20 مؤرخ في 02 فب ارير 0220، المتضمن تنظيم مهنة الموثق، ج ر عدد 02 بتاريخ 22 مارس .0220 المجلد 71، العدد 0102-17 191
الورقية 4 ، إال بمحاوالت محتشمة وضئيلة عكس بعض الدول الأخرى ال ارئدة في هذا المجال كدولة فرنسا، فإن استعمال الذكاء االصطناعي الذي يعتمد أساسا على تقنيات الرقمنة والتحول الرقمي سيأخذ وقتا آخر إلى غاية التمكن من التحكم في هذه التقنيات في مجال تحرير العقود التوثيقية الإلكترونية، فكيف يمكن للموثق باعتباره المكلف بتحرير العقود الرسمية أن يستفيد من استعماالت الذكاء االصطناعي، ليعزز الدور الذي يؤديه العقد الرسمي في تحقيق استق ارر المعامالت والحفاظ على الحقوق؟
ينتظر من استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية أن يحدث نقلة نوعية في مهنة الموثق، فلما كان الواقع المعاش يفرض االنخ ارط في منظومة رقمية شاملة لمواكبة التطور التكنولوجي المبهر لوسائل الإعالم واالتصال، فإن الموثق باعتباره الضابط العمومي المكلف بتحرير العقود الرسمية، مطالب قبل أي وقت مضى بتغيير نمط عمله بتبنيه التقنيات الرقمية الحديثة واالستفادة من هذا الذكاء االصطناعي الذي سيتولى تحقيق الدقة في تحرير العقود سواء من حيث استعمال اللغة السليمة المؤدية للمعنى دون أي لبس أو تأويل، أو من حيث الدقة القانونية في احت ارم أركان العقد والشروط القانونية لكل معاملة تستدعي تحرير عقد رسمي. غير أن استعمال الموثق للذكاء االصطناعي يستدعي الوقوف على المعنى الحقيقي لهذا المصطلح الجديد الذي أصبح يغزو كل المجاالت، بل أضحى يوحي بوجود كائن آخر مخفي يتولى المهام التي كان على الإنسان أن يقوم بها وبدقة متناهية وفي وقت قياسي وبأقل تكلفة ممكنة، ألن معرفة المعنى الحقيقي للذكاء االصطناعي سيزيل أي تردد أو خوف من استعمال هذه التقنية الجديدة. تعتبر مسألة تعريف الذكاء االصطناعي، مسألة معقدة لم تصل بعد إلى توافق واسع بين الباحثين 5 ويختلف هذا المصطلح حسب السياق وحسب مجاالت البحث المختلفة ، وبصفة عامة يعتبر أحد علوم الحاسوب التي تهدف إلى تطوير أنظمة وب ارمج قادرة على محاكاة الذكاء البشري، أي لها القدرة على التفكير بطريقة تشبه البشر. لوضع تعريف واضح للذكاء االصطناعي، يجب أن نتطرق أولا إلى تعريف الذكاء البشري كونه أساس وجوده. تعريف الذكاء: يعرف الذكاء على أنه قدرة الإنسان على الفهم واالستنتاج والتحليل والتمييز بقوة فطرته وذكاء خاطره. 4 ديش تورية، أحمد داود رقية، "العقد التوثيقي الإلكت روني كآلية لعصرنة مهنة التوثيق "د ارسة مقارنة""، مجلة صوت القانون، المجلد الثامن، العدد 22، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، الج ازئر، سنة0202، ص.228 5 محمد لمين بن قايد علي، الذكاء االصطناعي والبحث العلمي - واقع وآفاق -، الجزء الأول، دار اليمة للنشر والتوزيع، القليعة، تيبازة، الج ازئر، سنة 0200، ص.20 المجلد 71، العدد 0102-17 192
كما يعتبر الذكاء في اللغة، القدرة على فهم ما يجري حولنا ومن ثمة اختيار ما يناسب 6 ، فهو تلك العملية الذهنية التي تعمل على تحليل المعلومات المستقاة من حالة أو واقعة معينة تشكل مشكلة للوصول إلى 7 حل مناسب لها، وقد عرف الذكاء أيضا أي " الذكي وهو سريع الفطنة والفهم" . وقد عرف قاموس الأكاديمية الفرنسية الذكاء بأنه "مجموعة من القد ارت الفكرية، إنها موهبة الفهم، التصور والمعرفة وعلى وجه الخصوص، قدرة التمييز أو إقامة العالقات بين الحقائق أو الأفكار أو الأشكال من 8 أجل الوصول إلى المعرفة" . هذا فيما يتعلق بالذكاء البشري الذي حقق تطوار كبي ار لإلنسانية، فسخر كل ما في الطبيعة من أجل خدمته وتحقيق حاجاته بل ابتكر واخترع آالت تسهل له المهمات وتقوم بدله بأدق العمليات وأعقدها حينما زرع فيها ذكاء يضاهي ذكاء البشر، وهو الذكاء االصطناعي. الذكاء االصطناعي: اختلف العلماء والباحثون حول تعريف الذكاء االصطناعي وذلك حسب االختصاص وبحسب تفاوت مستوى الذكاء البشري. Marvin Lee Minsky وقد عرفه العالم الأمريكي "مارفن لي مينسكي" ( ) في عام 2550 على أنه "إنشاء ب ارمج إلكترونية تؤدي المهام التي يؤديها البشر، في الوقت الحالي، بشكل مرض أكثر، ألنها تتطلب عمليات عقلية عالية المستوى مثل: التعلم الإد اركي، تنظيم الذاكرة والتفكير النقدي". كما عرفه "جون ماك آرثي" ( McCarthy John )، وهو الأب الروحي للذكاء االصطناعي على أنه: "علم وهندسة صنع آالت ذكية، وسيلة لصنع جهاز كمبيوتر، أو روبوت يتم التحكم فيه عن طريق الكمبيوتر، أو برنامج يفكر بذكاء بالطريقة نفسها التي يفكر بها البشر الأذكياء، ويتم تحقيق الذكاء االصطناعي من خالل د ارسة كيف يفكر الدماغ البشري، وكيف يتعلم البشر، ويقررون ويعملون أثناء محاولة حل مشكلة ما، ثم استخدام 9 نتائج هذه الد ارسة كأساس لتطوير ب ارمج أنظمة ذكية" . من خالل هذين التعريفين، يتضح أن الذكاء االصطناعي فرع من فروع علم الحاسوب والذي يعمل على صنع آالت وأنظمة ذكية تحقق ما يحققه الذكاء البشري وبدقة متناهية، فهو مجال من مجاالت الحوسبة أو الأتمتة، يهدف إلى إعادة إنشاء ذكاء تقني يشبه الذكاء البشري وتمكين أنظمة الحاسوب بب ارمجها الخوارزمية من محاكاة العمليات المعرفية البشرية. وفي حقيقة الأمر، أن المهام التي يقوم بها البشر في حياتهم اليومية تختلف من إنسان إلى آخر، فهناك مهام يمكن لمعظم الناس القيام بها وتحقيق نتائجها، وهي على درجة بسيطة غير معقدة كقيادة المركبات مثال، 6 دونا إب ارهيم حالل، مرجع سابق، ص.00 7 المنجد في اللغة واألعالم – طبعة جديدة منقحة -، الطبعة 38، دار المشرق، بيروت، سنة 2552، ص.038 8 دونا إب ارهيم حالل، مرجع سابق، ص.05 9 دونا إب ارهيم حالل، مرجع سابق، ص.05 المجلد 71، العدد 0102-17 193
ومهام ال يمكن أن يقوم بها إال المؤهلون لهذه الأعمال كاألطباء وغيرها من المهن التي تتطلب تأهيال خاصا، كما أن هناك مهام أخرى هي حكر على المميزين والمبدعين والعباقرة فقط. فتمكن اآللة الذكية أو الذكاء االصطناعي من تحقيق أداء مهام معينة رغم صعوبتها يعني أن هذا الذكاء أو اآللة قد برمجت ألداء هذه المهام بالذات، فتبرز هنا ب ارعته فيما خصص له فحسب، لذا وجب قياس مستوى الذكاء تبعا للمهمة فقط وليس مقارنة باإلنسان. لكن ماذا لو تمكنت اآللة الذكية أو ما يسمى (الروبوت) من أداء مجموعة متنوعة ومعقدة من المهام أو أداء المهمة نفسها بطرق مختلفة؟، الشك أن ذلك سيقترب أكثر من الذكاء البشري، وهو ما يسعى إلى تحقيقه علماء الروبوت والذكاء االصطناعي، لكن ما يثير القلق في بعض أوساط رجال القانون وعلماء الإج ارم خاصة، هو عدم تمكن البشر من التحكم في هذا الذكاء االصطناعي ومن اآللة الذكية التي يمكن أن تطور نفسها بنفسها وتستقل بذاتها. وفي مجال إعداد وتحرير العقود، سيكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما وصل الموثق في استعماله لهذه التقنية ولهذا الذكاء - الذي يضاهي الذكاء البشري - إلى ذكاء اصطناعي ال يفهمه أو ال يتحكم فيه. إن حداثة هذا الموضوع وتطوره المستمر والسريع يجعل من وضع تعريف واضح له من الأمور الصعبة والشائكة، غير أن ما يهمنا في تحديد معنى الذكاء االصطناعي الذي يستخدم في العقود التوثيقية ليس هو "علم وهندسة صنع آالت ذكية" إنما هو ناتج هذا العلم أي تلك الب ارمج واآلالت الذكية التي جاءت لتضاهي الذكاء البشري، ولعل تحديد أنواع الذكاء االصطناعي سوف يقربنا أكثر من المعنى وسيكون الأمر أكثر جالء، لنتمكن من تحديد التعريف أو النوع الذي يتماشى - على الأقل حاليا - مع مهنة تحرير العقود، وعليه فأنواع الذكاء االصطناعي تتحدد فيما يلي: 10 - الذكاء االصطناعي التفاعلي: أو ما يسمى بالذكاء االصطناعي الضيق أو الضعيف ، وهو أبسط أنواع 11 الذكاء االصطناعي ويتعلق الأمر بأنظمة تقوم بإنجاز مهام معينة وفي بيئة محددة، وهي أنظمة تفاعلية بحتة ، ليس لها القدرة على استخدام الخب ارت السابقة أو تكوين الذكريات. هذا النوع من الذكاء االصطناعي يعمل بنفس الطريقة تماما في كل مرة يواجه الموقف نفسه، فيتفاعل مع هذا الموقف ذاته ليجد له الحل أو الق ارر المناسب، دون أن تكون له ردود أفعال غير متوقعة ويتصرف مع الموقف بشكل غير مبرمج من قبل. ويدخل ضمن هذا الن وع أيضا الذكاء االصطناعي ذو الذاكرة المحدودة، وهو الذي يخزن بيانات التجارب السابقة لفترة قصيرة ومحدودة ليستعملها في حل المشكالت واتخاذ الق ارارت. 10 محمد لمين بن قايد علي، الذكاء االصطناعي والبحث العلمي، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص.50 11 دونا إب ارهيم حالل، المرجع السابق، ص.02 المجلد 71، العدد 0102-17 194
ال شك أن هذا سيكون مفيدا ربما لرجال القانون عامة وللموثق بصفة خاصة في أداء مهامه كمحرر العقد، ألن محرر العقد سيحتاج إلى ذكاء اصطناعي جدير بالثقة يصل إلى النتائج المرجوة دون مخاطر ودون أن يتخذ هذا الذكاء االصطناعي منحا ال ينتظره الموثق أو يخرج عن سيطرته. -الذكاء االصطناعي القوي أو العام: أو ما يسمى بنظرية العقل، هذا الذكاء الذي يتعدى محاكاة العالم الحقيقي إلى التفاعل مع المكونات الفردية في هذا العالم، بحيث يتعامل مع مشاعر وعواطف من حوله ويكيف معاملته 12 وسلوكه وفقا لتلك المشاعر والعواطف ، وهو الذكاء االصطناعي الذي يطمح العلماء ببنائه مستقبال. يبدو أن هذا النوع من الذكاء االصطناعي سيفيد كثي ار مهنة الموثق على اعتبار أنه سوف يساعده على التحقق من هوية أط ارف العقد التي هي من صميم اختصاصاته، كما سيساعده على كشف كل محاولة انتحال الصفة التي قد يلجأ إليها البعض أمام الموثق. -الذكاء االصطناعي الخارق: يسمى أيضا بالوعي أو الإد ارك المطلق، وهو الذي سيشكل المرحلة الأخيرة لصناعة الذكاء ومماثلتها للذكاء البشري، هو أن تبنى آالت تدرك وجودها وتفهم حاالتها الداخلية وتتنبأ بمشاعر 13 اآلخرين . هذا النوع من الذكاء االصطناعي الذي قد يفوق مستوى ذكاء البشر، وال شك أنه سيكون الأخطر على البشرية نفسها إن لم يتمكن الإنسان من التحكم فيه وتوجيهه لخدمة الإنسانية. ولما كان الذكاء االصطناعي بأنواعه قد بدأ يغزو كل مجاالت الحياة الحديثة، فإن استعماله في المجال القانوني وباألخص في تحرير العقود الرسمية باء أكثر من ضرورة، لكن يبقى على الموثق أن يختار نوع الذكاء االصطناعي الكفيل بتعزيز عمله دون خطر. وحتى يتمكن الم وثق من اختيار نوع الذكاء االصطناعي الذي يناسب خصوصية عمله في تحقيق 14 الرسمية في العقود ويصل إلى التحكم في استعماالته، فإنه مطالب بتحسين مداركه العلمية ، خاصة في مجال الإعالم واالتصال وعلم الحاسوب والبرمجيات وتقنيات الذكاء االصطناعي ناهيك عن المدارك اللغوية التي تمكنه من التحرير الجيد للعقود، أو القانونية التي تمكنه من احت ارم كل الأركان والشروط المطلوبة لكل نوع من أنواع العقود. واستعمال الموثق للذكاء االصطناعي سيمكنه من تفادي الوقوع في الأخطاء اللغوية وحتى الأخطاء القانونية عند تحرير العقود التوثيقية، فوقوع الموثق في مثل هذه الأخطاء سوف يؤثر تأثي ار بالغا على مضامين هذه العقود من جهة وعلى الم اركز القانونية ألط ارف العقد من جهة أخرى، وأمثلة ذلك أن يجعل الموثق بخطئه الدائن مدينا والمدين دائنا في عقد االعت ارف بالدين أو عقد القرض، كما أن التمكن من الجانب القانوني واإللمام 12 دونا إب ارهيم حالل، المرجع السابق، ص.00 13 المرجع نفسه، ص.05 14 قانون رقم 20-20، يتضمن تنظيم مهنة الموثق، مرجع سابق، المادة .22 المجلد 71، العدد 0102-17 195
بكل القوانين والتنظيمات التي تخضع لها مختلف العقود التي يحررها الموثق يعد من صميم التخصص، وتمكن الذكاء االصطناعي من تفادي هذه الأخطاء كلها وتحقيق الدقة في تحرير العقود التوثيقية وتحليل مختلف النصوص القانونية المطلوبة في إعدادها، سيعزز من عمل الموثق وسيشجع على التوجه نحو استعماله وتبنيه مستقبال. كما أن عملية إعداد العقود تتبعها عمليات أخرى ضرورية في مهنة الموثق، ومثال ذلك مسك مختلف السجالت سواء المتعلقة بالفهرسة أو تلك المتعلقة بالمحاسبة والتي يسجل فيها الموثق كل المبالغ والرسوم المحصلة بمناسبة مختلف العمليات لفائدة الخزينة العمومية وفقا للمواد 38 إلى 00 من القانون المتضمن تنظيم مهنة الموثق. الشك أن الموثق سيجد ضالته في كل هذه العمليات من خالل استعماله للذكاء االصطناعي، بفضل ما يوفره هذا الأخير من ب ارمج ذكية دقيقة في هذا الصدد، لكن هل استعمال الموثق للذكاء االصطناعي في هذه العمليات المحاسبية سيؤدي إلى االستغناء عن تلك السجالت الورقية، أم أن مواصلة العمل بها ضروري وال يمكن وضعها جانبا؟ بالرجوع إلى النصوص القانونية والتنظيمية المنظمة لمهنة الموثق ال نجد ما ينص على مسك سجالت رقمية في هذا الصدد بل تبقى السجالت الورقية سارية المفعول، لكن يبقى التفكير في وضع نصوص قانونية تنظم كيفية مسك السجالت االلكترونية الذكية في هذا الصدد دون التخلي عن السجالت الورقية على الأقل في هذه المرحلة من التحول الرقمي يشكل أكثر من ضرورة.
تعد الرسمية في العقود مناط مهنة الموثق، فبقدر ما تحقق هذه العقود الثقة والطمأنينة واستق ارر المعامالت بين الأط ارف، فهي حجة على الكل سواء على الأط ارف أو على غيرهم، وال يمكن الطعن فيها إال بالتزوير وتكون نافذة في جميع أنحاء الت ارب الوطني، وهذا ما نصت عليه المادة 300 مكرر من الأمر رقم -85 52 المؤرخ في 00 سبتمبر 2585، والمتضمن القانون المدني الج ازئري المعدل والمتمم 15 . كما عرفت المادة 300 من القانون نفسه العقد الرسمي بكونه العقد الذي يتولى تحريره موظف عام أو ضابط عمومي مكلف بخدمة عامة وذلك طبقا لألشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه. هذه الخصائص التي يتميز بها العقد التوثيقي باعتباره عقدا رسميا تجعل منه الوسيلة الأنجع لحماية الحقوق واستق ارر المعامالت بين الأط ارف، لكن ماذا لو استعمل الموثق الذكاء االصطناعي في تحرير العقود، هل ستتحقق هذه الخصائص والشروط التي تجعل من العقد عقدا رسميا وفقا لنص المادة 300، أم أن استعماله سوف يمس بالرسمية نفسها. 15 أمر رقم 52-85 مؤرخ في 00 سبتمبر 2585، يتضمن القانون المدني الجازئري معدل ومتمم، ج ر ج ج عدد 82، صادر بتاريخ 32 سبتمبر.2585 المجلد 71، العدد 0102-17 196
في الحقيقة أن الحديث عن الذكاء االصطناعي في العقد التوثيقي ال يقتضي البحث عن استعمال هذه التكنولوجيا من عدمه، ألن استعمالها باءت حقيقة واضحة المعالم وضرورة ال مناص منها بالنظر إلى ضرورة االنخ ارط في التحول الرقمي الشامل الذي تصبو إليه معظم الدول، إنما وجب النظر والتدقيق في كيفية استعمال هذه التكنولوجيا الرقمية الحديثة ومدى االعتماد عليها في عملية إعداد وتحرير العقود التوثيقية والحفاظ على رسميتها. إن استعمال الموثق للذكاء االصطناعي في تحرير العقد التوثيقي سيؤدي ال محال إلى االعتماد على ذكاء آخر غير الذكاء البشري، هذا الذكاء الذي حقق نتائج مبهرة في مختلف التخصصات والقطاعات لما يتميز به من الدقة والسرعة في التنفيذ والتحليل والقيام بأعقد العمليات التي تتطلب ذكاء خارقا، والمشكل في الذكاء َ االصطناعي وكما أثبتت ذلك بعض التجارب الواقعية في مختلف القطاعات الحيوية في الدولة كالطب مثال أو كالتقنيات العسكرية وغيرها، أنه يستقل وينفرد في تبني العمليات التي يقوم بها الإنسان المتخصص ليحل محله في هذه العمليات، وهو الأمر الذي ال يمكن تصوره في عمل الموثق كون هذا الأخير ال يمكن استبداله العتبا ارت عديدة تتعلق بشخص الموثق كضابط عمومي منحته الدولة جزءا من صالحيتها في مجال معين ويخضع تعيينه إلى شروط قانونية محددة ويتميز بخصائص تجعل منه الشخص المختص في تحرير العقود الرسمية. من حيث شروط التعيين: يخضع الموثق المكلف بتحرير العقود الرسمية في تعيينه إلى شروط قانونية حددتها المواد من 25 إلى 22 من القانون 20-20، المؤرخ في 02 فيفري 0220، المتضمن تنظيم مهنة الموثق، هذه الشروط تتعلق في مجملها بالكفاءة المهنية وبشرط السن القانوني وبالجنسية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية والصحة البدنية لممارسة المهنة، فإذا كانت كل هذه الشروط يمكن إيجاد حل لها لو سلمنا باستبدال الموثق بالذكاء االصطناعي في تحرير العقود الرسمية بإدخال بعض التعديالت في أحكام هذا القانون، فإن الشرط الوارد في المادة الثامنة من القانون نفسه والمتعلق بأداء اليمين القانوني ال يمكن إسناده آللة أو ربوت حتى وإن بلغت هذه اآللة أقصى درجات الذكاء الخارق، كون أن هذا الشرط إنما يتعلق بالعقل وليس بالذكاء وهو الذي يتجرد منه الذكاء االصطناعي كآلة أو ك ر وبوت. من حيث خصائص الضابط العمومي: يتميز الموثق باعتباره ضابطا عموميا بخصائص تجعل منه الشخص المختص قانونا بعملية تحرير العقود الرسمية وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي: - التفويض الرسمي: يمارس الموثق مهامه بموجب تفويض من السلطة العامة التي تحدد صالحياته بدقة، هذه الصالحيات ال يمكن نقلها لشخص آخر غير الموثق المعين وفقا للشروط القانونية المذكورة سابقا كونه تفويضا شخصيا، والتسليم باستبدال الموثق بآلة أو ر وبوت ذكي يتولى مهامه في تحرير العقود الرسمية، كما هو الأمر في العقود الإلكترونية الذكية المتداولة حاليا في مجال التجارة الإلكترونية، أمر ال يستساغ حتى وإن قامت اآللة بأداء المهام بدقة متناهية ألن العبرة ها هنا في شخص الموثق باعتباره ضابطا عموميا مفوضا من قبل السلطة المجلد 71، العدد 0102-17 197
العامة، فيتبين جليا أن تحقيق خاصية التفويض الرسمي يستدعي وجود الموثق كشخص قانوني يمكنه تحمل المسؤولية عن أعماله في إطار أداء مهامه. - المسؤولية القانونية: يتحمل الموثق باعتباره ضابطا عموميا المسؤولية القانونية عن أفعاله التي يقوم بها عند أداء مهامه، والتي قد تكون تأديبية أو مدنية أو ج ازئية. والمسؤولية ال تقوم قانونا إال على من يتمتع بالشخصية القانونية طبيعية كانت أو معنوية، والقول بتولي الذكاء االصطناعي مهمة تحرير العقود بصفة مستقلة يثير مسألة المسؤولية القانونية للذكاء االصطناعي والتي تثير بدورها مسألة االعت ارف لهذا الأخير بالشخصية القانونية، هذه المسألة التي أسالت الكثير من الحبر وأدت إلى ظهور اتجاهات تعترف بالشخصية القانونية للذكاء االصطناعي وأخرى تنكر ذلك، ويبقى الجدل قائما بالنظر إلى التطور السريع لتقنيات الذكاء االصطناعي، لكن تبقى مسؤولية الموثق عن استعماله للذكاء االصطناعي مستمرة بالنسبة لألخطاء التي هي من صميم مهامه، أما الأخطاء المتأتية من العيب التقني في الخوارزميات المستعملة يبقى الجدل فيها قائما، والشك أن الت ازم الموثق باستعمال الأنظمة الذكية المغلقة المصدر وتجنب أنظمة الذكاء االصطناعي المفتوحة المصدر سيجعله في مأمن من إمكانية وقوعه في أخطاء تثير مسؤوليته القانونية المباشرة. - إضفاء الرسمية في العقود: تتمتع العقود والمحرارت التي يعدها الموثق باعتباره ضابطا عموميا بالصبغة الرسمية، هذه الصبغة التي ال يمكن ألي كان إضفاؤها في العقود غير الضابط العمومي المعين وفقا للشروط الموضوعة قانونا، واستعمال الذكاء االصطناعي في تحرير العقود إنما قد يكون باالستعانة بالتقنيات الذكية في مجاالت عدة تساعد الموثق على أداء مهامه والتحسين من هذا الأداء، فيكون بذلك االستعانة بالذكاء االصطناعي واردا إلى حد بعيد في عمل الموثق، لكن على أن يكون ذلك ليس على حساب وجوده، ألن من بين شروط الرسمية وجود ضابط عمومي وهو الموثق. يتبين جليا من خالل االعتبا ارت السابقة أن الموثق ال يمكن استبداله بالذكاء االصطناعي في تحرير العقود التوثيقية، إنما يكون استعماله لهذا الذكاء االصطناعي كاستعماله لبقية اآلالت الأخرى التي تساعده في إعداد العقود التوثيقية ليس إال. وبمناسبة إعداد العقود وتحريرها يقوم الموثق بفتح ملفات تتضمن معلومات شخصية عن أط ارف العقد وعن ممتلكاتهم وأمورهم الخاصة، هذه الملفات الورقية وكذا أصول العقود المحررة ورقيا والتي تشكل أرشيفا ورقيا، يتولى الموثق مسكه وحفظه تحت مسؤوليته وفقا لنص المادة 22 من القانون رقم 20-20، المنظم لمهنة الموثق، ستصبح ملفات رقمية إلكترونية باستعمال الحواسيب وأجهزة ق ارءة الملفات والبطاقات الشخصية، بعد استعمال الذكاء االصطناعي الذي يعتمد أساسا على التحول الرقمي ورقمنة كل العمليات المتعلقة بالمهنة، والتي بدورها ستشكل أرشيفا إلكترونيا، يتم تسييره وحفظه باستعمال تقنيات الذكاء االصطناعي. إن االنتقال من النمط الورقي التقليدي إلى النمط الرقمي في مهنة التوثيق يتبعه التخلي على كل ما هو مادي ورقي واالعتماد على الب ارمج الإلكترونية وحتى إلى استعمال الذكاء االصطناعي، هذا الأخير الذي يعد المجلد 71، العدد 0102-17 198
سالحا ذا حدين، فكما يمكن أن يؤدي إلى تعزيز عمل الموثق، وتحقيق الرسمية في العقود التوثيقية، بالمقابل يمكن أن يعزز أساليب عمل الجماعات الإج ارمية، هذا ما خلص إليه مؤتمر الأمم المتحدة ال اربع عشر لمنع 16 الجريمة والعدالة الجنائية المنعقد في اليابان، ما بين 02 إلى 08 أفريل 0202 . ويبقى العمل قائما من أجل تعزيز حفظ الأمن باالستعانة بتقنيات الذكاء االصطناعي لمكافحة الج ارئم الإلكترونية وحماية تلك المعلومات المحفوظة من كل استعمال مخالف للقانون ومن االستعمال التعسفي للمعطيات التي من شأنها المساس بخصوصيات أصحابها في حالة االنتقال من النظام الورقي التقليدي إلى نظام المعلوماتية الإلكترونية في مهنة الموثق. كل هذا يثير مخاوف كثيرة لدى المهتمين بالموضوع من رجال القانون وخاصة لدى الموثقين من تداعيات استعمال الذكاء االصطناعي، أمام ضرورة مواكبة التطور المبهر لوسائل الإعالم واالتصال من جهة والخوف من عدم التحكم في هذه التقنيات الجديدة من جهة أخرى .
يشكل استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية بالج ازئر طموحا تتخلله مخاوف بالنسبة للموثق باعتباره ضابطا عموميا مكلفا بالرسمية وبتحقيق الشكلية في بعض العقود التي يتطلبها القانون، طموح يجد له تفسي ار في الم ازيا والفوائد التي قد تنجر عن استعماله للذكاء االصطناعي أمام التوسع الكبير في هذا االستعمال، ومخاوف يجد لها تبري ار في عدم تمكن الموثق من التحكم في هذه التقنية إذا ما تم استعمالها بشكل يفقده السيطرة ويؤدي إلى تهديد وجود المهنة بأكملها. فبقدر ما يطمح الموثق إلى مواكبة التطور التكنولوجي الهائل والسريع والوصول إلى رقمنة كاملة لكل العمليات التي يتوالها أثناء أداء مهامه ثم االنتقال إلى استعمال الذكاء االصطناعي في تحرير العقود التوثيقية، تنتابه عدة مخاوف بالنظر إلى أبعاد الذكاء االصطناعي وآفاقه المستقبلية المجهولة. فما هي أبعاد استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية وما هي أهم المخاوف التي قد تنتابه من هذا االستعمال؟
يشهد الذكاء االصطناعي حاليا كعلم قائم بذاته أو كأحد فروع علم الحاسوب، تقدما متسارعا، بحيث تتوالى الب ارمج والتطبيقات الذكية في الظهور وبشكل متطور والتي أصبحت تمس كل مجاالت الحياة. فإذا كان الموثق باعتباره مكلف بتحرير العقود الرسمية مطالبا كباقي المهن القانونية بمواكبة هذا التقدم الرهيب واالنتشار السريع في استعمال الذكاء االصطناعي، فإنه مطالب أيضا بالحفاظ على مهنته من جهة وبتحقيق الرسمية في العقود التوثيقية من جهة أخرى، ولتحقيق هذه الموازنة بين حسن استعمال الذكاء 16 دونا إب ارهيم حالَل، مرجع سابق، ص.202 المجلد 71، العدد 0102-17 199
االصطناعي والحفاظ على المهنة وتحقيق الرسمية، سيكون من الأجدر الأخذ في االعتبار أبعاد الذكاء االصطناعي في مجال تحرير العقود وإعطائها الأهمية الالزمة من أجل تحقيق التساوي والتوازن فيها، للوصول إلى تحقيق الأهداف المنشودة دون تغليب بعد عن آخر بما يحقق االنسجام في تحقيق هذه الأهداف. -البعد االقتصادي: وهو البعد الذي يجب أن ي ارعى أولا في استعمال الذكاء االصطناعي، فال شك أن لهذا الأخير أهداف اقتصادية تسعى كل الدول إلى تحقيقها في كل المجاالت، وفي مجال تحرير العقود ترتبط أهداف الذكاء االصطناعي بتحقيق نتائج هامة بأقل تكلفة وفي وقت وجيز، ويظهر دور الموثق ها هنا كحلقة من حلقات الدورة االقتصادية داخل المجتمع إذ يؤثر تأثي ار واضحا في الدفع بعجلة االقتصاد إلى النمو واالزدهار، فبقدر ما كانت العمليات التي يقوم بها الموثق في إطار تحرير العقود سريعة ودقيقة، استفادت من ذلك كل المعامالت التجارية واالقتصادية التي تتطلب فيها الرسمية والتي تتسم بالسرعة في التنفيذ. ومثال ذلك عقود تأسيس الشركات التجارية، على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتبر من الفاعلين االقتصاديين الأكثر أهمية خاصة في مجال االستثمار الذي يؤدي دوار بالغ الأهمية في تحقيق التنمية االقتصادية، ويعتبر استخدام الذكاء االصطناعي في هذا المجال تكملة لعملية الرقمنة التي أتت بمنصات ومواقع رقمية لمختلف القطاعات والمصالح الإدارية التي لها عالقة مباشرة في تأسيس الشركات التجارية كالمركز الوطني للسجل التجاري ومصالح الض ارئب والوكالة الوطنية لالستثمار. كل هذه االستعماالت للمواقع الموجودة حاليا تدخل في إطار عملية الرقمنة التي تشهدها كل قطاعات الدولة والتي ال ت ازل متواصلة، لكن هل يكفي وجود مثل هذه المواقع وإتاحتها للموثق من أجل تحقيق البعد االقتصادي للذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية، أم يستدعي الأمر االنتقال إلى مرحلة أكثر شمولية للرقمنة من أجل استعمال فعلي وفعال للذكاء االصطناعي. ويعد العقد التوثيقي الإلكتروني بنوعيه سواء المحرر على دعامة إلكترونية أو ذلك المحرر عن بعد، من أهم مظاهر تجسيد التحول الرقمي في مجال التوثيق، ليبقى االنتقال إلى استخدام العقد الذكي مرحلة أخرى يجب الوصول إليها لتحقيق استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية. وقد ظهرت بعض المحاوالت التي أجريت من قبل هيئة التوثيق في إطار مساعي المجلس الأعلى للتوثيق والغرفة الوطنية للموثقين في الج ازئر للوصول إلى تعميم استعمال هذا النوع من العقود، إال أنها لم تتمكن من إرساء قواعده والتحكم في مبادئه العتبا ارت عديدة. ويبقى استعمال الموثق للذكاء االصطناعي مقصوار فقط في هذه المرحلة على بعض التطبيقات والب ارمج التي يمكن تثبيتها على أجهزة الحاسوب، مثل ب ارمج ترجمة اللغات وب ارمج ق ارءة الوثائق وغيرها من الب ارمج المتاحة، أو استخدام بعض الأنظمة الذكية المعتمدة من الناحية التقنية والمهنية في عمله داخل المكتب، ويعتبر Notaire.local النظام الذكي " " هو النظام المعتمد في الج ازئر والذي يمكن أن يستجيب حاليا لمتطلبات وخصوصية العمل التوثيقي ويجمع بين الأمان التقني والمطابقة القان ونية خاصة وأنه يتميز بكونه نظاما ماديا ( Hardware ) مع نظام تشغيل ( Linux ) ، كما أنه يلتزم بالمعايير القانونية المنصوص عليها في القان ون -22 المجلد 71، العدد 0102-17 200
28 المؤرخ في 22 يونيو 0222، المعدل المتمم بالقانون 22-05، المؤرخ في 00 يوليو 0205، المتعلق 17 بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي ، وهو نظام معتمد من قبل الدولة ومن قبل الغرفة الوطنية للموثقين. وتعتبر هذه المبادرة خطوة جريئة تتيح الموثق استخدام الذكاء االصطناعي لما تقدمه من خدمات تساعد في التحرير الذكي للعقود وفي أرشفتها وأتمتة العمليات المحاسبية لمكاتب التوثيق، غير أنها اصطدمت في الواقع مع بعض العوائق، كعدم جاهزية مكاتب التوثيق الستقبال هذه التقنيات ماديا وبشريا. - البعد االجتماعي: إن الموثق عند ممارسته لمهامه في تحرير العقود، فهو يتفاعل مع كل فئات المجتمع وكل المؤسسات والقطاعات المشكلة له، فال يمكن أن نتصور موثقا يعمل بمعزل عن المجتمع الذي يمارس فيه مهنته، وعليه فإن استعمال الذكاء االصطناعي ال يكون إال في إطار بيئة رقمية ويجب أن يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا باألهداف المتوخاة من الناحية االجتماعية، بحيث ال يمكن للموثق أن يتعامل مع فئات المجتمع بوسائل تكنولوجية حديثة استعملت فيها تقنيات الرقمنة والذكاء االصطناعي دون أن تكون هذه الأخيرة مرسخة في أوساط هذه الفئات، فحتى يتمكن الموثق من استعمال الذكاء االصطناعي ويتعامل بهذه التقنيات الحديثة، يجب أن تتم تهيئة البيئة المحيطة به والوصول إلى رقمنة شاملة لكل قطاعات الدولة من جهة، وتحضير كل المتعاملين من أف ارد ومؤسسات وإدا ارت للتكيف مع متطلبات الرقمنة الشاملة من جهة أخرى. الشك أن اتجاه المشرع الج ازئري إلى اعتماد وسائل الدفع الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني في العقود
المتعاملون إضفاء الرسمية فيها، وهذا وفقا لنص المادة 23 من القانون 20-20، المؤرخ في 02 فيفري 0220، إلى تحرير العقود ومتابعة كل العمليات المحاسبية الخاصة بها وكذا الشكليات المطلوبة فيها انتهاء بحفظ هذه ً العقود وأرشفتها رقميا باستخدام أنظمة وب ارمج الذكاء االصطناعي. إن استعمال الذكاء االصطناعي في استقبال المتعاملين وملفاتهم سيحقق ال ريب السرعة واالنسيابية في تنفيذ العمليات مما سيؤدي إلى زيادة الجودة والقيمة المضافة للخدمات المقدمة ويقلل من هدر الوقت والمال، بأن يتمكن المتعاملون مع مكاتب التوثيق من إيداع ملفاتهم عن بعد وتمكينهم من تنفيذ عملياتهم دون مكابدة عناء التنقل إلى هذه المكاتب من جهة، وتمكين الموثق من تلقي ود ارسة الملفات إلكترونيا وباستعمال الذكاء االصطناعي في تحليل الملفات والتدقيق فيها وفحص مطابقتها من جهة أخرى، وحتى استعماله في عملية تحرير العقود كتطبيقات مساعدة ستمكن الموثق من تفادي الوقوع في أخطاء وتحري الدقة في استعمال المصطلحات واللغة السليمة المؤدية للمعنى والمجنبة ألي شك أو تأويل في مضمون العقد التوثيقي. لكن ماذا عن تحقيق الرسمية في هذه العقود التي سوف يعتمد فيها الموثق على الذكاء االصطناعي، هل ستتحقق الرسمية في العقود التوثيقية الذكية التي سوف تتم عن بعد دون حاجة إلى حضور المتعاقدين أمام الموثق؟ أم أن استعمال الذكاء االصطناعي سوف يكون فقط في عملية تحرير العقد مع ضرورة حضور المتعاقدين، كما أن هذا الحضور هل هو حضور فعلي أم يكتفي بالحضور الحكمي وارء الشاشات الإلكترونية الذكية؟ فإذا كان استعمال هذا الذكاء مرتبطا فقط بعملية تحرير العقود التوثيقية مع ضرورة حضور المتعاقدين أمام الموثق، فهذا لن يثير أي إشكال إال فيما يتعلق بحفظ البيانات وعدم عرضها لالخت ارق والتحريف والتزييف، هذا الذي سيبقى الهاجس الوحيد الذي يخيف الموثق باعتباره مسؤوال عن كل الملفات والمعلومات التي يتلقاها أثناء أدائه لمهامه في إطار الحفاظ على السر المهني. أما إذا سلمنا بإمكانية تحقق الرسمية في العقد الإلكتروني الذكي، فإن ذلك سيكون ال ريب بضرورة تدخل الموثق كضابط عمومي وكطرف ثالث إلضفاء هذه الرسمية، وكان ل ازما العمل على إيجاد الصيغة الالزمة من الناحية التقنية ليتحكم الموثق في هذه المعامالت إعماال لنص المادة 300 من القانون المدني الج ازئري التي تشترط وجود موظف أو ضابط عمومي يثبت ما تم لديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، هنا تظهر أهمية التكوين بالنسبة للموثق ليتمكن من التحكم في تقنيات الذكاء االصطناعي وإب ارم العقود التوثيقية عن بعد. أما أن يتم إب ارم العقد إلكترونيا وباستعمال الذكاء االصطناعي دون الحضور المادي ألط ارف العقد أمام 19 الموثق كما هو الحال بالنسبة لعقود التجارة االلكترونية ، فهذا ال شك أنه سيشكل تهديدا حقيقيا لمهنة الموثق وهو ما يبرر مخاوف هذا الأخير من هذا الوافد الجديد المتجدد. 19 لزهر بن سعيد، النظام القانوني لعقود التجارة الإلكترونية، الطبعة الثانية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الج ازئر، سنة 0220، ص.232 المجلد 71، العدد 0102-17 202
لكن هذا ال يمنع أن تنتاب الموثق مخاوف عديدة من استعمال الذكاء االصطناعي، هذه المخاوف التي تبدو مشروعة بالنظر إلى التطور المستمر لهذه التقنية الجديدة المتجددة وما تقدمه من خدمات ذكية تضاهي فيها الذكاء البشري، خاصة عند االعتماد المفرط وغير المشروط على هذ التقنية، والذي تنجر عنه بعض المخاطر المتعلقة أساسا باألمن والخصوصية وت ارجع الإبداع وظهور تقنيات التزييف والتضليل بشكل يصعب التمييز فيها بين ما هو حقيقي وبين ما هو مزيف، كما تنتاب الموثق أيضا مخاوف أخرى تتعلق بإمكانية فقدان السيطرة على هذا الذكاء الخارق الذي سوف يطور ربما من نفسه إلى حد أنه لن يستجيب للمتحكم فيه.
إن استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية أمر ال مناص منه فهو حقيقة ولم يعد ضربا من ضروب الخيال، لكن يقتضي ذلك المرور بم ارحل بداية من التحول الرقمي والرقمنة ثم استعمال العقد االلكتروني والعقد الذكي وهو ما يسمى بالذكاء االصطناعي. لكن كل ذلك يستدعي وضع قواعد قانونية معينة لتحقيق استعمال مناسب للذكاء االصطناعي في مجال تحرير العقود هذا من جهة، والعمل على توفير بيئة مالئمة لهذا االستعمال، وسنتطرق إلى القواعد القانونية الكفيلة بتحقيق تطور دون مخاطر، ثم إلى مسألة تحضير بيئة مالئمة الستعمال الذكاء االصطناعي.
يقتضي استعمال الذكاء االصطناعي في مجال التوثيق عامة وفي تحرير العقود بصفة خاصة، إلى وضع الأحكام القانونية والتنظيمية التي من شأنها ضبط كيفية استعمال هذه التقنية من قبل الموثقين وتحديد شروطها وحدود استعماالتها، كما يقتضي الأمر كذلك تعديل الأحكام العامة للعقد وكذا تعديل الأحكام التشريعية والتنظيمية المنظمة لمهنة الموثق وكل القوانين والتنظيمات التي لها عالقة بها.
بالرجوع إلى أحكام الأمر رقم 52-85 المؤرخ في 00 سبتمبر 2585، المتضمن القانون المدني، خاصة ما جاء به التعديل بموجب القانون رقم 22-25 المؤرخ في 02 يونيو 0225، فإننا ال نجد إال بعض المواد التي تشير بشكل مقتضب إلى استعمال النمط الإلكتروني في الإثبات عامة وفي العقود بصفة خاصة، ففي المادة 303 مكرر التي نصت على: "ينتج الإثبات بالكتابة من تسلسل حروف أو أوصاف أو أرقام أو أية عالمات أو رموز ذات معنى مفهوم، مهما كانت الوسيلة التي تتضمنها، وكذا طرق إرسالها". وكذا في المادة 303 مكرر2 التي نصت على: "يعتبر الإثبات بالكتابة في الشكل الإلكتروني كاإلثبات بالكتابة على الورق، بشرط إمكانية التأكد من هوية الشخص الذي أصدرها وأن تكون معدة ومحفوظة في ظروف تضمن سالمتها". نجد أن المشرع الج ازئري تبنى التحول الرقمي في إعداد العقود كوسيلة إثبات بالكتابة، بحيث فتح المجال الستعمال الدعامة الإلكترونية في تحرير العقود وجعلها طريقة من طرق الإثبات مثلها مثل الكتابة على الورق، كما أن المادة 308 من القانون نفسه جاءت لتتطرق إلى مسألة التوقيع الإلكتروني وفقا للشروط المذكورة في المجلد 71، العدد 0102-17 203
المادة 303 مكرر2، وهي إمكانية التأكد من هوية الشخص الذي أصدرها، وأن تكون معدة محفوظة في ظروف تضمن سالمتها. التأكد من هوية الشخص الذي أصدر التوقيع الإلكتروني: اشترط المشرع الج ازئري من أجل االعتداد بالتوقيع الإلكتروني أن تكون هناك إمكانية التأكد من هوية مصدر هذا التوقيع، ويكون ذلك من خالل استخدام "شهادة التصديق الإلكتروني" وهي التي تصدر من جهة موثوقة ومعتمدة تضمن أن التوقيع يخص شخصا معينا بالذات، كما يتم توفير آلية للتحقق من هويته، وقد حدد المشرع الج ازئري القواعد العامة المتعلقة بالتوقيع والتصديق الإلكترونيين في القانون -25 20 المؤرخ في 22 فب ارير 0225 20 . بالرجوع إلى نص هذا القان ون نجد أن المشرع الج ازئري عرف التوقيع الإلكتروني على أنه: بيانات في شكل إلكتروني، مرفقة أو مرتبطة منطقيا ببيانات إلكترونية أخرى، تستعمل كوسيلة توثيق، وتتمثل هذه البيانات في الرموز ومفاتيح التشفير الخاصة التي يستعملها الموقع إلنشاء التوقيع الإلكتروني، ويستعمل هذا الأخير لتوثيق هوية الموقع وإثبات قبوله مضمون الكتابة في الشكل الإلكتروني، وهذا ما نصت عليه المادة 0 من القانون نفسه. غير أن السؤال الذي قد يطرح في هذا الصدد هو: هل حدد القانون المتعلق بالتوقيع الإلكتروني دور الموثق كضابط عمومي مكلف بتحرير العقود ال رسمية في التأكد من هوية الشخص الذي أصدر التوقيع؟ لقد تطرق هذا القانون في المادة 0 منه إلى طرف ثالث موثوق والذي هو شخص معنوي يقوم بمنح شهادات التصديق الإلكتروني الموصوفة وقد يقدم خدمات أخرى متعلقة بالتصديق الإلكتروني لفائدة المتدخلين في الفرع الحكومي، ولم يشر إلى تدخل الموثق كضابط عمومي مكلف بتحرير العقود الرسمية، وهذا ما يبين أن أحكام هذا القانون إنما جاءت لتنظم المعامالت التي تتم بين الأشخاص وعبر االنترنت أو ما يسمى بالتجارة الإلكترونية ال غير، وهي عقود عرفية ال ترتقي إلى الرسمية. فإذا كان تعديل القانون المدني كما هو مبين سابقا، وكذا القانون المتضمن التوقيع االلكتروني وكل القوانين المتعلقة بالتجارة االلكترونية جاءت لتفتح المجال واسعا لالعت ارف بالكتابة االلكترونية ومساواتها بالكتابة الورقية في مجال الإثبات، الأمر الذي سيعزز عملية االنتقال من النمط الورقي إلى النمط االلكتروني في تحرير العقود التوثيقية الرسمية، لكن هذا يبقى قاص ار في مواجهة الأحكام العامة للعقد وشروطه ومالءمتها مع مستجدات الرقمنة والذكاء االصطناعي. لذا كان ل ازما أن تعدل أحكام القانون المتعلق بالتوقيع الإلكتروني بشكل يظهر دور الموثق في التأكد من مصدر التوقيع الإلكتروني باعتباره محرر العقود الرسمية أو إصدار قانون جديد ينظم التوقيع الإلكتروني للعقود الرسمية التوثيقية الإلكترونية، كما يكون من الأجدر إضافة تعديالت أخرى لألحكام العامة الواردة في القانون 20 قانون رقم 20-25 مؤرخ في أول فبارير 0225، يحدد القواعد العامة للتوقيع والتصديق الإلكترونيين، ج ر ج ج عدد 20، المؤرخة في 22 فب ارير .0225 المجلد 71، العدد 0102-17 204
المدني، كاألحكام المتعلقة بشروط العقد وخاصة تلك المتعلقة بمجلس العقد، على اعتبار أن التعاقد الإلكتروني يعطي الفرصة للتعاقد عن بعد ودون الحضور الفعلي لألط ارف، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكاالت بالنسبة للموثق كمحرر العقد وكضابط عمومي مكلف بالرسمية، لذا وجب إحاطة هذا الموضوع من كل جوانبه. فإذا كان الموثق باعتباره ضابطا عموميا مفوضا من قبل السلطة العمومية، يتولى تحرير العقود التي يشترط فيها القانون الصبغة الرسمية، وكذا العقود التي يرغب الأشخاص إعطاءها هذه الصبغة، فهو مطالب - قبل إعداد هذه العقود - بالتأكد من هوية الأط ارف، ويكون مطالبا أكثر بالتحقق من هوية مصدر التوقيع الإلكتروني وأن يباشر بنفسه إعداد العقد الإلكتروني دون أن تترك الحرية في ذلك ألط ارف العقد كما هو الحال في العقود االلكترونية التجارية المعروفة حاليا، كما أن أشكال العقود التوثيقية ومضمونها كما هو مبين في المواد 00 إلى 30 من القانون رقم 20-20، المؤرخ في 02 فيفري 0220، المتضمن مهنة الموثق، لم تتطرق إلى الشكل الإلكتروني للعقود ولم تنظم مضمون العقد الإلكتروني. الأمر الذي يؤدي بنا إلى القول بضرورة التفكير في تعديل القانون 20-20 المنظم لمهنة الموثق بشكل يظهر بدقة الشكل االلكتروني للعقود الرسمية وكيفيات تحريرها والتأكد من هوية الأط ارف فيها وكيفية حفظها ومتابعة كل الإج ارءات الالحقة التي يتطلبها القانون من تسجيل وإشهار بالنسبة للعقود التي تتطلب ذلك. إن المشرع الج ازئري يكون بذلك قد فتح المجال واسعا لالنتقال - وعلى م ارحل - من الدعامة الورقية في إعداد وتلقي العقود التوثيقية إلى الدعامة الإلكترونية في إطار ما يسمى باإلصالح التشريعي الخاص بعصرنة التوثيق في الج ازئر وفي إطار التحول الرقمي الشامل الذي تصبو إليه الدولة، من خالل التعديل المذكور أعاله ومن خالل سن بعض التشريعات، كالقانون المتعلق بالتوقيع الإلكتروني وكالمرسوم الرئاسي رقم 320-03، 21 المؤرخ في 20 سبتمبر 0203، المتضمن إنشاء محافظة سامية للرقمنة وتحديد مهامها وتنظيمها وسيرها . ويبقى كل هذا غير كاف العتماد النمط الرقمي في إعداد العقود التوثيقية، بل وفي استعمال الذكاء االصطناعي. أن تكون الكتابة والتوقيعات معدة ومحفوظة في ظروف تضمن سالمتها: اشترط المشرع الج ازئري في المادة 323 مكرر 1 من القانون المدني، لكي تكون الكتابة الإلكترونية طريقة من طرق الإثبات مثلها مثل الكتابة الورقية، أن تكون معدة ومحفوظة بشكل تضمن سالمتها، وسالمة البيانات والمعلومات التي تتضمنها الكتابة ھ الإلكترونية ي التي تحقق الأمان والثقة لدى أط ارف العقد الإلكتروني، ألن الكتابة الإلكترونية بكونها مجموعة من البيانات والمعلومات والرموز الإلكترونية التي تخزنها اآلالت وأجهزة الإعالم اآللي، بل حتى التي تستقبلها مختلف الب ارمج والتطبيقات في عالم االنترنت دون أن تكون لها أثر في الحواسيب واألجهزة الإلكترونية، بمعنى 21 مرسوم رئاسي رقم 320-03 مؤرخ في 20 سبتمبر 0203، يتضمن إنشاء محافظة سامية للرقمنة وتحديد مهامها تنظيمها وسيرها، ج.ر.ج.ج عدد 55، صادر بتاريخ 22 سبتمبر .0203 المجلد 71، العدد 0102-17 205
أنها حتى وإن لم يتم تسجيلها في الكمبيوتر، فإنها ستكون مسجلة في فضاء االنترنت حسب التطبيق أو البرنامج المستعمل، يمكن أن تتعرض لكل أنواع التحوير والتغيير من محتواها أو معانيها أو استعمال المعلومات الشخصية لألط ارف ألغ ارض إج ارمية تسيء إلى أط ارف المعامالت وتهدد مصالحها. فمن الصعب بمكان التسليم بالمستندات االلكترونية كأدلة إثبات كتابية مساوية للمحرارت التقليدية في قوتها في الإثبات على النحو الذي قرره المشرع بالنظر إلى الميزة التي يتمتع بها تدوين مستندات على الوسيط الإلكتروني وسهولة تعديلها بدون إتالف الدعامة المادية أو ترك أي أثر عليها 22 فنحن هنا بصدد دعامة جديدة غير معهودة، فهي ليست ورقا بل جها از متطوار. إن استعمال الموثق للذكاء االصطناعي في تحريره للعقود الرسمية، يعني أنه قد تمكن من استعمال الكتابة الإلكترونية وفقا للشروط المنصوص عنها في المادة 303 مكرر2 من القانون المدني، ألن استعمال الذكاء االصطناعي مرتبط ارتباطا وثيقا بالكتابة الإلكترونية وباستعمال الدعامات الإلكترونية في تحرير العقود، لكن وباستق ارء النصوص القانونية الواردة في مجال الكتابة الإلكترونية سواء تلك التعديالت التي تضمنها القانون المدني أو الأحكام الواردة في القانون الذي يحدد القواعد العامة للتوقيع والتصديق الإلكترونيين، نجد أن الموثق لم يجد ضالته في هذه الأحكام الجديدة على اعتبار أنها أتت للتصدي للعق ود االلكترونية المبرمة في إطار التجارة االلكترونية والتي تعتبر عقودا عرفية ال ترتقي إلى الرسمية ولم تتطرق إلى العقود الرسمية، لذا يبقى على المشرع أن يأتي بأحكام خاصة تنظم وتسير بصورة واضحة العقود التوثيقية الرسمية التي تعد في الشكل الإلكتروني والتي يستعمل فيها الذكاء االصطناعي، مع ضرورة تعديل بعض القوانين والم ارسيم التي لها عالقة مباشرة بتسجيل وإشهار العقود الرسمية التوثيقية كتعديل المرسوم رقم 03-80 المؤرخ في 05 مارس 2580 المتعلق بتأسيس السجل العقاري وكل القوانين والم ارسيم التي لها عالقة بمهنة الموثق.
إن من بين اآلليات القانونية التي تمكن الموثق من االنتقال من الدعامة الورقية في تحرير العقود إلى الدعامة االلكترونية ومن استعمال الذكاء االصطناعي في مهنته كمحرر رسمي وتفادي تهديدات هذا االستعمال، هي تحديث وتعديل كل الأحكام التشريعية والتنظيمية التي تنظم مهنة الموثق. فال شك أن أولها أحكام القانون 20-20 المنظم لمهنة الموثق، بإد ارج نصوص في هذا القانون تحدد مفهوم العقد الرسمي الإلكتروني الذي يتلقاه الموثق ونوع التوقيع االلكتروني الذي يعتد به في العقود الرسمية التي يحررها. وقد يثير استعمال الدعامة االلكترونية في تحرير العقود التوثيقية واالعتماد على الذكاء االصطناعي فيها، بعض الإشكاالت القانونية التي يجب التصدي لها بتعديل وتحديث الأحكام التشريعية والتنظيمية المنظمة لمهنة الموثق، فبالرجوع إلى أحكام القان ون 20-20، نجد أن المشرع الج ازئري لم ينص على الشكل الإلكتروني 22 سمير دنون، العقود الإلكترونية في إطار تنظيم التجارة الإلكترونية، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، 0220، ص.85 المجلد 71، العدد 0102-17 206
في تحرير العقود التوثيقية في الفصل الخامس بعنوان "أشكال العقود التوثيقية ومضمونها"، كما لم ينص على إمكانية استعمال واالستعانة بتقنيات الذكاء االصطناعي في تحرير العقود، فالمواد 00 إلى 30 من هذا القانون إنما وضعت لتنظيم العقود المحررة على دعامة ورقية فحسب. كما أن استعمال الذكاء االصطناعي في تحرير العقود يعتمد أساسا على استعمال الدعامة االلكترونية، فهل هذا سيؤدي إلى االستغناء الكلي على الدعامة الورقية، أم أن ذلك سيعزز استعمال هذه الأخيرة ويضيف لها فقط بعض الم ازيا التي يحملها. فإذا كان استعمال الذكاء االصطناعي في العقود التوثيقية سيؤدي إلى االستغناء الكلي على الدعامة الورقية، فهذا سيشكل ال محال تحديا كبي ار يجب أن يحاط بكل الضمانات التقنية والقانونية الالزمة لضمان توفر أركان العقد من جهة ولضمان التأكد من هوية مصدر التوقيع الإلكتروني وكذا ضمان سالمة البيانات المسجلة على الدعامة الإلكترونية من جهة أخرى 23 ، فإذا كانت التجارة الإلكترونية قد حققت إلى حد اآلن تطوار ملحوظا رغم الصعوبات التي قد يواجهها رجال القانون إلثبات المعامالت التي تتم عبر هذا النمط الجديد، فإن إب ارم العقود التوثيقية إلكترونيا باستعمال الذكاء االصطناعي، ال يستلزم فقط االنتقال من الدعامة الورقية إلى الدعامة االلكترونية بل حتى إلى استعمال العقد الإلكتروني الذكي الذي قد يؤدي إلى التخلي الكامل على دور الموثق مستقبال، بما أن هذا النوع من العقود الذكية تهدف إلى التخلي على الذكاء البشري وإلى االستقاللية والذاتية في التنفيذ، الأمر الذي يخالف ضرورة وجود ضابط عمومي يتولى تحرير العقود الرسمية كما تم تبيانه سابقا. هذا الأمر يؤدي بنا إلى التفكير في إيجاد حل وسط يوفق بين ضرورة االنتقال من الدعامة الورقية في تحرير العقود الرسمية التوثيقية إلى الدعامة االلكترونية واستعمال الذكاء االصطناعي وبين ضرورة الحفاظ على دور الموثق كجهة رسمية تتولى تحرير العقود الرسمية. لذا يكون من الأجدر على المشرع أن يبين دور الموثق في العقود االلكترونية للحفاظ على رسمية العقود المحررة بهذا النمط الجديد. ال شك أن هذا النمط يواجه حاليا عوائق وصعوبات تجعل من الصعب إنشاء بعض التصرفات القانونية باستخدام الكتابة االلكترونية وباالعتماد على الذكاء االصطناعي وتتمثل هذه العوائق في ما هو قانوني وواقعي 24 وتقني . - العائق القانوني: إن بعض التصرفات القانونية يتطلب فيها تدخل ضابط أو موظف عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة، وهي العقود الرسمية وفقا لما نصت عليه المادة 300 من القانون المدني الج ازئري، واشت ارط الصفة الرسمية في مثل هذه العقود يعني الحضور المادي لكل من الضابط العمومي أو الموظف وأط ارف العقد، 23 مليكاوي مولود، التجارة الإلكترونية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الج ازئر، سنة 0225، ص.200 24 حازم أكرم الربيعي، الشكلية في التعاقد عبر االنترنت "د ارسة تحليلية مقارنة معززة بالقارارت والسوابق القضائية، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، سنة 0202، ص.200 المجلد 71، العدد 0102-17 207
وهذا ما ال يمكن تصوره في التعاقد عبر االنترنت أو التعاقد االلكتروني الذي يسمح بدوره باستعمال الذكاء االصطناعي والذي يتسم بالطابع غير المادي، فبالرغم من ظهور بعض المحاوالت التشريعية والقضائية خاصة بفرنسا، وذلك إليجاد حلول عملية وإضفاء مرونة على تحقيق الأبعاد الثالثة لمفهوم الرسمية والمتمثلة في: (الحضور المادي لألط ارف وتوقيعاتهم على الوثيقة وتوقيع الضابط العمومي أو الموظف) واإلق ارر بإلغاء الت ازمن بين هذه الأبعاد الثالثة، وإق ارر قانونية الشكلية في الصيغة ال رقمية، إال أن التوجه نحو استعمال الذكاء الصناعي في إعداد العقود الرسمية الإلكترونية دون قيد وال شروط سيؤدي ال محال إلى زوال الرسمية والذي يشكل تهديدا مباش ار لمهنة الموثق. - العائق الواقعي: إن واقع التعامالت الإلكترونية الحديثة يرتبط أساسا بالمعامالت التجارية وهذا ما تؤكده تسمية القانون الذي أصدرته لجنة القانون التجاري الدولي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة بقانون االونسيت ارل النموذجي بشأن التجارة االلكترونية، فقد نصت المادة 22 منه: بأن نطاق تطبيقه يشمل التعامالت الإلكترونية 25 التي تتم في سياق الأنشطة التجارية ، فقد حققت العقود الإلكترونية حاليا في مجال التجارة الإلكترونية سواء الداخلية أو الدولية رواجا كبي ار في فضاء الأنترنت، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها بالنسبة لألحكام القانونية 26 المنظمة للتجارة، سواء من حيث مكان العقد أو أط ارفه أو حتى بالنسبة لمحل العقد الإلكتروني . فإذا كان العقد الإلكتروني في مجال التجارة الإلكترونية ال ي ازل يواجه بعض التحديات بالنسبة للمشرع الج ازئري بعد إصداره للقانون 25-22، المؤرخ في 0222/25/22 27 فيما يخص مالءمة التشريعات والتنظيمات الوطنية المنظمة لهذا المجال، فإن العقد الإلكتروني التوثيقي يستدعي إحاطة خاصة على اعتبار أن الموثق يحقق الرسمية في المعامالت. أخذت المعامالت الإلكترونية وبسرعة مذهلة في االنتشار ليصبح الأف ارد حاليا قادرين على إنجاز جل مشاغلهم الإدارية والتجارية والتسويقية وحتى التعليمية منها دون أن يتحركوا من مساكنهم، وقد أظهرت أزمة كورونا العالمية أهمية المعامالت الإلكترونية التي أنقذت اقتصاديات معظم الشركات التي اتجهت إلى هذا النمط من التعامل بعد هذه الأزمة، لكن ذلك كان فقط بالنسبة للتجارة الإلكترونية أما بالنسبة للعمل التوثيقي في تحرير العقود الرسمية، فإن هذه الأزمة قد أكدت العكس وهو ضرورة وجود الموثق باعتباره ضابطا عموميا في عملية إعداد مثل هذه العقود، ولم يتمكن النمط الإلكتروني من مواجهة الأزمة بل توقف العمل التوثيقي بسبب غلق مكاتب التوثيق لمدة طويلة أدى إلى تعطيل مصالح الأف ارد، حتى تحتم الأمر إلى استعمال وسائل الوقاية 25 المادة 22 من قانون الأونسيت ارل النموذجي لسنة 2550، منشوارت الأمم المتحدة، نيو يورك، 0222، رقم البيع: F.99.V.4، 92-1-233323-0 ISBN، ص.3 26 فتيحة حازم، قانون المعامالت الإلكترونية "د ارسة على ضوء القانون 25-22"، ألفا للوثائق للنشر والتوزيع، الجازئر، سنة 0200، ص.205 27 قانون رقم 25-22 مؤرخ في 22 ماي 0222، يتعلق بالتجارة الإلكترونية، ج ر ج ج عدد 02، صادر في 20 ماي .0222 المجلد 71، العدد 0102-17 208
القصوى من هذا الوباء داخل مكاتب التوثيق والمخاطرة بإعادة فتحها لعدم إمكانية إب ارم العقود التوثيقية إلكترونيا مثل ما هو الحال بالنسبة للتجارة الإلكترونية. أكدت أزمة كو رونا التي اجتاحت كل دول العالم وبالنسبة للج ازئر خاصة، أنه يجب العمل على تحديث الأحكام التشريعية والتنظيمية لمهنة الموثق بشكل يحقق التوفيق بين ضرورة التوجه إلى النمط الإلكتروني واستعمال الذكاء االصطناعي في إعداد العقود الرسمية، والحفاظ على هذه الرسمية في العقود المعدة في الشكل الإلكتروني وباستعمال الذكاء االصطناعي. لكن أمام هذه المخاوف من الوافد الجديد الذي أتت به التحوالت التكنولوجية ال ارهنة، وما ينتج من 28 استعمال شبكة االنترنت من مخاطر ال يمكن تداركها ، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه هو، ما مدى تحقيق التعامل الرقمي واإللكتروني لألمن واألمان اللذين طالما بحث عنه المتعاملون حتى في المعامالت التقليدية ولن يتوانى في اشت ارطه في هذا النوع الجديد من المعامالت؟ إن استعمال الموثق للذكاء االصطناعي في ممارسته لمهنته سيفتح له آفاقا جديدة الستعمال تقنيات حديثة في منتهى الدقة والذكاء من أجل تثمين العمل التوثيقي وجعله أكثر دقة بتحقيق نتائج معتبرة بتكلفة أقل وفي مدة زمنية وجيزة تمكنه من تفادي هدر الوقت والمال. لكن هذا مرهون بتحديث كل الأحكام التشريعية والتنظيمية لمهنة الموثق وجعلها تتماشى مع المعطيات الجديدة في مجال استعمال الذكاء االصطناعي، فباإلضافة إلى ضرورة تحديث القانون المنظم لمهنة الموثق كما هو مشار إليه سابقا، فإن ضرورة تعديل كل النصوص القانونية والتنظيمية الأخرى المتعلقة أساسا بالتسجيل كاألمر رقم 225-80، المؤرخ في 25 ديسمبر 2580 المتضمن قانون التسجيل المعدل والمتمم 29 وكذا المتعلقة باإلشهار العقاري كاألمر رقم 80-85، المؤرخ في 20 نوفمبر 2585 المتضمن إعداد مسح الأ ارضي العام وتأسيس السجل العقاري 30 والمرسوم التنفيذي رقم 03-80، المؤرخ في 05 مارس 2580، المتضمن تأسيس السجل العقاري، المعدل والمتمم 31 خاصة في مادته 02 التي تقتضي أن يكون العقد المودع قصد الإشهار العقاري مقدما على الشكل الرسمي، وهنا المشرع لم يحدد نوع الدعامة التي يقدم فيها العقد أهي دعامة ورقية أم إلكترونية؟ وغيرها من القوانين والتنظيمات التي لها عالقة مباشرة بمهنة الموثق. 28 سمير دنون، العقود الإلكترونية في إطار تنظيم التجارة الإلكترونية، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، سنة 0220، ص.020 29 أمر رقم 225-80 مؤرخ في 25 ديسمبر 2580، يتضمن قانون التسجيل المعدل والمتمم، ج ر ج ج عدد 223، صادر بتاريخ 02 ديسمبر .2580 30 أمر رقم 85-80 مؤرخ في 20 نوفمبر 2585، يتضمن إعداد مسح الأ ارضي العام وتأسيس السجل العقاري، ج ر ج ج عدد .2585 ربمفون 22 خيراتب رداص ،50 31 مرسوم تنفيذي رقم 03-80 مؤرخ في 05 مارس 2580، يتضمن تأسيس السجل العقاري، معدل ومتمم، ج رج ج عدد 32، صادر بتاريخ 23 أفريل .2580 المجلد 71، العدد 0102-17 209
كل هذا التعديالت التي تنتظر المشرع الج ازئري في إحداث نقلة نوعية للترسانة القانونية التي تحكم عملية إعداد العقود التوثيقية وما يقابلها من إج ارءات، تتبعها عملية أخرى ال تقل أهميتها عن الأولى تقع على عاتق الدولة والممارسين في هذا المجال وهي التحضير لبيئة رقمية مالئمة الستعمال الذكاء االصطناعي، سواء بتحضير الوسائل المادية الالزمة لمواجهة هذه التكنولوجيا الحديثة وبتكوين الموثق تكوينا يستجيب لمتطلبات استعمالها.
إن االتجاه نحو استعمال محكم وفعال للذكاء االصطناعي في مهنة الموثق دون مخاطر، يستدعي وضع التقنيات والوسائل المادية والبشرية الالزمة لمواجهة هذا التحدي وللوصول إلى التحكم في التقنية ومواكبة تطورها من جهة والحفاظ على الرسمية في العقود من جهة أخرى.
رغم الجهود المبذولة من قبل الدولة الج ازئرية منذ مدة، على غ ارر الدول الأخرى - النامية منها على الأقل– في رقمنة جميع قطاعاتها تمهيدا لتطوير أنظمة الذكاء االصطناعي، حيث عملت منذ سنة 0222 على وضع االست ارتيجية الوطنية للذكاء االصطناعي (0232-0202)، فاتخذت من أجل ذلك جملة من الإج ارءات SKAILAB كإنشاء مركز الذكاء االصطناعي بجامعة سكيكدة ( )، وهو أول مركز للذكاء االصطناعي في الج ازئر يتولى تكوين الخب ارء في مجال الإعالم اآللي والذكاء االصطناعي وتطوير نماذج هذا الأخير، وعملت أيضا على إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء االصطناعي سنة 0202، باإلضافة إلى توجه كل قطاعات الدولة إلى االنخ ارط في مخطط مشروع متكامل لتحضير البيئة الرقمية واعتماد التحول الرقمي الشامل. إال أن هذه الجهود اصطدمت بكثير من المعوقات سواء من حيث نقص البنية التحتية الشبكية التي تعاني من ضعف االستثمار في هذا المجال وفي مجال البيانات المتعلقة بالذكاء االصطناعي وغياب الخب ارت المؤهلة فيها، أو من حيث بعد المؤسسات الج ازئرية العامة منها والخاصة على استيعاب هذه التكنولوجيا الحديثة، كما يشكل أمن الفضاء السيب ارني عائقا آخر يحول دون الوصول إلى االستعمال الأمثل للذكاء االصطناعي، يجب أخذه في االعتبار. كل هذه العوائق أثرت بشكل كبير على تبني العمل التوثيقي للذكاء االصطناعي وحتى على الوصول إلى رقمنة شاملة للمنظومة التوثيقية، وال شك أن تدخل الدولة في هذا المجال ضروري من خالل وازرة العدل والمجلس الأعلى للقضاء في إطار عصرنة المرفق العمومي للتوثيق، بوضع منصة رقمية خاصة بالموثقين هدفها التبادل التلقائي المؤمن للمعلومات مع الشركاء المؤسستيين كواز رة الداخلية ووازرة الرقمنة واإلحصائيات ووازرة المالية واللجنة الحكومية للتصديق الإلكتر وني، كما يشكل نظام االنت ارنت للموثق حال عمليا للعمل المؤمن بين الموثقين وبداية حقيقية في الولوج إلى عالم الرقمنة واستعمال الذكاء االصطناعي. المجلد 71، العدد 0102-17 210
لكن يبقى تجهيز مكاتب الموثقين باألجهزة االلكترونية واإلعالم اآللي عالية الجودة هاجسا آخر يؤرق الموثق بالنظر إلى غالئها وارتفاع أسعارها، فيكون من الأجدر إيجاد حل مرض لهذا الإشكال الذي سيكون حجر عثرة أمام تبني استعمال الذكاء االصطناعي في مهنة الموثق.
إن العمل على تحضير بيئة مالئمة الستعمال الذكاء االصطناعي تستدعي باإلضافة إلى توفير الإمكانات المادية الالزمة كما سبق بيانه، وجود موثق مؤهل ومتمكن من تقنيات تكنولوجيا الإعالم واالتصال ومن استعمال الذكاء االصطناعي والتحكم فيه، فقد أصبح هاجس التحكم في الذكاء االصطناعي يولد مخاوف كبيرة لدى الموثقين، هذه المخاوف التي تجد لها تفسي ار في عدم وجود الكفاءة الالزمة أو نقصها في كثير من الأحيان، فلم يتمكن الموثق من استيعاب تقنيات الرقمنة حتى حلت عليه هذه التقنية الجديدة وهي الذكاء االصطناعي بكل ما تحمله من م ازيا تمكنه من تطوير مهنته ومواكبتها مع التطور التكنولوجي الكبير الذي عرفه عالمنا اليوم وما تفرزه من عيوب وعوائق قد تهدد العمل التوثيقي بل قد تهدد وجود المهنة في حد ذاتها. فاألمر إذا أمر وجودي، على الموثق أن يرفع فيه التحدي ويثبت وجوده كضابط عمومي ال يمكن استبداله بآلة ذكية، وهذا لن يتأتى إال بتحسين مداركه العلمية والتقنية في مجال الرقمنة عامة وفي مجال الذكاء االصطناعي بصفة خاصة، كما أنه مطالب بأن يكون أذكى من الذكاء االصطناعي، وهذا يعني أن تكون له الوسيلة في التحكم باعتباره هو من يستخدم الذكاء االصطناعي وهو من سيتحمل تبعات ذلك. إن التحكم في الذكاء االصطناعي قد تثير مسألة دقيقة وحساسة وهي مدى وصول هذا الذكاء إلى درجة العقل الذي يتمتع به الإنسان، ألن العقل مفهوم يتعلق بالكليات أما الذكاء فهو مفهوم يتعلق بالجزئيات، وهذا يعني أن العقل مفهوم أوسع من الذكاء يشمل حسن التصرف والحكمة، بينما الذكاء هو القدرة على حل المشكالت في اختصاص معين، بدقة وسرعة فائقتين دون أن يرتبط بالسلوك السليم، مثال ذلك أن يكون الشخص فائق الذكاء لكنه يرتكب بذلك أبشع الج ارئم فهذا إنسان ذكي لكنه ينقصه العقل. إن التخوف الذي ينتاب الموثق في حقيقته ال يكون من التكنولوجيا نفسها، إنما هو من سوء توظيف هذه 32 التقنية ، لذا فهو مطالب بأن يتمتع بالعقل ال ارجح والذكاء، فمهما كان الذكاء االصطناعي أذكى منه في مهام محددة لكن بعقله سيتفوق عليه وسيصل إلى التحكم فيه ويكون ذلك بالتدريب المتواصل على هذه التقنيات الحديثة وبالتحلي بأنبل الصفات التي يمكن أن يتصف بها العقل ال ارجح، ليكون استعماله للذكاء االصطناعي استعماال نافعا ودون مخاطر. 32 محمدي أحمد نسيم، ثورة الذكاء الجديد "كيف يغير الذكاء االصطناعي عالم الي وم"، أدليس بلزمة للنشر والترجمة، سنة 0202، ص .280 المجلد 71، العدد 0102-17 211
وهنا يتبين أن أمر استبدال الموثق بالذكاء االصطناعي أمر غير وارد على الإطالق، إنما يكون من الأجدر تغيير شروط االلتحاق بمهنة الموثق بوضع شرط التحكم في تقنيات الإعالم اآللي والذكاء االصطناعي ليتبعه أيضا شرط التمتع بالعقل ال ارجح السليم. لكن ماذا عن الذكاء االصطناعي الخارق، هذا النوع من الذكاء الذي ربما سوف يهدد البشرية جمعاء وليس الموثق فحسب، على العلماء إيجاد حل يسمح بالتحكم الدائم في الذكاء االصطناعي بوضع تقنيات تجعل هذا الذكاء تحت تصرف مستعمليه، فيأمن الموثق بذلك من عدم التحكم والسيطرة عليه ويكون المسؤول الأول في مهنته وفي تحرير العقود الرسمية.
إن د ارسة موضوع الذكاء االصطناعي في العقد التوثيقي، أظهرت لنا جوانب كثيرة توحي بتطوير مهنة الموثق باستعمال هذا الذكاء، على اعتبار أنه يقدم إسهامات كبي رة في تعزيز عمله وفي تحقيق الرسمية في العقود والتي بدورها تساهم في استق ارر المعامالت وفي تحقيق الأمن القانوني في إطار منظومة إلكترونية شاملة بكل أبعادها االقتصادية واالجتماعية، لكن هذا التطور لن يكون مجديا بالنسبة لمهنة الموثق إال باتخاذ كل االحتياطات الال زمة وتفعيل كل اآلليات القانونية والمادية الكفيلة بتحقيق استعمال أفضل وآمن للذكاء االصطناعي، آمن بالنسبة للمتعاقدين ال ارغبين في تجسيد الرسمية في معامالتهم واستق اررها وحفظ حقوقهم، وبالنسبة للموثق الذي ينتابه هاجس تفشي أس ارر مهنته وحتى فقدانه للسيطرة على هذا الوافد الجديد، وبالنسبة للدولة التي تعمل على تحسين الخدمة العمومية وتعزيز كفاءة الأداء في أجهزتها ومؤسساتها تحقيقا لألمن القانوني وترسيخا للسيادة الرقمية. وعليه من خالل نتائج د ارستنا، توصلنا إلى اقت ارح بعض التوصيات التي تتحدد فيما يلي: - ضرورة تعديل بعض القوانين والم ارسيم التي لها عالقة مباشرة بتسجيل وإشهار العقود الرسمية التوثيقية كتعديل المرسوم رقم 03-80 المؤرخ في 05 مارس 2580 المتعلق بتأسيس السجل العقاري وكل القوانين والم ارسيم التي لها عالقة بالعقود التوثيقية. - ضرورة التفكير في تعديل القانون 20-20 المنظم لمهنة الموثق بشكل يظهر بدقة الشكل االلكتروني للعقود الرسمية وكيفيات تحريرها والتأكد من هوية الأط ارف فيها وكيفية حفظها ومتابعة كل الإج ارءات الالحقة التي يتطلبها القانون من تسجيل وإشهار بالنسبة للعقود التي تتطلب ذلك. - إد ارج نصوص في القانون تحدد مفهوم العقد الرسمي الذكي الذي يتلقاه الموثق ونوع التوقيع االلكتروني الذي يعتد به في العقود الرسمية التي يحررها على هذا النمط. المجلد 71، العدد 0102-17 212
- تعديل أحكام القانون المتعلق بالتوقيع الإلكتروني بشكل يظهر دور الموثق في التأكد من مصدر التوقيع الإلكتروني باعتباره محرر العقود الرسمية أو إصدار قانون جديد ينظم التوقيع الإلكتروني للعقود الرسمية التوثيقية الذكية. - إضافة تعديالت أخرى لألحكام العامة الواردة في القانون المدني، كاألحكام المتعلقة بشروط العقد وخاصة تلك المتعلقة بمجلس العقد، على اعتبار أن التعاقد الإلكتروني يعطي الفرصة للتعاقد عن بعد ودون الحضور الفعلي لألط ارف. - على المشرع أن يبين دور الموثق في العقود االلكترونية للحفاظ على رسمية العقود المحررة بهذا النمط الجديد. - تغيير شروط االلتحاق بمهنة الموثق بوضع شرط التحكم في تقنيات الإعالم اآللي والذكاء االصطناعي ليتبعه أيضا شرط التمتع بالعقل ال ارجح السليم. المجلد 71، العدد 0102-17 213