التوصيف القانوني الستخدام تقنيات ال ذ كاء االصطناعي في القطاع المصرفي- (د ارسة قانونية تحليلية مقارنة) (1)، د. عالء فاضل خلف (1) كلية القانون ، جامعة البيان. البريد االلكتروني: [email protected] (2)، د. سمر عدنان محمود (2) كلية القانون، جامعة الف ارهيدي. البريد االلكتروني: gmail.com@samaradnan858 الملخص: توّفر تقنيات الذكاء االصطناعي فرصا عديدة لتطوير القطاع المصرفي، حيث يمكن للبنوك، الصغيرة منها والكبيرة، االعتماد على تكنولوجيا التطبيقات الذكية لتسيير وتوسيع العمليات المالية والمصرفية التي تق وم على أساس تفعيل نظم الذكاء االصطناعي في الأعمال واألنشطة المصرفية، حيث سادت النظرة لدى إداارت البنوك في تعزيز تبني تقنيات الذكاء االصطناعي، والدعوة إلى تشريع هذا االستخدام من خالل التشريعات النافذة من جهة، وفتح أبواب التعاون مع الشركات التقنية المتخصصة لتطوير النظم المستخدمة في هذا القطاع والعمل على تحسينها المستمر. ومن أبرز المشاكل التي توجه استخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي، هي مشكلة التكييف القانوني لهذه التقنيات، ال سيما تقنية المساعد الرقمي الذكي، حيث ال يوجد إجماع قانوني على المستوى الفقهي أو التشريعي في صدد التوصيف القانوني الدقيق له، وهو ما تعمل هذه الدارسة على بيانه والوقوف عليه بشكل أساسي. الكلمات المفتاحية: الذكاء االصطناعي، الخدمات المصرفية، القطاع المصرفي، المساعد الذكي، الوكيل الرقمي. تاريخ إرسال المقال: 2026/01/20، تاريخ قبول المقال: 0302/30/30، تاريخ نشر المقال: 0302/32/03 المؤلف المارسل: سمر عدنان، gmail.com@samaradnan858 المجلد 71، العدد 0102-17
التوصيف القانوني لإستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي في القطاع المصرفي- (دراسة قانونية تحليلية مقارنة)
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
توفّر تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصاً عديدة لتطوير القطاع المصرفي، حيث يمكن للبنوك والمصارف، الصغيرة منها والكبيرة، الإعتماد على تكنولوجيا التطبيقات الذكية لتسيير وتوسيع العمليات المالية والمصرفية التي تقوم على أساس تفعيل نظم الذكاء الاصطناعي في الأعمال والأنشطة المصرفية، حيث سادت النظرة لدى إدارات المصارف والبنوك في تعزيز تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، والدعوة إلى تشريع هذا الإستخدام من خلال التشريعات النافذة من جهة، وفتح أبواب التعاون مع الشركات التقنية المتخصصة لتطوير النظم المستخدمة في هذا القطاع والعمل عىل تحسينها المستمر. ومن أبرز المشاكل التي توجه إستخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي، هي مشكلة التكييف القانوني لهذه التقنيات، لا سيما تقنية المساعد الرقمي الذكي، حيث لا يوجد إجماع قانوني على المستوى الفقهي أو التشريعي في صدد التوصيف القانوني الدقيق له، وهو ما تعمل هذه الدراسة على بيانه والوقوف عليه بشكل أساسي.
المعموري, علاء فاضل خلف، "التوصيف القانوني لإستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي في القطاع المصرفي- (دراسة قانونية تحليلية مقارنة)"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 274-301.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
28 صفحات مرقمةLegal Characterization of the Use of Artificial Intelligence Technologies in the Banking Sector – (A Comparative Analytical Legal Study) Abstract: Artificial intelligence technologies provide numerous opportunities for the development of the banking sector. Banks, both small and large, can rely on smart application technologies to manage and expand financial and banking operations based on the implementation of AI systems in banking activities and services. Bank management has increasingly adopted a perspective that promotes the adoption of AI technologies and calls for regulating such use through applicable legislation, on the one hand, and for opening avenues of cooperation with specialized technology companies to develop and continuously improve the systems used in this sector, on the other hand. One of the most prominent challenges facing the use of these technologies in the banking sector is their legal characterization, particularly with regard to smart digital assistant technology. There is no legal consensus, whether at the doctrinal or legislative level, concerning its precise legal characterization, which this study primarily seeks to clarify. Keywords: Artificial intelligence; Banking services; Banking sector; Smart digital assistant; Digital agent. Le cadre juridique de l'utilisation des technologies d'intelligence artificielle dans le secteur bancaire - (Une étude juridique analytique et comparative) Résumé : Les technologies d'intelligence artificielle offrent de nombreuses opportunités pour le développement du secteur bancaire. Les banques, petites et grandes, peuvent s'appuyer sur la technologie des applications intelligentes pour rationaliser et étendre les opérations financières et bancaires, grâce à l'activation des systèmes d'IA dans les activités et métiers bancaires. Les directions des banques ont adopté une vision qui favorise l'adoption des technologies d'IA, appelant d'une part à l'encadrement juridique de cet usage par la législation applicable, et ouvrant d'autre part la porte à la coopération المجلد 71، العدد 0102-17
avec des entreprises technologiques spécialisées pour développer et améliorer continuellement les systèmes utilisés dans ce secteur. L'un des problèmes les plus marquants de l'utilisation de ces technologies dans le secteur bancaire réside dans leur qualification juridique, en particulier celle de la technologie de l'assistant numérique intelligent. Il n'existe aucun consensus juridique, tant au niveau jurisprudentiel que législatif, concernant sa définition juridique précise, ce que cette étude cherche principalement à clarifier. Mots clés : Intelligence artificielle, Services bancaires, Secteur bancaire, Assistant intelligent, Agent numérique.
يعد القطاع المصرفي من أبرز القطاعات التي تتبنى استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، وقد ازداد استخدام هذه التقنيات في مجال الأعمال والخدمات المصرفية التي تباشرها البنوك عبر الإنترنت، باستخدام شبكات فروع الخدمة الذاتية، المعتمدة على أنظمة معالجة اللغة الطبيعية، والتعلم اآللي، حيث تتوّلى المساعدات الرقمية، الرد تلقائيا وبشكل موثوق على استفساارت العمالء، ومارقبة اتجاهات االدخار واإلنفاق، وتقديم المشورة حول اتجاهات صرف المدفوعات والمدخارت، وأصبح استخدام هذه التقنيات في أتمتة العمليات والمهام المتكررة سببا في توفير التكاليف، وتقليل الأخطاء البشرية، والسماح للموظفين بتركيز جهودهم على عمليات ذات قيمة مضافة أكبر. هذا وقد بدأت البنوك بالفعل بجني ثمار استخدامها لهذه التقنيات، بعد أن مّكنتها من فهم رغبات المستهلكين وتوجهاتهم، مما ساعدها على تخصيص منتجاتها وخدماتها. إلى جانب تطبيقات الخدمات المصرفية الموجهة للعمالء، يمكن استخدام أنظمة تحليل البيانات الضخمة لتمكين المسؤولين التنفيذيين في البنوك من اتخاذ قار ارت أكثر استنارة بشأن ُ مختلف العمليات التجارية الداخلية، والعمليات، واالستثماارت، والمخاطر، واستخدام الموارد، وما إلى ذلك من حاالت االستخدام الأخرى الجذابة بالنسبة للبنوك. وتدور إشكالية البحث الأساسية، حول مسألة قصور التنظيم القانوني الخاص بالتطبيقات الذكية المستخدمة في القطاع المصرفي، خصوصا مع تازيد استخدام هذه التقنيات من قبل البنوك، محاولتها تحقيق أعلى نسبة استفادة من هذه التقنيات. ومن ثم كيف يمكن تعزيز قدرة البنوك على تحقيق التوازن الصحيح بين استخدام هذه التقنيات الذكية، التي تضيف لها قيمة مضافة مستمدة من زيادة رضا العمالء من جهة، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه االستخدامات من أضارر، يتطّلب منا بالفعل الوقوف على النظام القانوني الذي تخضع له هذه التقنيات، واالستخدامات الخاصة بها، كاستخدامها في تحليل البيانات الضخمة، والتعلم اآللي، والتحليالت التنبئية، يمكن أن يقود إلى حصول انتهاكات خطيرة لخصوصية البيانات الشخصية، خصوصا في حال عدم اتخاذ تدابير مناسبة لحماية البيانات، حيث تؤدي انتهاكات الخصوصية إلى نشوء المجلد 71، العدد 0102-17
مسؤولية قانونية، وأضارر بالسمعة، وفقدان القدرة على المنافسة في السوق، وتحدي استماررية الأعمال، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول التكييف القانوني لهذه التقنيات؟ وهل تكفي النظم القانوني التقليدية الستيعاب هذه التقنيات واألضارر الناتجة عن استخدامها؟ وهل ينبغي اللجوء إلى أنظمة قانونية مستحدثة تتالءم مع طبيعة هذه التقنيات؟ وهل يمكن أن نفترض تمتع هذه التقنيات بالشخصية القانونية أو على الأقل تمتعها باألهلية الالزمة لممارسة التصرفات؟ وما هو موقف المشرعين في الدول المتقدمة مثل الواليات المتحدة واالتحاد الأوروبي من التكييف القانوني لهذه التقنيات؟ وعلى هذا سنركز في هذا البحث على الإجابة على هذه التساؤالت المطروحة في ظل الإشكالية الخاصة بالدارسة، على وفق المنهج العلمي التحليلي، الذي يفيد في التعمق في اآلارء والتوجهات المطروحة في هذا الصدد، وبيان الإيجابيات والسلبيات التي يمكن أن تنتج عن أي منها، وذلك ضمن أسلوب البحث المقارن، الذي يفيدنا في استعارض المواقف الفقهية والتشريعية في قوانين بعض الدول المتقدمة، كالتشريعات المقررة في الواليات المتحدة واالتحاد الأو ر وبي، والبحث في إمكانية تطبيقها في ظل النظام القانوني التقليدي القائم في العارق. وعلى ذلك سنتولى تقسيم هذا البحث إلى ثالثة مباحث، نخصص الأول لبيان مقتضيات االعتماد على تقنيات الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي، أما الثاني، فسنبين فيه مجال االستفادة من تقنيات الذكاء االصطناعي في القطاع ّ المصرفي وفي الثالث، سنقف على التوصيف القانوني لتقنيات الذكاء االصطناعي المستخدمة في القطاع المصرفي. وفي الخاتمة نستعرض أهم النتائج والمقترحات التي توصلنا إليها من خالل هذا البحث.
يخلق استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي في القطاع المالي للبنوك فرصا حقيقية تسهم في تعزز الخدمات المصرفية الشخصية، وإدارة المحافظ الذكية، واتخاذ القارارت المالية وحل المشكالت، وتعزيز رضا العمالء وتثبيت والئهم، وكذلك أتمتة العمليات الإدارية الروتينية المتكررة، وكذلك التحسين في أمن المعامالت واألمن السيبارني، وتعزيز الشمول المالي الرقمي. هذا من جانب. ومن جانب آخر، ال يخلق استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي فرصا فحسب بل يتسبب بظهور تحديات أيضا ، وهو ما يفرض على أصحاب المصلحة الرئيسيين في القطاع المصرفي العمل على صياغة است ارتيجيات مناسبة تستهدف التغلب على التحديات التي أفرزتها تقنيات الذكاء االصطناعي المستخدمة في العمل المصرفي الحالية والمستقبلية، ومن بين أبرز هذه التحديات، الخشية من فقدان الوظائف والمخاوف من انتهاك خصوصية المستخدمين، وفقدان الرغبة في الإبداع والقدرة على التكيف مع هذه التقنيات، وكذلك القيود المفروضة على تنفيذ ّ المعامالت الرقمية والمتطلبات التشغيلية، والمخاوف من تبعات الفجوة الرقمية، وضرورة توافر بيانات حساسة عالية الجودة، وتحدي مواءمة است ارتيجيات الذكاء االصطناعي مع الأعمال المصرفية، والخشية من فقدان "اللمسة الإنسانية" العاطفية في العمل المصرفي الذكي. المجلد 71، العدد 0102-17
وعلى ذلك، فإننا سنجمل البحث في هذه الفرص والتحديات، من خالل مطلبين رئيسيين، نبين في أولهما، ّ الحاجة إلى التنظيم القانوني الستخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، أما في الثاني، المخاوف المصاحبة الستخدام ّ تقنيات الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي، كما يلي:
نتيجة لما أصبح عليه استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، وخصوصا تقنية المساعد الرقمي الذكي، أم ا ر واقعا تعتمد عليه الكثير من البنوك العالمية، ولكون استخدام تطبيق الذكاء االصطناعي في المجال المصرفي يواجه تحديات كبيرة، سواء على المستوى التنظيم القانوني المؤسسي أو على مستوى التنظيم القانوني للنشاط المصرفي، فإننا سنتولى تقسيم البحث في هذا المطلب إلى فرعين، نخصص الفرع الأول للوقوف على عوامل ّ تشجيع استخدام البنوك لتقنيات الذكاء االصطناعي، أما الفرع الثاني فنبين فيه التحديات التي تواجه البنوك حين ّ
كان لدخول التقنيات الذكية في الصناعة المصرفية عوامل تشجيعية متعددة، بحيث أصبح هذا االستخدام أم ا ر محتما ، ولم تعد لدعوات المعترضين على هذا االستخدام أي صدى، حيث باتت إمكانية االستفادة من م ازيا الذكاء االصطناعي في هذا القطاع، أكثر وضوحا من ذي قبل، فما قيل من افت ارضات من قبل بعض المعارضين من مخاوف أَن تتعَّرض الأنشطة المصرفية الضط ارب كبير بسبب الذكاء االصطناعي لم يصدقها الواقع، فالحقيقة ّ هي أَّن هذا االستخدام وَّف ر فرصة مواتية للبنوك، ألغ ارض تحويل عملياتها وتطوير خدمات جديدة ومبتكرة، وقد أصبح الذكاء االصطناعي أم ا ر بالغ الأهمية للبنوك، وذلك ليعزز قدرتها على البقاء في صدارة المنافسين، والحفاظ على القدرة التنافسية في السوق 1 . ونظ ا ر للفوائد التي باتت تجنيها البنوك من خالل استخدام وتشغيل الخوارزميات الذكية، والمتمثلة بالمساعدات الرقمية الذكية، التي تعمل على تحسين تخصيص الموارد، وتعزيز إدارة سير العمل، وهو ما يقود إلى تقليل تكاليف مّكن البنوك من تعزيز ُ التشغيل، فاعتماد نظم الذكاء االصطناعي بشكل عام، في الخدمات، والعمليات المصرفية، ت الإنتاجية، وتبسيط العمليات، وتحسين تجارب العمالء، وزيادة الربحية في مشهد مالي ديناميكي، وتنافسي بشكل مت ازيد، وهو أمر ال بد من االلتفاتة إليه، والعمل على ترسيخ النظام القانوني الذي تخضع له هذه التقنيات الذكية، كي ال تبقى خاضعة ألحكام قانونية بعيدة عن ماهيتها وال تستوعب آليتها وال التطور التقني الذي تتمتع به.
وال تقتصر الم ازيا التي تتمتع بها هذه النظم والتقنيات الذكية، على أتمتة العمليات المتكررة الداخلية، حيث تتمكن البنوك من تخصيص الموارد باتجاهات أكثر فعالية، على النحو الذي يزيد في تحسين الإنتاجية، ويعمل على تخصيص المزيد من الموارد لالبتكار، والمباد ارت التي تركز على العمالء، ومن ثم خفض تكاليف العمالة اليدوية، وهو ما يقود بالنتيجة إلى التقليل في أوجه القصور التشغيلية، والتخفيف من حدة المخاطر، ال بل والتقليل ُ ّ منها، مما يدفع البنوك بشكل أكبر لتخصيص الموارد نحو النمو، واالبتكار. هذا وقد بدأت تطبيقات الذكاء االصطناعي تحتل أهمية في إدارة المخاطر المصرفية، فقد أحدثت خوارزميات الذكاء االصطناعي المستخدمة في نظم المساعدات الرقمية الذكية، ثورة في أساليب إدارة المخاطر في قطاع البنوك، وتقديم الخدمات المصرفية، وذلك من خالل تحليل كميات هائلة من بيانات المعامالت في وقت واحد، يمّ ِّ كن نماذج التعّلم اآللي من اكتشاف الأنشطة االحتيالية على نحو دقيق، وبشكل غير مسبوق، ُ على النحو الذي وذلك من خالل تحديد الأنماط المشبوهة ( Anomalies )، وتجنب الأنظمة التقليدية القائمة على القواعد.2 حيث ّ تشمل حاالت االستخدام الأخرى الجذابة لتحليالت البيانات الضخمة والتعلم اآللي تسهيل الكشف عن المعامالت االحتيالية، وتحسين السياسات الداخلية واالمتثال القانوني أو التنظيمي، وتوفير معامالت آمنة، والتنبؤ بالنتائج المستقبلية.3 لذلك، فإن تقنية الذكاء االصطناعي ناضجة بما يكفي لنشرها في القطاع المصرفي، إذ تستغل البنوك هذه التقنية لتبسيط عمليات الأعمال، وتحسين كفاءة الخدمات، وتعزيز تجارب العمالء، وبناء عالقات قوية معهم، وتعزيز نمو الأعمال والقدرة التنافسية، واالستجابة الس ريعة للتغي ارت الداخلية والخارجية.4 فضال عن ذلك، تعمل هذه التحليالت التنبئية المعتمدة على نظم الذكاء االصطناعي على تمكين البنوك من تقييم مخاطر االئتمان، واتجاهاته، والتنبؤ بأوضاع السوق، وتعمل على تحسين است ارتيجيات االستثمار، ومن ثَّم تعزيز عمليات صنع الق ارر، وحماية الأصول المالية، بما يؤدي إلى تعزيز االستق ارر المالي، كون تطبيقات الذكاء االصطناعي تمكن من جعل الإق ارض أكثر كفاءة في اتخاذ الق ارارت االئتمانية، وكذلك يكون فاعال في إحباط ُ 5 عمليات غسيل الأموال، والكشف عنها .
االعتماد على نظم الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي، ال يستجلب فقط الفوائد، بل يجعل البنوك تواجه العديد من التحديات، والمخاطر، حيث يفترض من البنوك تبن ي أساليب فعالة للتأكد من جودة ودقة وسالمة ّ ّ ّ البيانات المستخدمة في برمجة وتخزين وتدريب نماذج الذكاء االصطناعي، إذ يتطلب ذلك استخدام نظم م ارجعة، وتدقيق صارم لتنقية البيانات التي تأتي من مصادر مختلفة، وتجميعها ومن ثَّم تكاملها مع الأنظمة القديمة، فالبنوك تمتلك أنظمة قديمة ومعقدة، ال تتوافق مع تقنيات الذكاء االصطناعي الحديثة، ولذا ينبغي لدمج أنظمة الذكاء االصطناعي بسالسة مع الأنظمة الحالية، أن تسعى البنوك على التعاون واالستثمار في مشاريع التحديث 6 والتكامل . هذا ومن جهة أخرى، فإنه لما كانت أنظمة الذكاء االصطناعي تتعرض للتهديدات السيب ارنية بشكل دائم ّ ّ ّ ومستمر، من قبيل هجمات القرصنة، واالنتهاكات الواردة على البيانات، فاستخدام تحليالت البيانات الضخمة والتعلم اآللي والتحليالت التنبئية، إلى جانب تقنيات الذكاء االصطناعي الأخرى المصاحبة له، يمكن أن تؤدي تخذ تدابير حماية مناسبة، وأَساسا ُ إلى انتهاكات خطيرة لخصوصية البيانات الشخصية الحساسة، خصوصا إذا لم ت 7 يمة وموثوقة . ّ يرجع ذلك إلى أَّن هذه التقنيات غالبا ، ما تستفيد من كميات هائلة من البيانات لتقديم رؤى ق وبطبيعة الحال، تسعى البنوك بالتعاون مع شركات الذكاء االصطناعي إلى تطوير آليات للتغلب على التحديات الخطيرة التي تصاحب استخدام هذه التقنيات، والتي في حالة عدم تالفيها، سيكون من المؤكد عدم القيام بتوسيع مجال استخدام الذكاء االصطناعي دون الوصول إلى حلول لهذه المخاطر، وذلك حفاظا على أموالها، وأرصدة العمالء من السرقة، والضياع، لذا فإنه من المحتمل أال نرى انتشا ار الستخدام تطبيقات الذكاء االصطناعي ّ بشكل كبير في القطاع المصرفي في المستقبل القريب. وعادة ما يكون استخدام وتشغيل أنظمة الذكاء االصطناعي الواسع النطاق، باهظ التكلفة في الإعداد والتشغيل في القطاع المصرفي، الأمر الذي يصعب على المؤسسات المالية أو المصرفية الصغيرة ذات الموارد المحدودة، ّ وذلك للحفاظ على عمليات فعالة وكفؤة لتكنولوجيات الذكاء االصطناعي، وستكون مها ارت علوم البيانات الماهرة 8 ضرورية، فضال عن التكاليف الأولية .
هذا فضال عن أَّن تنوع تقنيات النمذجة االلكترونية المصرفية، يمكن أن يشكل تحديا في تط وير تقنيات نمذجة قادرة على تقدير معلّمات النموذج بدقة، باستخدام كمية محدودة من عينات البيانات، وتزيد الحاجة إلى 9 الدقة العالية في تقدير هذه المعّلمات من تعقيد هذا التحدي . يا تحديا في وضع ّ ني مناهج تطبيق مختلفة بين المؤسسات، حيث تواجه البنوك الكبرى عالم ّ وذلك بسبب تب معايير عالمية فعالة، وتقدير موحد للمخاطر المرتبطة بنشر تقنيات الذكاء االصطناعي عالميا ، نظ ا ر الختالف ّ ّ 10 است ارتيجيات التطبيق . هذا فضال عن أَّن قابلية شرح نماذج الذكاء االصطناعي، تعد من أبرز مشاكل استخدام الذكاء االصطناعي وتعقيداته في مجال الخدمات المصرفية، فهو يعتمد على الخوارزميات، وقد يجد الموظف ون غير الملمين بهذه 11 الخوارزميات، صعوبة في فهم آلية صنع الق ارر المعتمدة على الذكاء االصطناعي .
يمكن تقسيم المخاوف المصاحبة الستبدال النظم المصرفية التقليدية، بتقنيات الذكاء االصطناعي إلى صنفين رئيسين، أحدهما يتمثل بالمخاوف المرتبطة بانخفاض مستوى تشغيل العمالة البشرية، أما الثاني، فيتعلق بالمخاوف ّ المرتبطة باإلدارة المصرفية والعمالء، وهو ما سنبينه في فرعين مستقلين، كاآلتي: ّ
كما العادة، عندما يتوسع استخدام تطبيقات الذكاء االصطناعي في قطاع جديد من القطاعات، فإن المخاوف من استبدال العمالة البشرية بتقنيات الذكاء االصطناعي تتصاعد بشكل كبير، حيث أن الزيادة في اللجوء إلى
ولكن ما يخفف من حدة الأمر، في الوقت الحالي، هو أَّن البنوك تقوم بتدريب موظفيها على تقنيات الذكاء ّ االصطناعي، وتسخيرها لصالحها، وهو ما يعني، بانه حتى إن تم االنتقال إلى تطبيق هذه التقنيات، فإنه لن ّ يحدث في الوقت الحاضر، وإنما في المستقبل بعد عقد أَو أكثر من الأعوام، إذ ال يمكن لتطبيقات الذكاء ّ
االصطناعي أن يحل محل المصرفيين البشريين، وشبكات الفروع بشكل كامل، حيث ينبغي إعادة اكتشاف أدوار 12 المصرفيين البشريين لتعزيز التواصل الوثيق بين المصرفيين والعمالء . وهنا، يجب أَن نأخذ بعين االعتبار، أنه حتى مع تمتع تقنيات الذكاء االصطناعي بالسرعة، التي تفوق في ّ الكثير من الحاالت مقدرة الموظف البشري، إّال أَّنه يفتقر إلى الدقة الموجودة في الجانب البشري، وهو أمر، واضح بصورة جلية بعد اكتشاف العديد من حاالت هلوسة الذكاء االصطناعي، وأحوال تلفيق المعلومات التي ظهرت في تطبيقات الدردشة، وفي هذه الحال، فإَّن ظهور مثل هذه المشاكل مع المستخدمين، يمكن أن تجعله في مواجهة تحديات، يمكن أن تنعكس سلبا على المصرف، حينما يرغب في القيام بعملية مصرفية ما، وهو ما يعني أن النتائج ستكون كارثية، إذ سيحتاج الأمر إلى توظيف أشخاص يتمتعون بالكفاءة المناسبة في مجال الذكاء االصطناعي، لمعالجة التحي ازت الخفية المحتملة في سياق عمليات تحليل البيانات واتخاذ الق ارر المناسب. وعالوة على ذلك، فإن عملية الأتمتة الشاملة لعمليات التعامل مع العمالء، وما يترتب على ذلك من انخفاض في التواصل معهم، يمكن أن يؤدي إلى تآكل "اللمسة الإنسانية" العاطفية في التعامل المصرفي، ومن ثَّم يمكن أن 13 تتضرر ثقة العمالء ورضاهم و وال ؤهم بشدة . كما أَّن الذكاء االصطناعي يعد عموما أقل أمنا بالنسبة للموظفين البشر، فمخاطر اخت ارقه عن بعد قائمة دائما، وهو ما يعني إمكانية الوصول إلى جميع البيانات التي يقوم بتخزينها، وفحصها تلقائيا ، وهو ما يضع البيانات المصرفية للعمالء في خطر التسريب، والسرقة.
يجب في هذا المجال، أن ال نغفل أم ا ر مهما يتمّثل بتحدي إدارة التغيير ومخاوف االستغناء عن العمالة ّ البشرية، إذا ما ازدادت نسبة االعتماد على تقنيات الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي، فليس من السه ولة بمكان التخلي عن النظم التقليدية في الإدارة، والتشغيل، والمحاسبة في القطاع المصرفي، فاألمر ال يحتاج فقط إلى تغير الأدوات، واألَساليب، وإَّنما يحتاج إلى تغير في العقلية، والثقافة السائدة، إذ يتطّلب اعتماد نظم الذكاء االصطناعي إج ارء تغُّي ارت ثقافية، وتنظيمية، بما في ذلك إج ارء ب ارمج تدريب للموظفين، ألَّن النقص في الكوادر المدربة التي تمتلك المها ارت الالزمة في علم البيانات، يؤدي إلى محدودية عدد الموظفين المؤهلين المتاحين للعمل ن القوى العاملة الحالية في البنوك، تعارض على َ في مجال الذكاء االصطناعي ومعالجة البيانات، فضال عن أ 14 الأغلب التغيير، كونها ليست على د ارية أو خبرة بأحدث الأدوات والتطبيقات .
وحث أصحاب المصلحة على قبول التغيير، والعمل على مواءمة العمليات المصرفية الجارية مع متطلبات سير العمل المعتمد على نظم الذكاء االصطناعي، إذ يمكن أن تواجه مقاومة، ومعا رضة داخل القطاع المصرفي، حيث تتردد بعض البنوك في تبني ممارسات جديدة تتعلق بالذكاء االصطناعي، قد ينطبق هذا أيضا على مناطق 15 وحد . ُ معينة في مدن أقل تطوا ر، حيث تتجذر الأساليب التقليدية وت باتت البنوك اليوم تواجه تحديات كبيرة في جذب المواهب الإنسانية، والتي تتمتع بالخبرة في نظم وتقنيات الذكاء االصطناعي، ومجال علوم البيانات، والتعلم اآللي ووسائط وأساليب االحتفاظ بها، حيث يزداد الطلب على المهنيين المهرة، يفوق ما هو موجود من عرض فيها، حيث أَّن البنوك تواجه في قدرتها على جذب هذه الخب ارت منافسة أخرى من قبل كيانات، وقطاعات أخرى، تحتاج مثل هذه الخب ارت، مما يعني، وجود حاجة لهذه الخب ارت 16 في مقابل النقص في العرض من المواهب، والمها ارت . وجدير بالذكر هنا، أنه يعترض بعض المختصون على استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، بالقول بإمكانية ّ أن يتأثر والء العمالء سلبا تجاه المصرف، بسبب الفجوة الرقمية المحتملة، فال يتبنى العمالء المحرومون اجتماعيا 17 واقتصاديا الأنظمة القائمة على الذكاء االصطناعي والخدمات المصرفية المرتبطة بها ، لذلك يجب أَن تضمن البنوك م ارعاة احتياجات وتصوارت ودوافع وقيود مختلف فئات العمالء، على نحٍو كا ٍ ف قبل تطبيق الأنظمة القائمة على الذكاء االصطناعي، لذلك يكون من المهم للبنوك اليوم، تحقيق التوازن الصحيح بين الأتمتة القائمة على الذكاء االصطناعي، والقيمة العاطفية الإنسانية المستمدة من التواصل مع العمالء. كما ويمكن من جانب آخر، أن ال يتمكن العمالء الذين يفتقرون إلى امتالك الأجهزة الشخصية الحديثة، مثل أجهزة الكمبيوتر المحمول، والهواتف الذكية واألجهزة اللوحية، واالتصال باإلنترنت ومها ارت تكنولوجيا المعلومات واالتصاالت، من االستفادة من أنظمة الذكاء االصطناعي المصرفية، وهو ما يعني أن ه يمكن أن يصبح ّ الأشخاص ذوو الوضع االجتماعي واالقتصادي المنخفض، غير قادرين على استغالل الذكاء االصطناعي 18 المصرفي .
AI في عالم اليوم يؤثر الذكاء االصطناعي ) ( القائم على التكنولوجيا الرقمية المتطورة، على عدد ال يحصى من القطاعات، والقطاع المالي ال يستثنى من هذا التأثّر، حيث تعمل قوة الذكاء االصطناعي التحويلية على إعادة تشكيل العديد من القطاعات، ومنها تأثيره على قطاع التمويل المصرفي، فاليوم أصبحنا نعيش في عالم يعرف فيه التطبيق المصرفي الذكي، احتياجات العميل المالية قبل أن يعرفها هو، وله القدرة على اكتشاف االحتيال فوا ر، ويساعد على تحسين القدرة على اتخاذ ق ارارت االستثمار بدقة، وهو، واقع تتكشف لنا معالمه اليوم، ونعيشه اآلن. وعلى ذلك فإننا سنقف في هذا المبحث على مجاالت االستفادة العملية من تقنيات الذكاء االصطناعي في ّ القطاع المصرفي، من ازويتين مهمتين، الأولى تتمّثل في واقع استخدامات الذكاء االصطناعي في الخدمات المصرفية، والثانية هي ازوية االستخدامات المستقبلية لتطبيقات الذكاء االصطناعي في العمليات المصرفية، وسنخصص لكل واحدة منهما مطلبا مستقّال كاآلتي: المطلب الأ ول: واقع استخدامات الذكاء االصطناعي في الخدمات المصرفية ومستقبلها تتعالى الأصوات التي تنادي بضرورة استخدام تطبيقات الذكاء االصطناعي في القطاعات المختلفة، من أجل تعزيز خدماتها، وتحسين أدائها بشكل كبير، والقطاع المصرفي من بين هذه القطاعات، الذي استطاعت فيه قلة من البنوك دمج تطبيقات الذكاء االصطناعي في خدماتها اليومية، بحيث أصبح يحتك بها العمالء بشكل 19 ا . ّ معتاد يومي وهنا، فإننا سنتولى تقسيم هذا المطلب إلى فرعين، نخصص الفرع الأول لبيان واقع استخدام تطبيقات الذكاء ّ االصطناعي في القطاع المصرفي، وفي الفرع الثاني سنبين االستخدامات المستقبلية لتطبيقات الذكاء االصطناعي ّ في القطاع المصرفي، كما يأتي: 19 وجدير بالذكر هنا، أََّنه تمكن مصرف الكومنولث الأست ارلي ) Australia of Bank Commonwealth ( خالل النصف الأول من العام 2222، من دمج الذكاء االصطناعي التوليدي في خدماته بشكل كبير، فقد أسهم إدخال الذكاء االصطناعي في قطاع خدمة العمالء لدى المصرف، المستخدمين عبر تطبيق دردشة فوري يعمل، وفق تقنية مماثلة لتقنية" شات جي بي تي"، في خفض حاالت االحتيال على المستخدمين بنسبة تتخطى 32%، وبفضل هذا الدمج، استطاع المصرف تسريع عمليات منح القروض للمستخدمين، ووصولهم إلى الخدمات التي يحتاجونها. المجلد 71، العدد 0102-17
دخل الذكاء االصطناعي في المجال المصرفي، حامال معه موجة من االبتكا ارت التقنية الذكية، والتي تبّش ر بتعزيز الأمن الرقمي، وتعد بتبسيط العمليات المصرفية، وتساعد على إضفاء الطابع الشخصي على تجربة العمالء 20 المالية . حيث يعمل الذكاء االصطناعي بالفعل على تغيير الصناعة المصرفية بطريقة ارئعة، إذ ال يمكن إنكار فوائد الذكاء االصطناعي، من ناحية تبسيط العمليات، وتعزيز الأمن إلى تقديم خدمات مالية مخصصة، وتحسين است ارتيجيات االستثمار، ومع ذلك، فهو ال يخلو من التحديات، إذ تحتاج قضايا مثل خصوصية البيانات، والتحيز الخوارزمي، ويمكن أن تكون لتطبيقات الذكاء االصطناعي القدرة على تضخيم التحي ازت والتمييز الموجودة في المجتمع، لذلك، من الضروري للبنوك ضمان عدالة أنظمة الذكاء االصطناعي الخاصة بها وتعزيز تكافؤ الفرص من خالل القضاء على أي تحي ازت يمكن أن تعكسها تفضيالت المبرمجين أو عوامل الهندسة االجتماعية التي 21 تسود في المجتمع ، ولهذا فإَّن من الضروري تجاوز هذه التعقيدات، ومن ثَّم العمل على دمج تقنيات الذكاء االصطناعي مع الأنظمة الحالية على وفق برنامج مدروس ومعد بصورة مالئمة ومتأنية. وتبرز العالقة بين نظم الذكاء االصطناعي، وجودة الخدمات المصرفية في مسألة الربحية، حيث تحاول البنوك السيطرة على التكاليف عموما ، عن طريق خفض المصروفات التشغيلية، وذلك باتخاذها النظم التكنولوجية واالبتكار التقنَّية، كأدوات لتحقيق هذه الغاية، حيث يستطيع العميل انطالقا من حاسوبه الشخصي، أَن يتم ربطه بحواسيب المصرف، للقيام بمختلف العمليات المصرفية، وهو مما يزيد من ارحة العمالء، حيث ال توفر الخدمات ّ االلكترونية الذكية عليهم فقط كلفة التنقل، بل تجعل استخدام الموزع اآللي، والص ارفات اآللية، والصيرفة بالم ارسلة، في كثير من الحاالت، عمليات غير ضرورية، كما تمكن أَيضا من إج ارء المزيد من العمليات ليس فقط على المستوى المحلي، وإنما على المستوى العالمي، فالذكاء االصطناعي من خالله يتم تقديم خدمات مصرفية تتميز ّ بسرعة الوصول إلى العميل، وتقليل الوقت، والجهد وتخفيض تكاليف الحصول عليها، وذلك سعيا نحو تقديم 20 مصطفى إبارهيم، "الذكاء االصطناعي في مجال التمويل: فهم العالقات بين البنوك، والعمالء"، مقال منشور على الشبكة الدولية، بتاريخ 21 أغسطس/ آب 2222، متاح على الاربط اآلتي: https://www.ultralytics.com/ar/blog/ai-in-finance-understanding-banking-and-customer- تاريخ الرجوع في 2222/22/2 relationships
الخدمات التي تتالءم مع توقعات العمالء، ومن ثم الوصول إلى أفضل مستوى لجودة الخدمة المصرفية المقدمة، 22 وبناء عالقة وثيقة، مع العمالء مما يدفع نحو االلت ازم أكثر مع تلك البنوك وإثبات الوالء لها . وتجدر الإشارة هنا، إلى ضرورة تعزيز عالقات التعاون بين البنوك، والشركات التكنولوجية في تكن ولوجيا الخدمات المصرفية، فال يتعلق مستقبل الخدمات المصرفية بالتكنولوجيا فحسب، بل يتعلق أيضا بالتعاون بين البنوك والشركات التكنولوجية، حيث نشهد ت ازيدا من الش اركات بين شركات التكنولوجيا المالية، الكبرى، حيث شهد العام 2222 على سبيل المثال، نشوء ش اركة، وتعاون بنك جولدمان ساكس مع شركة Apple إلطالق بطاقة Apple Card ، التي تستخدم الذكاء االصطناعي لتحليل أنماط الإنفاق، وتقديم المشورة المالية الشخصية، وتقديم رؤى في الوقت الفعلي، كل ذلك ضمن تجربة مصرفية رقمية سلسة. On Deck JPMorgan Chase وبالمثل، أب رم بنك ش اركة مع شركة ، وهي شركة تكنولوجيا مالية متخصصة في قروض الأعمال الصغيرة، لالستفادة من الخوارزميات القائمة على الذكاء االصطناعي التي تعمل على تبسيط معالجة القروض، وتقييم المخاطر بدقة أكبر، وتوسيع نطاق الخدمات للشركات الصغيرة.
يمكن أن يتم استخدام تطبيقات الذكاء االصطناعي استخدامات متنوعة مستقبال ، ومن أهم االستخدامات التي يمكن للبن وك أو البنوك تطبيقها هي عملية فحص جميع عمليات الدفع التي تتم يوميا من الحسابات المختلفة قبل الموافقة عليها، وذلك في خطوة الكتشاف عمليات الدفع االحتيالية التي تتم من حسابات المستخدمين أَو يتم سرقتها من حساباتهم، كما يمكن لتقنيات الذكاء االصطناعي، القيام بعمليات م ارجعة الحسابات السنوية لتنخفض 23 مدتها من 22 ساعة إلى ساعتين فقط . كما يمكن للبنك توسيع استخدام خدمات تطبيقات الذكاء االصطناعي، لتصل إلى توليد نصوص، واإلجابة على الأسئلة المحددة التي يوجهها المستخدمون، في إطار خدمة العمالء 24 . كما يمكن زيادة نسبة التكامل، والتنفيذ بين القطاع المصرفي واالستثمار في الذكاء االصطناعي، حيث ينبغي أن يكون دمج تقنيات الذكاء االصطناعي في الأنظمة المصرفية الحالية بشكل غير مباشر، فمثل هذا الدمج 22 ريهام محمود دياب، "دور الذكاء االصطناعي في تحسين أداء الخدمات المصرفية"، المجلة العربية للمعلوماتية وأَمن المعلومات، المؤسسة العربية للتربية والعلوم واآلداب، مصر، المجلد 3، العدد 9، الصفحات 76 إلى 97، ص .76 23 أحمد حسن إسماعيل، "كيف تمكن الذكاء االصطناعي من تعزيز العمليات المصرفية في أستارليا؟"، مقال متاح على ال اربط الإلكتر وني: https://www.aljazeera.net/tech/2024/12/8/كيف-تمكن-الذكاء-االصطناعي-من-تعزيز ، منشور بتاريخ: 8/12/2024 24 تقوم حاليا شركات عالمية متخصصة بالذكاء االصطناعي مثل "مايكروسوفت"، و"أوبن إيه آي"، و"آنثروبيك" للوصول إلى أفضل حلول تقنية تالئم االستخدامات الخاصة بالخدمات المصرفية. المجلد 71، العدد 0102-17
سينطوي غالبا على تكاليف أولية عالية، وتعقيدات تقنية، والحاجة إلى ترقية أَو استبدال الأنظمة القديمة، مما يوجب على البنوك، والمؤسسات المالية تخطيط است ارتيجيات دمج الذكاء االصطناعي، وتنفيذها بعناية، لضمان عمل هذه التقنيات الجديدة بسالسة مع عملياتها الحالية، دون التسبب في حدوث اضط اربات، وتعقيدات في أنشطتها، أَو التسبب بعدم الكفاءة في تقديم الخدمات المصرفية، فنقص البيانات عالية الجودة، والتي تكون ضرورية لضمان أداء الخوارزمية على النحو الأمثل في سيناريوهات العالم الحقيقي، يمكن أن يقود إلى مشاكل غير ممكن تحديد نطاق أض اررها، كما لو لم تكن البيانات بتنسيق قابل للق ارءة آليا ، فقد يتسبب ذلك في سلوك غير متوقع في 25 نموذج الذكاء االصطناعي . كما يمكن دمج الذكاء االصطناعي بصورة أكبر في مركز خدمة العمالء، حيث أَّن قيام المصرف بدمج تقنيات الذكاء االصطناعي في م اركز خدمة العمالء، يمكنه من التواصل مع العمالء مباشرة، واإلجابة على التساؤالت التي ترد إليه، إن كانت بسيطة، وموجودة في المعلومات الخاصة بالعمالء، والمستخدمين، فضال عن 26 التسريع في عملية توثيق المستندات المقدمة من العمالء، والتأكد من سالمتها . ويمكن للمصرف دمج التقنيات الخاصة بالذكاء االصطناعي، بشكل أكبر من خدمة العمالء، من أجل اتخاذ الق ارارت الخاصة باإلق ارض، وذلك بعد ملء استما ارت الطلبات، والتمكن من الوصول إلى معلومات المستخدمين بشكل أسرع من السابق، والقيام بتحليل وضع المتقدمين إلى القروض، وتقديم تقييم سريع عن الحالة، من أجل تسريع عملية اتخاذ الق ارر بمنح القروض أَو عدمه.
يمكن أن يتولى الذكاء االصطناعي المهام العادية مثل إدخال البيانات، ومعالجة المعامالت، حيث يمكن للبرمجة الحاسوبية المدعومة بالذكاء االصطناعي أتمتة استخ ارج المعلومات، ومعالجتها، من قبيل المستندات المالية مثل الفواتير، واإليصاالت والعقود على نحو يضمن الدقة والسرعة في هذه المهام الروتينية، بما يمكنها من أداء خدمة أفضل لعمالئها. يمكن لتطبيقات الذكاء االصطناعي الم ارقبة المستمرة في الوقت اآلني، وذلك عن طريق تبني أسلوب هذا ّ النهج االستباقي لألمن يعزز ثقة العمالء، ويقلل من الخسائر المالية الناجمة عن االحتيال، وذلك بتحديد الأنماط
غير المعتادة التي قد تشير إلى، وجود اخت ارق أَو نشاط احتيالي، حيث تكشف عن االحتيال، وتمنعه بسرعة، مما 27 يساعد في حماية كل من المصرف، وعمالئه، ويضمن بيئة مصرفية أكثر أمانا . ولما كانت أبرز االستخدامات العملية لتطبيقات الذكاء االصطناعي في العمليات المصرفية تتمثل بالمساعد ّ االفت ارضي الشخصي المعتمد على تطبيقات الذكاء االصطناعي، ودمج الذكاء االصطناعي مع تقنية البلوك تشين، ل منهما فرعا مستقال ، كاآلتي: ّ ننا سنخصص للبحث في كٍ ّ فإ الفرع الأ ول: المساعد االفتارضي الشخصي المعتمد على تطبيقات الذكاء االصطناعي يمكن أن تعمل تطبيقات للذكاء االصطناعي المصرفية على إضفاء طابع شخصي على تجارب المستخدمين ستخدم ُ أَو العمالء، وذلك من خالل قدرتها على تقديم نصائح مالية مخصصة، ورؤى محددة حول الإنفاق، فمثال ت أنظمة معالجة اللغة الطبيعية ( NLP ) والتعلم اآللي للرد تلقائيا ، وبشكل موثوق، على استفسا ارت العمالء، وم ارقبة 28 اتجاهات االدخار واإلنفاق، ومن ثَّم ص رف المدفوعات نياب ة عنهم، وذلك من بين استخدامات عديدة أخرى . حيث يعمل التطبيق الشخصي المصرفي على تقديم توصيات مخصصة حول كيفية توفير المال أَو إدارة المي ازنية الشخصية بشكل أكثر فعالية، وهذا المستوى من التخصيص في عمل التطبيقات الذكية، يجعل من لكل مستخدم على حدة، على النحو الذي يعزز تجربة استخدامه َ الخدمات المصرفية نظاما أكثر مالءمة، وفائدة بشكل عام. كما، ويمكن لروبوتات الدردشة اآللية، والمساعدين االفت ارضيين المدعومين بنظم الذكاء االصطناعي، تقديم خدمة عمالء فورية، وذلك من خالل الإجابة على االستفسا ارت، وحل المشكالت بشكل مباشر، وهذه المساعدة الفورية يمكن أن تعمل على تحسين رضا العمالء من خالل توفير حلول آنية ومباشرة، وبصورة سريعة، دون الحاجة إلى تدخل بشري، حيث يمكن للعمالء الحصول على المساعدة في أي، وقت، وفي أي مكان، ما دام وا مرتبطين بالشبكة، ولديهم التطبيق المالئم لالتصال، والدردشة، مما يجعل الخدمات المصرفية أكثر مالءمة، وسهولة في الوصول إليها. 27 تستخدم شركة Co & Chase JPMorgan ، وهي شركة تمويل أمريكية متعددة الجنسيات، منصة ذكاء العقود القائمة على COiN Technologies AltiQ ، الذكاء االصطناعي، والمعروفة باسم ، ألتمتة م ارجعة المستندات القانونية.، و وف قا لشركة تستخدم الشركة أيضا الذكاء االصطناعي للكشف عن االحتيال، وإدارة المخاطر، مما يزيد من حماية عملياتها، وتعزيز الكفاءة العامة.
يمكن في مجال القطاع المصرفي، دمج الذكاء االصطناعي مع تقنية البلوك تشين، فهي تقنية آمنة، وشفافة في توثيق وتسجيل المعامالت الرقمية، وتعرف تقنية البلوك تشين بأنها: "عبارة عن سجل رقمي مخَّ زن على قاعدة ّ ُ بيانات عامة، يستخدم من خاللها الذكاء االصطناعي للتحليل واتخاذ الق ارارت"، ويمكن أن تسهم هذه التقنية في حل مشكالت أمن البيانات ومنع االحتيال، وال تقتصر على العمالت المشفرة فحسب، ولها تطبيقات عديدة مثل 29 الشفافية الرقمية، والتحويالت المالية عبر الحدود، وتجميع القروض . وعندما تقترن تقنية البلوك تشين بالذكاء االصطناعي، يمكن أن ترتقي باألمن المالي إلى مستوى جديد تماما ، حيث تتحول المعامالت من كونها آمنة إلى أن تكون ذكية أيضا ، إذ تقوم أنظمة الذكاء االصطناعي بم ارقبة وتحليل كل الخط وات المتبعة في توثيق المعاملة، لضمان أعلى مستوى من الشفافية، فضال عن الحماية من االحتيال، وهذا التكامل لديه القدرة على إعادة تشكيل المشهد المصرفي بأكمله، على النحو الذي يجعل الخدمات المصرفية أكثر أمانا ، وكفاءة من أي وقت مضى، إذ يكون من الضروري استثمار التقنيات التكنولوجية الحديثة، على غ ارر البلوك تشين في سياق تطوير الخدمات المالية للبنوك، وفي ذات الوقت، تقليص الطرق التقليدية في 30 استعمال النق ود ، إذ يبشر استخدام الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي، بمكاسب كبيرة في الكفاءة بالنسبة 31 للبنوك وعمالئها . مّكن تقنية البلوك تشين، من تعزيز أمن المحافظ الرقمية الذكية، إذ يجري ُ نه ت ّ وفي هذا الصدد، يمكن القول بأ إنجاز معامالت الدفع الإلكتروني عبر الهاتف المحمول، على النحو الذي يقلل االعتماد على العمالت التقليدية، ُ ويعزز من أحوال الشمول المالي، وكذلك يسهم في تقديم رؤى ثاقبة حول االستثما ارت واألداء والتنبؤ وإدارة ُ 32 المخاطر . ومن كل ما تقدم، يمكن القول، بأَّن دمج تقنيات الذكاء االصطناعي بتقنية البلوك تشين، يمكن أن يتوّلد عنه ابتكار حلول جديدة في التكنولوجيا المالية المدعومة بالذكاء االصطناعي، فضال عن المساهمة في تعزيز الثقة وتحصين البنية التحتية التكنولوجية للبنوك الكبرى، على النحو الذي يؤدي إلى تقديم خدمات مالية متطورة، وموثوقة ّ في آن واحد، ومن المتوقع أن تنمو موجة االبتكار هذه، مما يمهد الطريق لمزيد من التطوارت التحويلية في القطاع المصرفي.
المصرفي لما لم يوجد توصيف تشريعي موحد لتقنيات الذكاء االصطناعي، متفق عليه على المستويين الوطني والدولي ّ ّ عموما ، فقد حاول بعض الفقه االجتهاد في إضفاء التوصيف القانوني المالئم لهذه التقنيات، وذلك من خالل القول بمنحها الشخصية القانونية، بينما ذهب آخرون إلى النظريات القانونية التقليدية المطروحة في النيابة، لبيان التوصيف القانوني لهذه التقنيات. وعلى ذلك فإننا سنقوم باستع ارض االتجاهات الفقهية والتشريعية التي ظهرت في صدد بيان التوصيف ّ القانوني لنظم الذكاء االصطناعي المعتمدة في القطاع المصرفي وتقييمها، وذلك في مطلبين، كاآلتي:
االصطناعي في القطاع المصرفي من أبرز الحلول المطروحة لالعت ارف بمشروعية استخدام تطبيقات الذكاء االصطناعي في القطاع المصرفي نته التشريعات ّ هو منح الشخصية القانونية لتطبيقات الذكاء االصطناعي، أو اعتبارها وكيال الكترونيا على نحو ما تب المختصة في الواليات المتحدة واالتحاد الأو ر وبي، وهو ما يستدعي الوقوف على مضمون هذين التوجهين في ّ فرعين مستقلين كاآلتي:
ذهب بعض الفقه إلى القول بمنح الشخصية القانونية للتقنيات الخاصة بالذكاء االصطناعي، وخصوصا المساعد الذكي، والتي تعمل على توجيه وإرشاد الجهات المستهدفة سواء من المستهلكين أو العمالء أو المستخدمين، وتكون لديه القدرة بسبب خوارزميات التعلّم اآللي على التنبؤ برغباتهم وحاجاتهم، من السلع والخدمات، 33 وتخمين قدرتهم الش ارئية أيضا . ويستند الفقه في تأييد توجههم بمنح الشخصية القانونية للتطبيقات الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية الرقمية، على حجة مفادها، تمتع هذه التطبيقات بالشخصية القانونية كونها يمكن أن تتمتع باألهلية، وذلك لما لديها من وعي يوازي مستوى الإنسان العقلي، حيث لها القابلية والفهم لسبب
34 وجودها في هذا العالم ، ويرى بعض الفقه بأَّن مسألة تمتع التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية باألهلية وثبوت الحقوق والواجبات عليها يرتكز على الموقف الفقهي أو التشريعي من منحها الشخصية القانونية؛ وفي هذا الصدد، يطرح الفقه ثالثة فروض ترتبط بمدى تمتع التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية باألهلية: الفرض الأول، هو أن تعامل التطبيقات الرقمية الذكية، معاملة غيرها من اآلالت الجامدة والجمادات الصماء ُ 35 التي ال أهلية لها وال ذمة مالية . والفرض الثاني؛ منح التطبيقات الرقمية الذكية، قد ا ر محددا من الأهلية، وتحميلها جزءا من المسؤولية على غ ارر الأهلية الممنوحة لألشخاص المميزين غير البالغين من الأشخاص الطبيعيين، وهو ما يسمى في الفقه بأهلَّي ة 36 الأداء الناقصة . أما الفرض الثالث؛ ففيه يجري منح التطبيقات الرقمية الذكية الأهلية الكاملة على غ ارر الأهلية الممنوحة لألشخاص الطبيعيين البالغين، وهي أهلية الأداء الكاملة، وهي أهلية تمنح لمن يتمتعون بالشخصية القانونية 37 المستقلة؛ كونها تقنيات ذكية تتمتع بوعي وإ اردة ذاتية شبيهة باإلنسان الشخص الطبيعي . ّ ويبرر بعض الفقه ال أري القائل بثبوت أهلية تطبيقات الذكية، من قبيل التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية، في أّنها تتسم بسمة االستقاللية، حيث ال تطلب شيئا تحتاجه فحسب، وإنما هي تفهم ّ 38 الحاجة إلى شيء ما من خالل قدرتها على التنبؤ ، فالتطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية 34 احمد علي حسن عثمان، "انعكاسات الّذكاء االصطناعي على القانون المدني - دارسة مقارنة"، مجلة البحوث القانونية واالقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، العدد٧٦، ٢٠٢٠، ص.2227 وكذلك ينظر: - HUNT Daniel ,Smart Robots: A Handbook of Intelligent Robotic Systems New York, Chapman and Hall, 1985, pp. 6-15. 35 محمد المناصير، "إشكالية الشخصية االلكترونية القانونية للروبوت"، المجلد 7، العدد الأول، المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث، كلية الحقوق ، جامعة االما ارت، 2229، ص.77
تعمل على أساس خوارزميات التعلم اآللي، والتي بموجبها تتمكن من فهم مكنونات التفكير البشري الداخلية بعمق، ومن ثَّم تستطيع التنبؤ بالحاجات والرغبات مسبقا ، ولكن ما تفتقر إليه هذه التطبيقات هو العواطف، وتفهم المشاعر من حولها، فهي في هذا ليست كالبشر؛ فعندما يصرخ إنسان أمامنا على سبيل المثال، نفهم بالشعور الإنساني أنَّ ه غاضب، وهذا االستنتاج شعوري يتوّلد لدى الشخص نفسه، وتعود هذه االستنتاجات إلى وجود قدرة التحليل واالستنتاج العقليين؛ وهذا ال يتوفر لدى التطبيقات الرقمية الذكي، التي تعتمد على البرمجة ال رقمية الصافية للخوارزمية التي تعمل بموجبها، وهي برمجة تبعدها عن مفهوم ومعنى الإ اردة البشرية، والتي هي مرتبطة أصال بالوعي واإلد ارك للتمييز، فالتطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية أو الروب وتات الذكية ال تمتلك مثل هذه الصفة من الوعي الذاتي، ومن ثَّم ال يمكن أن تكون لها إ اردة سليمة وواعية يعترف بها القانون 39 . هذا ويمكن القول، بأََّن هذه الصفة هي سمة مطلقة، تنطبق على كل أنواع التطبيقات الرقمية الذكية، حتى 40 بالنسبة لتلك التطبيقات التي تتمتع بمستوى ذكاء اصطناعي فائق . َّ ولكن إذا ما سل منا جدال بصحة التوجه الثالث، والذي تمنح فيه التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في ّ الخدمات المصرفية شخصية قانونية، مما يمّكن من معاملتها معاملة الشخص الطبيعي كامل الأهلية؛ فإَّن ذلك سيعني إمكانية تصور ثبوت الحقوق وااللت ازمات للمساعدات اآللية الذكية، وهذا في حقيقة الأمر ليس كافيا لتبرير عها بالشخصية القانونية، خصوصا إذا ما عرفنا أَّن اكتساب الشخصية القانونية وفقدها، يرتبط بالقانون نفسه، ّ تمت ولذلك ال يمكن القول بثبوت هذه الشخصية للمساعدات الرقمية الذكية، ما لم تقر ذلك التشريعات القانونية النافذة، كما أقرت ذلك بالنسبة للشخصية الطبيعية والشخصية المعنوية أو االعتبارية. ّ ن قانون الأونسيت ارل النموذجي بشأن التجارة االلكترونية، لم يتطرق ص ارح ة ّ هذا ونجد على الصعيد الدولي أ نما تعامل مع رسائل ّ إلى التوصيف القانوني لتطبيقات أو نظم الّذكاء االصطناعي الخاصة بالمساعد الذكي، وإ البيانات التي يتم إنشاؤها أوتوماتيكيا بواسطة أجهزة الكمبيوتر، وبدون تدخل بشري مباشر، ولذلك فقد اعتبر في ّ نه كمبدأ عام، ينبغي أن يكون الشخص سواء كان شخصا طبيعيا أو اعتباريا مسؤوال في ّ المادة (23) منه، على أ النهاية عن أي عملية تنتج أو تنشأ عن نظام المعلومات المبرمج بواسطته أو نيابة عنه للعمل تلقائيا ، حتى ولو 41 انتفت الم ارجعة البشرية للعملية من جانب ذلك الشخص وقت إج ارئها . 39 معهد دبي للعلوم والتكنولوجيا، التنظيم التشريعي- االستخدامات للطائ ارت من دون طيار والروبوتات، مجلة معهد دبي للعلوم، عدد ابريل/ نيسان، لسنة 2222، ص.22 40 أحمد طارق صادق، أساسيات الذكاء االصطناعي، دار الذاكرة للنشر والتوزيع، بغداد، 2227، ص.27 41 عماد عبد الرحيم الدحيات، "نحو تنظيم قانوني للذكاء االصطناعي في حياتنا إشكالية العالقة بين البشر واآللة"، مجلة االجتهاد للدارسات القانونية واالقتصادية، المجلد 7، العدد 2، كلية القانون جامعة الإما ارت العربية المتحدة، عام 2229، ص .27 المجلد 71، العدد 0102-17
الفرع الثاني: التوصيف القانوني لتقنيات الذكاء االصطناعي في الواليات المتحدة ودول االتحاد الأوروبي ذهب المشرع االتحادي الأمريكي في القانون الأمريكي الموحد للمعلومات المتعلقة بصفقات الحاسوب ( UCITA ) ذات النهج المتبع في قانون المعامالت الإلكترونية الموحد، في توصيف الب ارمج الذكية على أنها ّ ّ وكيل إلكتروني، وذلك في المادة (222) منه، عندما عرفه بأنه: "برنامج أو نظام الكتروني يستخدم بشكل مستقل ّ ّ رف نياب ة عن الشخص بدون م ارجعة من جانب هذا الشخص ّ رد على الرسائل الإلكترونية والتص ّ لبدء إج ارء ما، أو لل 42 في وقت التصرف أو االستجابة للرسائل الإلكترونية" . ّ وكذلك فقد نصت المادة (226) منه، على أن الشخص الذي يستخدم الوكيل الإلكتروني في إج ارء أي ّ ّ تصرف، أو إب ارم أي اتفاق، إن يلتزم بجميع عمليات الوكيل الإلكتروني، حتى لو لم يكن على علم بهذه االتفاقية ّ يا بكافة ّ م يمكن القول أَّن مستخدم الوكيل الإلكتروني الذكي، طبقا لهذا القانون، ملزم تلقائ ّ رف، ومن ثَ ّ أو التص 43 عمليات وكيله، وبغض النظر عن ظروف المعاملة، أو دور العوامل المحيطة به . ّ Responsible Human وفي الجانب اآلخر، فقد ابتكر البرلمان الأوروبي نظرية النائب الإنساني المسؤول Agent ، لحل مشكلة التوصيف القانوني للمساعد الرقمي الذكي، وذلك من خالل نصه عليها في قواعد القانون المدني الأوروبي الخاص بالروبوتات الصادر في فب ارير من عام 2226 44 ؛ حيث ذهب القانون الأوروبي، إلى تحميل مشغل المساعد الذكي أو مالكه، المسؤولية المدنية عن الأض ارر التي يتسبب فيها، وتحمله تبعة التعويض 45 عن أية ض رر يتسبب به . وقد استند االتحاد الأوروبي إلى مفهوم النائب الإنساني حتى يكون هناك شخص مسؤول عن أفعال الروبوت اآللي 46 ، فاعتبر قانون الروبوتات الأوروبي أنه ونظ ا ر لعدم إمكانية إقامة مسؤولية الشخصية للروبوت عن الأض ارر التي قد يتسبب بها لشخص ثالث، فتقوم المسؤولية على شخص النائب الإنساني بسبب أفعال وتقصير الروبوت نفسه، والملفت أن المشرع الأوروبي استخدم مصطلح "النائب" وليس "الحارس أو الرقيب" وأن فكرة النائب الإنساني 42 ينظر نص المادة رقم 222 من القانون الأمريكي الموحد للمعلومات المتعلق بصفقات الحاسوب، الصادر في تموز عام .2999 43 ينظر نص المادة رقم (226) من القانون الأمريكي الموحد للمعلومات المتعلق بصفقات الحاسوب، مرجع سابق. 44 نص عليه في المادة (2/26) من القانون المدني الأوروبي للروبوتات سابقة الذكر.
ال تتطابق مع نظرية حارس الأشياء الميكانيكية أو ذات العناية الخاصة، وذلك بدليل وصف "النائب" المغاير 47 لوصف "حارس الشيء" . لذا يمكن القول بأن فكرة النائب الإنساني، وعلى وفق ما جاءت به قواعد القانون المدني الأوروبي الخاص بالروبوتات الذكية، يمكن أن يكون أساسا للمسؤولية المدنية الناشئة عن أض ارر المساعد الرقمي الذكي؛ كون هذا النائب هو إنسان يتمتع بالشخصية القانونية، كما أن مركزه القانوني هو افت ارض أوجده القانون الأوروبي، يتشابه مع افت ارض الح ارسة لألشياء المادية، إال أن الفرق أنه يتحمل أفعال المساعد الرقمي الذكي، وق ارارته بصورة حتمية وبافت ارض غير قابل إلثبات العكس. وتعمل البنوك أو المؤسسات المالية، على إظهار وإب ارز الف وائد، والمنافع التي يمكن أن يجنيها العمالء أو المستخدم ون من خالل تلبية احتياجاتهم المالية أو االقتصادية، وذلك بإيهامهم بأََّن ما تعرضه عليه هذه المنصات من خدمات، قد جرى وفقا لرؤيتهم، ورغبتهم المفترضة، ولكن في حقيقة الأمر أَّن عمل المساعد الذكي، والتوجيه والتمييز الذي قام به، ال يحمل في طياته نوايا حسنة بصورة خالصة، والسبب في ذلك، أَّننا ال نرى فيما تدعيه الجهات المسؤولة عن مواقع المصارف أو المؤسسات المالية، أو غيرها من المنصات العاملة في إطار الخدمات المصرفية، والتطبيقات التي تستخدم أدوات الذكاء االصطناعي في تحفيز عملها، ليست في حقيقتها إّال وسيلة نها من الطبيعي أن تكون المسؤولة عنها، فهذه التطبيقات ّ لزيادة أرباح البنوك، وتوسيع نشاط عملها، ومن ثَّم فإ الذكية العاملة عبر منصات البنوك أو مواقع الخدمات المصرفية، تعمل في حقيقة الأمر على أساس تقديم الخدمات المصرفية لل ارغبين من العمالء أو الذين تتوّلد لديهم الرغبة في ذلك، نتيجة تركيز النشاط الدعائي أو الإعالني عليه، وهذا يجعلها في المقابل تستفيد من الحصول على عوائد وأرباح أكبر من خالل توسيع النشاط، ومن ثم ّ 48 نجاح الأعمال المصرفية . وعلى ذلك، فإَّنه يمكن القول بأَّن تحقق المنافع من تقديم خدمات التطبيقات الذكية الخوارزمية، يكون بمستوى عاٍل، كّلما كانت هذه التقنيات أكثر ارتباطا ، وصل ة باألشخاص المستهدفين أَو الفئات المستهدفة، ويمكن أن تزداد هذه الصلة، من خالل تجميع أكبر عدد ممكن من البيانات الشخصية الرقمية للعمالء، من خالل ملفات تعريف االرتباط، والتي تعمل على تبسيط زيا ارت الم واقع الإلكترونية من خالل عمليات خزن بيانات المستهلك، وذلك ألَّن 47 محمد ربيع انور فتح الباب، الطبيعة القانونية للمسؤولية المدنية عن أضارر الروبوتات د ارسة تحليلية مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2222، ص.62 48 حيث تقدر قيمة الأرباح التي حصلت عليها منصات مواقع التواصل االجتماعي الإلكترونية، على ما يزيد من (32) مليار دوالر ّ في سنة 2222 لوحدها، للمزيد ينظر: Hossain, Md Alamgir, and Minho Kim., "A comprehensive study on social commerce in social - networking sites", Sage Open 10, no. 2 (2020): 2158244020936225. المجلد 71، العدد 0102-17
الموافقة على تحميل هذه البيانات من قبل ملفات االرتباط، يمّك ن هذه التطبيقات من ملء المعلومات الشخصية تلقائيا ، ومن ثم إكمال استما ارت التسجيل للدخول إلى الموقع واالستفادة من خدماته بشكل سريع، حيث تتولى أنظمة التصفية والتنقية الخاصة بالمعلومات والبيانات، معالجة كميات كبيرة من هذا المحتوى الرقمي، ولكن على الرغم من المواصفات العالية، التي تتمتع بها هذه المنصات الرقمية والتقنيات الذكية المستخدمة فيها، حيث أنها ّ تكون سببا مهما في جني الأرباح، إّال أ ََّن االستهداف والتوجيه الإلكتروني الذكي الذي تقوم به التطبيقات الإلكترونية الذكية، يتسبب في نشوء مجموعة من المشاكل الأخالقية، وذلك فيما يتعّل ق بالبيانات الشخصية لألف ارد، ومتطلبات الحفاظ على الخصوصية الجماعية، والتحيز في معالجة البيانات، والتمييز العنصري، والجنسي، وخلق شعور عدم 49 المساواة االجتماعية، واالقتصادية .
يمكن أن ندلي بدلونا في هذا المقام، في تقييم اآل ارء والتوجهات المطروحة، وذلك في صدد التوصيف القانوني للتقنيات الذكية المستخدمة في القطاع المصرفي، من خالل بيان الثغ ارت التي أصابت موقف التشريعات المقررة في الواليات المتحدة واالتحاد الأوروبي في هذا الصدد، ومن ثَّم نطرح أرينا بصدد حل مشكلة إسناد المسؤولية المدنية عن أض ارر استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، وذلك في فرعين، كاآلتي: الفرع الأول: موازنة بين موقفي المشرع الأمريكي واألو ر وبي من التوصيف القانوني لتقنيات الذكاء االصطناعي بالنسبة لموقف القانون الأمريكي، فإَّن اعت ارف القانون االتحادي للمعامالت الإلكترونية الموحد ( UETA ) بتقنيات الذكاء االصطناعي بوصفها كالوكالء الإلكترونيين، يستدعي اعتبار الوكيل مجرد أداة ليس لديها كيان ّ مستقل خاص بها، ومن ثَم فإن الشخص الذي يقوم بتشغيلها، يصبح مسؤوال بشكل مطلق عن النتائج التي قد ّ 50 تترتب على أعمالها، وبصرف النظر عن ظروف التعاقد . وفي موقف المشرع هذا، محاولة لمعالجة أغلب الحاالت التي تنشأ فيها المسؤولية المدنية، نتيجة استخدام تقنيات الذكاء االصطناعي، إذ يمكن أن تتسبب بأض ارر بسبب انتهاك البيانات الشخصية المحمية بالنظام القانوني المقرر لحماية الحق في الخصوصية إلى نشوء المسؤولية القانونية المدنية، لما تتسبب به هذه االنتهاكات من
انتهاك للحق في الخصوصية وأض ارر في السمعة، يمكن أن تتسبب بفقدان القدرة على المنافسة في السوق، بما يفرض تحديا بصدد استم اررية الأعمال 51 ، حيث ي وجب القانون على البنوك اتخاذ تدابير مناسبة، تتمكن من خاللها من المحافظة على أمن المعلومات وحماية الخصوصية، سواء أثناء جمع هذه البيانات أو حين تحليلها أو استغاللها، حيث ستتكون لديها مجموعات بيانات شخصية حساسة ضخمة عن العمالء. Algorithmic biases كما ويمكن أن تؤدي التحُّي ازت الخوارزمية ( ) إلى أض ارر توجب نشوء المسؤولية ِّ المدنية، وذلك عندما يتم استخدام وتشغيل نماذج لتقنيات الذكاء االصطناعي التي تتخذ ق ارارت تفض ل مجموعة ُ ّ سكانية أَو اجتماعية على أخرى، حيث يمثل هذا الق ارر خطأ في واجب مستخدمي تلك التقنيات في ضمان أن تكون نماذج الذكاء االصطناعي عادلة، وشفافة، وخالية من التحيز مثل التحيز العرقي أَو الجنساني أَو االجتماعي، ي تدابير ّ واالقتصادي تحديا كبي ا ر يتطلب اهتماما مستم ا ر، وم ارقبة دقيقة، على النحو الذي يعكس الحاجة إلى تبن عالية في القوة، لتعزيز الأمن السيب ارني، بغية حماية البيانات، والمعلومات المالية المصرفية الحساسة، وهو ما من شأنه الحفاظ على الثقة مع العمالء، حيث يمكن أن يوجد تحي ز في اتخاذ ق ارارت الإق ارض بالنسبة للرجال عنه ّ بالنسبة للنساء، أو بالنسبة للرجال من ذوي البشرة البيضاء بالنسبة للرجال من ذوي البشرة السوداء، رغم كونهم يعيشون في ذلك الظروف، إّال أَّن الذكاء االصطناعي يقرر منح الرجال البيض هذه القروض بنسبة أكثر من 52 النساء البيضاوات أو الرجال السود، بسبب التحيز العنصري لصالح المقترضين الرجال البيض . ّ أما بخصوص المسؤولية المدنية الناتجة عن أخطاء المساعدين اآلليين المعتمدين على الذكاء االصطناعي، ّ فيمكن أن تقوم على أساس قواعد المسؤولية المدنية التقليدية، الممي ازت التي تتسم بها تطبيقات الّذكاء االصطناعي، يا لسيطرة المالك، ّ فال يمكن لها أن تعمل بمعزل عن توجيه الإنسان، وإش ارفه وإ اردته بصورة مطلقة، فهي تخضع ماد والحائز، والمشغل، وهذا ما يجعل من افت ارض منح الشخصية المستقلة لها في الوقت الحاضر ضربا من الخيال. ن ه ّ رع الأوروبي نظم الّذكاء االصطناعي منزلة مستقبلية أرقى من اآللة الجامدة، إّال أ ّ فبالرغم من منح المش
منح الروبوتات الذكية المستقلة الشخصية القانونية، من خالل االعت ارف بأنها شخص الكتروني ذو شخصية ّ قانونية، يكون مسؤوال عما يتنج عنه من تصرفات تسبب أض ارا ر للغير 53 . ّ وفي إطار النقاشات المطروحة حول تحديد مدى حرية التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية باالختيار؛ يمكن القول هنا، أ ََّن الذين اعترفوا بأن للتطبيقات الذكية خصائص مميزة لها؛ على وفق ما صرح به المشرع الأو ر وبي في القانون المدني للروبوتات 54 ، مثل القدرة على التحكم الذاتي عن طريق جهاز جه، يرون ّ ن المعارضين لهذا التو ّ االستشعار عن طريق تبادل المعلومات المخزنة فيها مع البيئة الخارجية 55 ، إّال أ عدم انطباق أحكام الشخصية القانونية على تقنيات الذكاء االصطناعي وخصوصا المساعد الرقمي الذكي، فاألخير ا بالمعنى البيولوجي؛ بل هو كيان مادي متكون ّ نه ليس كائنا حي ّ برغم تمتعه بمواصفات ذاتية فائقة الذكاء، إّال أ من جذع وأط ارف وقوابض واستشعار، وعقل الكتروني، ووحدة تشغيل ووحدة تحكم، ووحدات قيادة ذاتية، تحتاج
يؤدى إلى اتخاذها الق ارر، لما لها من القدرة على التفاعل بذكاء في بيئة التشغيل، مع ضرورة المتابعة والتحديث 59 من قبل المبرمج، لتحسين القدرة على التحليل واالستنتاج وفق المعطيات المدخلة ، لذلك نرى بأَّن التطبيقات الذكية من الناحية العملية ليست سوى تطبيقات ذكاء اصطناعي صماء، فهي أدوات جامدة، تحتاج دوما إلى ّ ب ر عن أوامر الكترونية نتيجة االيعاز لها مسبقا من قبل إنسان، ولذلك ال يمكن ّ غ ل لها، ويمكن أن تع ّ ج ه أو مش ّ موِّ ِّ القول بعد التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية، تتمتع بقدرة وإ اردة مستقلة عن مشغلها أو ّ تمتعها بأهلية قانونية متكاملة، وأرينا هذا يتفق مع ما يقول به بعض الفقه الأوروبي في أَّن الروبوتات الذكية، ّ ليست وال يمكن أن تكون كائنات حية، لها إد ارك وتفكير مستقّلين؛ إذ أنها تفتقر إلى القصد واإل اردة الح رة الالزمتين للتصرفات الأخالقية، ألنها ال تستطيع إال اتخاذ الق ارارت واإلج ارءات المبرمجة عليها سلفا ، لتنفيذ المهام بناء على 60 ما تمت برمجتها للقيام به . الف رع الثاني: حل مشكلة إسناد المسؤولية المدنية عن أضارر تطبيقات الذكاء االصطناعي الذكية إذا سلمنا جدال ، بأَّن المصرف الذي يستخدم تقنيات الذكاء االصطناعي في العمل المصرفي، هو نفسه المسؤول عن الأض ارر التي تتسبب بها التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية، وهذا القول يقتضي منا الإق ارر بمسألة مهمة، أال وهي أَّن شيوع استخدام التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات ّ ّ المصرفية كوسائط للمساعدة في أداء وتنفيذ الخدمات المصرفية، خصوصا عندما تكون التعامالت المصرفية بصورة تقنية أو الكترونية، وعندما تكون هذه التقنيات بصورة مساعدات تقنية تتخذ ق ارارت وتجيب مباشرة عن 61 الأفعال والتصرفات التي تستشعرها، كما هي الحال في روبوتات الدردشة اآللية الذكية ، وهذا ال يعني أبدا إسناد ما يقوم به المساعد الذكي من أفعال وإصدار الأوامر التي يعطيها في إب ارم تعاقدات إليه نفسه، فالتطبيقات الرقمية الذكية المستخدمة في العمل المصرفي ال تلزم نفسها، فهي ال تمتع بالشخصية القانونية التي تؤهلها لالستقاللية بالق ارر بعيدا عن المصرف الذي يشغلها أو يستخدمها، ومن ثَّم تحمل العواقب الناتجة عن ذلك التشغيل أو ّ االستخدام بنفسها، فال تتوفر لها أهلية وال ذمة مالية وال إ اردة، وغير ذلك من مواصفات الشخصية القانونية، ولذلك فإن أي أض ارر تسببها التطبيقات الرقمية المصرفية التي تستخدم تطبيقات الذكاء االصطناعي، لن تكون هي المسؤولة عنها، وتكون بالضرورة خاضعة لسيطرة المصرف أو البنك المسؤول عنها، وهو المالك أو المشغل 59 محمد ربيع أنور فتح الباب، المرجع السابق، ص .79
بحسب الأحوال، حيث أسس الفقه القانوني، هذا ال أري على أساس أنها وكيل عن الأصيل، الذي هو المصرف 62 المالك لها أو المشغل لها . ولكننا نود هنا أن نبين تأييدنا لالتجاه المعارض لهذا ال أري، وسبب معارضتنا له يعود إلى أَّن الوكالة عقد ّ ّ بين شخصين، فهي بموجب المادة (926) من القانون المدني الع ارقي رقم 22 لسنة 2922 النافذ المعدل، "عقد يقيم به شخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم"، فهي عقد ال يكون الطرف فيه إّال شخصا ، يقيم شخصا آخر اسمه الوكيل، بأن يجري لمصلحة الموكل وباسمه تصرفا جائ از ومعلوما، وأساس السلطة الممنوحة للوكيل هي وجود نيابة عن الموكل؛ على أن تنصرف آثار التصرف إليه دون الوكيل 63 . عا بالشخصية، وليست له أهلية قانونية، فليس ممكنا أن يكون ط رفاُ إلب ارم ّ ما كان المساعد الذكي ليس متمت ّ ول 64 عقد الوكالة مع الموكل، وفقدان الشخصية القانونية يستتبع فقدان الأهلية واإل اردة في إنشاء العقد ، فال يصدر 65 منه رضاء يعتد به قانونا ، ليتم إب ارم العقد ، فليس من الممكن أن تتوفر شروط وأركان عقد الوكالة في التطبيقات التقنية الذكية المستخدمة في الخدمات المصرفية بموجب القانون 66 . ونرى أنه من الأفضل لو يتم استحداث نظام قانوني خاص لهذه التطبيقات التقنية الذكية، ال يعترف لها ّ بالشخصية القانونية الكاملة كما الشخص الطبيعي أو المعنوي، وال يجردها بذات الوقت من بعض ممي ازت هذه ّ الشخصية القانونية، إنما يمنحها بعض الصفات التي تتالءم مع خصوصيتها من ناحية، وتساعد على تعظيم ّ االستفادة من هذه التقنيات ألقصى مدى في المجاالت االقتصادية والمالية والتجارية واإلدارية، ومنها القطاع المصرفي، بعيدا عن النظم القانونية التقليدية، متجنبين محاولة تطويع هذه النظم على نحو يجردها من كيانها القانوني المتميز، ويبعدها عن المنطق القانوني السليم الذي يفترض أن ي ارعى في تطبيقها وفي تبنيها، هذا الطرح ّ من وجهة نظرنا يجعل من توجه االتحاد الأوروبي في اعتبار هذه التقنيات كنائب (قانوني) عن مستخدميها أو ّ مشغلها، أقرب إلى الصحة وأكثر مدعاة للقبول، فمآل التصرفات التي تجريها هذه الكيانات الذكية سيعود للمصرف الذي استخدمها مباشرة، ومن ثم هو سيكون هذا المساعد الذكي نائبا عن المصرف وليس وكيال عنه، فالنيابة هنا ستكون بحكم القانون ولن تكون مبنية على عقد الذي هو أساس نشوء الوكالة. 62 علي عبد العال االسدي، نحو نظرية عامة للوكالة الالزمة في القانون المقارن، منشوارت الحلبي الحقوقية، بيروت، ص.32 63 محمد شريف عبد الرحمن، الوكالة في التصرفات القانونية، دار الفكر والقانون، مصر، 2222، ص.32-32 64 ينظر المادة (923) من القانون المدني الع ارقي النافذ رقم 22 لسنة 2922 المعدل. 65 علي عبد العال االسدي، المرجع السابق، ص.72
المجلد 71، العدد 0102-17
يشهد القطاع المصرفي العالمي اليوم تحُّوال عميقا ، مدفوعا باالعتماد واسع النطاق على الذكاء االصطناعي، هذا التحول بدأنا نلمس آثاره بدءا من تجارب العمالء الشخصية، إلى حلول إدارة المخاطر المتقدمة، حيث يحدث ُ الذكاء االصطناعي ثورة في الممارسات المصرفية التقليدية، ويعزز الكفاءة التشغيلية، واالبتكار، ويمكن أن ُ نستعرض عددا من النتائج والتوصيات التي توصلنا إليها من خالل هذه الد ارسة، كاآلتي: النتائج: -2 يعد التطُّور المستمر لتقنيات الذكاء االصطناعي، بإعادة تشكيل الصناعة المصرفية في المستقبل، إذ سيمّكن البنوك من تقديم خدمات محسنة، وتخفيف المخاطر، والتكُّيف مع المتطلّبات الديناميكية للعصر الرقمي. ّ -2 يجب على البنوك مع تبنيها لتقنيات ونظم الذكاء االصطناعي، أن تتعامل مع التعقيدات التنظيمية، ّ واالعتبا ارت الأخالقية المصاحبة لهذا االستخدام، وذلك لضمان االستفادة من ممي ازت الذكاء االصطناعي بشكل مسؤول، وأخالقي. -3 يتطّلب تحقيق التوازن بين الم ازيا والعيوب الخاصة باستخدام تقنيات الذكاء االصطناعي في الخدمات المصرفية، إتباع نهج شامل ومتوازن، من قبل الإدا ارت المصرفية ورجال الأعمال والمستخدمين والمطورين على ٍ د سواء، يعطي الأولوية لالستخدام المسؤول للذكاء االصطناعي، وتخفيف المخاطر، ويرّكز في ذات الوقت ّ ح على االعتبا ارت الأخالقية. -2 باإلمكان تعظيم فوائد استخدام الذكاء االصطناعي في القطاع المركزي، مع تخفيف مخاطره، وذلك إذا ما سخرت البنوك القوة التحويلية للذكاء االصطناعي نحو دفع االبتكار، وتحسين الكفاءة، وتقديم تجارب متفوقة ّ للعمالء مع الحفاظ على الثقة، والن ازهة، واالمتثال داخل النظام المصرفي. المقترحات: ديات التنظيمية الناجمة عن استخدامات تقنيات الذكاء االصطناعي، نقترح ّ -2 نظ ا ر لما تتطلبه مواجهة التح العمل على بذل جهود امتثال استباقية، وتفعيل حالة التعاون بين السلطات الإدارية، والتنظيمية المصرفية، واالستثمار في التكنولوجيا، والم ارقبة المستمرة للتطوارت التنظيمية، لضمان كون االعتماد على نظم الذكاء االصطناعي في الخدمات المصرفية، يتم بطريقة متوافقة ومسؤولة وأخالقية. المجلد 71، العدد 0102-17
-2 نظ ار لعدم االتفاق على توصيف قانوني محدد لتقنيات الذكاء االصطناعي، على المستوى القانوني التشريعي والفقهي، نقترح على المشرع الع ارقي تبني ذات النهج المقرر في االتحاد الأوروبي، وذلك لكون هذا النهج ّ أكثر مقبولية وعقالنية من نهج المشرع االتحادي الأمريكي، الذي يعتبر هذه التقنيات كوكيل عن المصرف، ففكرة النائب الإنساني، وعلى وفق ما جاءت به قواعد القانون المدني الأوروبي الخاص بالروبوتات الذكية، يمكن أن يكون أساسا للمسؤولية المدنية الناشئة عن أض ارر التطبيقات الذكية؛ فالنائب هنا هو الإنسان الذي يتمتع بالشخصية القانونية، وال إشكال في مشروعية مركزه القانوني، كونه افت ارض أوجده القانون الأوروبي نفسه. المجلد 71، العدد 0102-17